عُمان: تجربة مدهشة في إصلاح المؤسسات العامة

|

الصفحة متوفرة باللغة

دُعِيت مؤخراً إلى مسقط للتعرف عن كثب كيف تتبنى الحكومة نهجاً جديداً لإصلاح المؤسسات العامة. كانت سلطنة عمان، شأنها شأن العديد من البلدان، تواجه صعوبات جمّة في الإشراف على عدد كبير من المؤسسات العامة غير الكفوءة في مختلف القطاعات. ورغم تحقيق المؤسسات العاملة في قطاع النفط والغاز أرباحاً جيدة، فإن المؤسسات الأخرى ظلت تتكبَّد خسائر كبيرة. وكان الحل هو: تبني نهج شامل بدعوة مجموعة مختارة من أصحاب المصلحة للتشاور وتبادل الأفكار لمدة شهرين والتوصل إلى خارطة طريق لمعالجة المشكلات الرئيسية.

إنشاء شركات قابضة تتولى الإشراف على القطاعات وتحديد التوجُّه الإستراتيجي

إن متابعة نحو 80 مؤسسة مختلفة تعد دائماً مهمة شاقة وصعبة. ولتبسيط دورها الرقابي، قامت وزارة المالية بتقسيم هذه المؤسسات إلى ستة قطاعات هي: النفط والغاز، السياحة، المرافق، الأغذية والزراعة، الطيران، والخدمات اللوجستية، وترأس كل واحد منها شركة أم قابضة. وقد سمح ذلك للوزارة بمراقبة المؤسسات العامة ومحاسبتها على الأداء بشكل أفضل. كما سمح للشركات القابضة بالتغلُّب على مشكلات التنسيق في القطاع. لكن هذه التدابير لم تكن كافية بمفردها.

وكانت الخطوة التالية هي العمل مع الشركات القابضة الست لوضع إستراتيجية موحدة للتحسين. وقد خاض ناصر الحارثي، مدير عام الاستثمارات بوزارة المالية، هذا التحدي ومن خلاله خرج مشروع "وثاق" إلى النور. وقد تبنى هذا المشروع، الذي يهدف إلى إعادة ضبط العلاقة بين الوزارة والمؤسسات العامة والوزارات التنفيذية المعنية، نهجاً شاملاً من البداية حيث كوَّن فريقاً يتألف من 20 شخصاً معيَّنين من الشركات القابضة الست بالإضافة إلى أعضاء مختارين من وزارة المالية. وعلى غير العادة، اعتمد المشروع أيضا جدولا زمنيا طموحا يمتد لشهرين.

كسر الحواجز: تبني عملية شاملة لمختلف الأطراف

مع الاستغناء عن الأعداد الغفيرة من الاستشاريين، اعتمد المشروع على المواهب النابعة من المؤسسات نفسها. وطُلِب من كل عضو في الفريق أن ينحي ولاءه المؤسسي جانباً وأن يتعامل مع المشروع بموضوعية وبروح الفريق الواحد. وبدلاً من استخدام بطاقات العمل التقليدية، أُعطِي كل عضو في الفريق شارةً تحمل اسمه كتعبير عن ولائه الجديد لمشروع وثاق. ورغم كونه نشاطاً جماعياً في المقام الأول، فقد أُتيحت مساحة كبيرة لتألُّق الأفراد من خلال مبادرات مثل "بطل الأسبوع" التي كانت تقدِّر وتشيد بالتفاني أو الالتزام أو التميُّز في الابتكار.

القيام بالتحليل: التفكير في معالجة المشكلات

 خلال مرحلة جمع البيانات التي استمرت لثلاثة أسابيع، قام الفريق باستعراض مئات الوثائق وإشراك الرؤساء التنفيذيين للشركات القابضة من خلال المقابلات وحلقات العمل التي تضم أصحاب المصلحة- وهي عملية كانت بالغة الأهمية في تأمين مساندتهم.

وأخيراً، بحث الفريق عن حلول محتملة خارج السلطنة حيث قام بزيارة تايلند وسنغافورة لدراسة تجربتيهما والاستلهام منهما. وقد لوحظ تمتُّع مجالس الإدارة في تايلند بالاستقلالية والاحترافية، كما كان مطبَّقاً في سنغافورة تعيين أعضاء أجانب معترف بهم دولياً في مجالس الإدارة لتوفير المزيد من الاستقلالية عن الضغوط السياسية.

ما الذي يمكن تعلُّمه مما قامت به سلطنة عمان؟

كان نهج السلطنة فريداً من حيث شموليته وتوقيته الجيد وأنه نابع من الداخل. فبدلاً من اعتماد النهج الفوقي التقليدي، تم تجميع أصحاب المصلحة معاً والتشديد على التعاون والشعور بالمسؤولية. وساعد تجميع الفريق في مكان واحد على الانتماء للمشروع واستكشاف طرق جديدة لممارسة الأعمال.

كما ساعد وضع جدول زمني واضح واستخدام "ساعة" إلكترونية للعد التنازلي، مع تحديد مستهدفات معيَّنة، على التركيز وتحفيز الفِرَق.

وتجسدت مزايا هذا النهج في الاعتماد على عُمانيين من ذوي الأداء العالي، وليس فريقاً من الاستشاريين الدوليين. فهؤلاء العُمانيون يتفوقون على غيرهم في امتلاك معرفة وثيقة بتحديات المؤسسات المملوكة للدولة التي كانوا يعملون بها، وكذلك فهم عميق للسياق الثقافي والسياسي الذي تعمل فيه شركاتهم.

ما هي الخطوات التالية؟

لقد بدأت سلطنة عمان بدايةً جيدةً. فهذا النهج الشامل والتعاوني يتشابه في أوجه كثيرة مع نهج النتائج السريعة، وهو إحدى أفضل الممارسات الدولية وغالباً ما تتبناه مجموعة البنك الدولي.1 ومع انتهاء مرحلة التخطيط، سيكون من المهم أن تجد وزارة المالية حلولاً للتحديات الأربعة الأكثر صعوبة، وهي: (1) المالية – وقف الخسائر، (2) الحوكمة- اتباع أفضل الممارسات الدولية وتحديد أدوار ومسؤوليات واضحة لأصحاب المصلحة، (3) التنسيق – التغلُّب على تجزؤ المسؤولية، (4) مشاركة القطاع الخاص – التوجُّه نحو الخصخصة والشراكة بين القطاعين العام والخاص.

وتتطلب معالجة هذه القضايا وجود إرادة سياسية قوية. ويظل التساؤل قائماً حول ما إذا كانت ستستمر السلطنة في إبداء الإرادة السياسية على تحقيق المأمول من مشروع وثاق، لكن المؤشرات الحالية إيجابية

المواضيع

بقلم

إسماعيل رضوان

كبير الخبراء الاقتصاديين المعنيين بشؤون القطاع العام، منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مجلس التعاون الخليجي

انضم إلى النقاش