دحض أسطورة تقويض التنمية في فلسطين

|

الصفحة متوفرة باللغة

*نقدم مدونتين تعالجان التحدى المعقد للتنمية في البيئات الهشة والمتأثرة بالصراعات. يستخدم د. علاء الترتير مدير البرامج في شبكة السياسات الفلسطينية، مثال الأراضي الفلسطينية للتأكيد على الحاجة إلى فهم الأبعاد السياسية لعدم الاستقرار من أجل وضع سياسات فاعلة للتصدي لها. ويقول ستين يورجنسن، المدير القطري للبنك الدولي في الأراضي الفلسطينية إن المساعدات تمثل أمرا ملحا على وجه خاص في البيئات الهشة، لحماية الفئات الأكثر ضعفا، ولتعزيز التنمية التي تمثل مفتاح السلام والاستقرار في نهاية المطاف.
 
هل أدت جهود المجتمع الدولي والسلطة الفلسطينية خلال 20 عاماً مضت منذ التوقيع على اتفاق أوسلو إلى تحسين الظروف المعيشية للفلسطينيين؟ - الإجابة هي نعم. وهل كانت النتائج ستكون أفضل بدون حصار غزة والقيود الإسرائيلية وعدم تنفيذ الاتفاقات القائمة؟ – الإجابة هي نعم أيضا. 

إن مصطلحات مثل "تقويض التنمية De-development" لوصف ما حدث في فلسطين في العقود الأخيرة يحجب عن الأنظار الفلسطينيين الكادحين أصحاب المعاناة الطويلة الذين يجاهدون يوميا من أجل توفير حياة أفضل لأنفسهم ولأطفالهم. كما أنها وسيلة غير مناسبة لعرض التقدم الباهر الذي حققته فلسطين رغم عدم وجود اتفاق سلام، وتنطوي على خطر زيادة تهميش القضية الفلسطينية. كما أنها أيضا أمر غير صحيح في الواقع.

على صعيد التقدم الاقتصادي، فإن نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي في فلسطين يبلغ اليوم أكثر من 4500 دولار (بالقوة الشرائية للدولار)، مقابل حوالي 3300 دولار قبل 20 عاما. ومن ثم، فإن الفلسطينيين قد زادوا من قدرتهم الشرائية بأكثر من الثلث في غضون 20 عاما منذ أوسلو. وهذا يعادل متوسط معدل نمو إجمالي الناتج المحلي بنسبة 3.4 % حتى عام 2014. وبالنسبة لأولئك الذين لا يؤمنون بإجمالي الناتج المحلي كمؤشر، فقد زادت نسبة الالتحاق بالتعليم العالي في الفترة نفسها من 16 إلى 50% تقريبا. وقد انخفضت وفيات الأطفال دون سن الخامسة من 43 لكل 1000 طفل في عام 1990 إلى 23 طفلا اليوم، مقارنة بـمعدل 73 في بلدان أخرى وبلدان ذات "متوسط تنمية بشرية" مماثل. وفي العام الماضي، كان هناك إجمالا 147000 ولادة في فلسطين، ويعني هذا أن 2940 طفلا آخرين سيبقون على قيد الحياة حتى سن الخامسة مقارنة مع الوضع قبل 20 عاما. وهذه الأرقام تتناقض مع القول بأن ما حدث في فلسطين على مدى العقدين الماضيين يمكن وصفه بأنه "تقويض لعملية التنمية". 

لكن لكي نكون منصفين، علينا أن نميز بين الضفة الغربية وقطاع غزة. ففي السنوات العشرين الماضية، نما الاقتصاد في الضفة الغربية بنسبة 250 %، وزاد نصيب الفرد من الدخل بنسبة 183 %. وهذه النسبة تضاهي أو تعتبر أفضل مقارنة ببلدان أخرى متوسطة الدخل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وقد زاد ذلك من خلال الدعم المقدم من المانحين والذي أحسنت السلطة الفلسطينية إدارته. وقد أظهرت أبحاثنا أن إجمالي الناتج المحلي اليوم كان يمكن أن يكون أعلى بمقدار الثلث إذا كان الفلسطينيون قد تمكنوا من دخول المنطقة (ج) بالضفة الغربية. 

ومما يؤسف له، فإن غزة تمثل قصة مختلفة تماما، فمنذ 20 عاما لم ينمو الاقتصاد إلا بنسبة 2 % فقط. ونعم، كان هناك تقويض لعملية التنمية في غزة بسبب الحصار والحروب المتكررة وسوء نظم إدارة الحكم، كما ورد في تقرير صدر مؤخرا عن البنك الدولي (التقرير الاقتصادي الذي يرفعه البنك الدولي إلى لجنة الارتباط الخاصة، مايو/أيار 2015). ولكن ماذا يعني ذلك؟ هل يجب أن ينسحب المانحون بسبب الحروب والحصار الذي دمر الاقتصاد – ويتركوا السكان الفقراء في غزة دون أي دعم أو مساندة؟ في رأيي، فإن استمرار الدعم الحالي يمثل أمرا ضروريا. وهذا هو ما ينبغي للبنك الدولي أن يقوم به، هو ما سيقوم به، لمعالجة القيود السياسية التي تعيق التنمية - وخاصة في المناطق الهشة مثل فلسطين. 

لقد أحسنت فلسطين من جانبها استخدام مساعدات المانحين (على الأقل في الضفة الغربية) رغم القيود الإسرائيلية. ماذا عن البنك الدولي؟ وفقا لمجموعة التقييم المستقلة التابعة لمجموعة البنك الدولي، فإن 74 % من جميع المشاريع التي يمولها البنك حققت أهدافها الإنمائية في السنوات العشر الماضية مقابل 66 % فقط بالنسبة لمشاريع البنك في المنطقة. هل كانت مساعدات البنك مفيدة؟ نعم! هل أداء فلسطين أفضل من باقي بلدان المنطقة؟ نعم! هل يمكننا أن نحقق ما هو أفضل؟ نعم! وكيف يمكننا أن نحقق ذلك؟ هذا هو مكان ودور الاستراتيجية الجديدة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التابعة لمجموعة البنك الدولي. لدينا فرصة كي نتقدم ونمضى قدما في ظل الاعتراف الصريح بدور إعادة بناء العقد الاجتماعي، وتعزيز التعاون الإقليمي، وبناء قدرة اللاجئين على مواجهة المصاعب، وتعزيز التعافي وإعادة الإعمار.

مما يؤسف له، فقد بلغ التقدم الاقتصادي الراهن الذي يعتمد على المساعدات منتهاه. إننا الآن في عامنا الثالث من الانكماش الاقتصادي لنصيب الفرد، ومعدلات البطالة مستمرة في الزيادة. هناك حاجة إلى بذل جهود جديدة لإعادة تشكيل الاقتصاد الفلسطيني وتوجيهه نحو مسار نمو يقوده قطاع خاص نشط مصحوب بالعدالة الاجتماعية. لن يمكن للاقتصاد الفلسطيني أن يصل إلى كامل إمكاناته وقدراته إلا عندما يكون هناك اتفاق سلام.

وإلى ذلك الحين، هناك العديد من الأشياء التي يمكن أن نعمل عليها لتحسين حياة الفلسطينيين، ولدعم نظم الحكم الرشيد (الحوكمة)، وتعزيز النمو الذي يقوده القطاع الخاص. علينا مضاعفة الجهود، لأننا نعلم أن النمو الشامل يعزز السلام والاستقرار.
 

بقلم

انضم إلى النقاش