فتح الصندوق الأسود – المرحلة الثانية من إتاحة المعلومات في تونس

|

الصفحة متوفرة باللغة

قد يظن المرء ببساطة أنه كان سيُحتفى في تونس بيوم "الحق الدولي في المعرفة". فنتيجة لثورة يناير/كانون الثاني 2011، تتمتع تونس بأحد أكثر القوانين انفتاحا في المنطقة في مجال الحصول على المعلومات، كما أن صحافتها فعالة، ويشهد مجتمعها المدني ازدهارا. لكن ما عشته يوم الجمعة الماضي لم يكن احتفالا على الإطلاق – لقد كان عملا.

World Bank | Arne Hoelفقبل اندلاع الثورة، كانت الحكومة التونسية ووزاراتها عبارة عن صندوق أسود.وكانت محاولة الحصول على معلومات من الحكومة مليئة بالتحديات.فلم تكن هذه الحكومة التي فرضت قيودا ليس فقط على منتقديها بل على موقع يوتيوب أيضا، لم تكن حريصة على تقديم مثل هذه المعلومات الأساسية عن أنشطة الوزارات أو تقارير التنمية، ناهيك عن نوعية الأشياء التي ستمكن مواطنيها من مساءلتها – مثل الموازنة العامة. وقد تعرض آنذاك الصحفيون والنشطاء الذين حاولوا طرح الأسئلة أو معرفة ما يجري للمضايقات أو الاعتقال.

وفي الواقع، كان من بين الأسباب العديدة التي تفجرت ثورة تونس على اثرها، الإحباط من افتقار الدولة للشفافية والمساءلة. وكانت القوانين واللوائح تطبق بطريقة انتقائية، وكانت الوظائف تمنح للمقربين، وكانت المعارضة تودي بك في كثير من الأحيان إلى السجن. لقد كانت الحكومة منعزلة ولا تلبي مطالب واحتياجات مواطنيها.

وفي مجتمع متعطش للمعلومات، والمعارضة والنقاش، كان أحد الانتصارات الأولى التي حققتها الثورة رفع الرقابة عن وسائل الإعلام والإنترنت. وأدى ذلك إلى نمو وزيادة في الوسائط الإعلامية، والمواطنين الصحفيين ومنظمات المجتمع المدني بشكل واسع وغير مسبوق– مع تعهد بألا يجبروا على الصمت مرة أخرى أبدا.في مايو/أيار 2011، بعد أربعة أشهر فقط من الثورة، وقعت الحكومة المؤقتة في تونس أول قانون يتيح الوصول للمعلومات في هذا البلد.وألزم هذا القانون الجديد الحكومة، لأول مرة، بالاستجابة لمطالب المواطنين في الحصول على المعلومات والكشف عن المعلومات والبيانات مسبقا. وبمساندة من البنك الدولي، استند القانون على أحدث المعايير الدولية لحصول المواطنين على المعلومات.

ومع ذلك، تجمع يوم الجمعة الماضي، نشطاء مطالبون بحرية الوصول إلى المعلومات في يوم حق المعرفة، لكن هذا التجمع لم يكن لخلق ضجة لتهنئة الذات بل كان تجمع للتأكيد على استمرار العمل وطرح المزيد من الأسئلة الهامة. وخلال مؤتمر نظمته جمعية "توانسة" وهي من منظمات المجتمع المدني برعاية معهد البنك الدولي وإدارة التنمية المستدامة في مكتب نائبة رئيس البنك لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، كانت قضية اليوم هي العناصر الأساسية لتنفيذ القانون الجديد. وحضرت سائر منظمات المجتمع المدني والمنظمات الإعلامية التي تكرس جهودها لمساءلة الحكومة وتحقيق الشفافية والانفتاح لدفع جدول الأعمال قدما – وكانت هناك مؤشرات على أن هذه الجهود تلقى آذانا صاغية من الحكومة. وفي مايو/أيار الماضي، أصدرت الحكومة أول منشور لها يوجه تعليمات للوزارات عن كيفية نشر المعلومات للجمهور.

لكن لا يزال هناك الكثير من العمل.فبمجرد أن اختتم المتحدث باسم الحكومة التونسية عرضه التقديمي حول ما فعلته الحكومة وما هي خطواتها المقبلة، انهالت عليه الأسئلة من الحضور – الذين كانوا يحثون الحكومة على الإسراع – فهم يحتاجون للمعلومات – ولن يتقبلوا مجرد الإجابة "بلا". فالمسألة لا تتعلق بالإطار القانوني وحسب، بل الخطوات العملية المطلوبة لنقل المعلومات من الوزارة إلى مواطنيها.في وزارات غير معتادة على الشفافية، لا تتوقف الحاجة فقط عند وضع قواعد جديدة بل تمتد إلى إحداث تحول ثقافي كبير.وكان حدث يوم الجمعة الماضي إحدى الفرص أمام الحكومة التونسية لفهم ما هي المعلومات المطلوبة وللنشطاء كي يدركوا ما القيود التي تواجهها الحكومة.

من جانبه يقدم البنك الدولي يد العون على جانبي العرض والطلب من خلال مساندته للحوار الحالي بين الحكومة التونسية والمجتمع المدني لتعزيز التعاون بينهما.وعلى جانب العرض، تحتاج الحكومة إلى نظم جديدة لتصنيف، ونشر وحفظ (أرشفة) المعلومات.وعلى جانب الطلب، ناقشت منظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام والمواطنون أهمية وجود نافذة إلكترونية لطلب المعلومات – والحاجة إلى زيادة الوعي بين المواطنين حول حقهم في الحصول على المعلومات. كما يشكل المشروع الإقليمي للحوار وتبادل المعرفة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الذي يراعاه البنك الدولي سبيلا جديدا للمعرفة بالنسبة للتونسيين.

وقد قطعت تونس شوطا طويلا منذ بداية الثورة – لكن التحسن حتى الآن حدث فقط على مستوى في القوانين. ويشرع التونسيون في الوقت الراهن نحو المضي إلى المرحلة التالية – وهي مساءلة حكومتهم والأخذ بزمام المبادرة في تنمية بلدهم.

انضم إلى النقاش