بين المادي وغير الملموس

|

الصفحة متوفرة باللغة


إنها كنيسة صغيرة، بحجم حظيرة . مكعبٌ صغيرٌ مبني من الأحجار المقطعة دون انتظام. رغم عزلتها، فهي تقبع على أرضٍ مقدسةٍ تاريخياً؛ عتيقةً بما يكفي لحمل الذكريات. وعلى تواضعها فهي ليست مُهمَلة، فأبوابها ونوافذها طليت حديثاً باللون الأبيض، وعلى حافة نافذتها تستريح شمعة ذابت منذ وقتٍ غير بعيد. يقصدها المؤمنون، وأولئك المتأملون. يمشون طويلاً ليزوروها مرةً واحدةً في العام، للصلاة والشعور بالاطمئنان، وباقي أيام السنة تبقى الكنيسة وحيدة، شاهدةً على أصوات الرياح ودورانها. إنها كنيسة مار موسى الحبشي في بسري في لبنان، ولكنها يمكن أن تكون أي كنيسة في العالم. تجلس هذه الكنيسة ضمن مخطط السد المنوية إقامته على نهر الأولي. سيشكل السد خزاناً مائياً سيؤمن إمدادات المياه الضرورية إلى ما يقرب من 2 مليون شخص في منطقة بيروت الكبرى، والذين يحصلون على ثلاث ساعات فقط من الماء يومياً خلال أكثر من نصف العام. 

ومع ذلك، وعلى تواضعها، فإن هذه الكنيسة المارونية الصغيرة تثير شجون الكثيرين من سكان المنطقة لدرجةٍ قد تبدو غير متناسبة. تطفو عواطف هؤلاء مطعّمة بروحانية المكان وتاريخه العريق. تكللها ذكريات طفولتهم عن احتفالات منتصف الليل الهادئة لعيد الفصح أو تجاربهم الروحية. ومع أن العديد منهم قد انتقل إلى المدينة، وإلى بيروت، فإنهم ما زالوا حريصين على قضاء عطلة صيفية في قراهم المنتشرة في المنطقة، وما زالوا حريصين أيضاً على أن تعامل كنيستهم المحبوبة باحترام وعدل. وقد كانت المشاورات التي أجريت أثناء تقييم الأثر البيئي والاجتماعي عاطفية وواضحة جداً بشأن هذه المسألة، حتى أن عمدة قرية مزرعة الضهر أصر قائلاً: "لن يتحرك شيء في موقع السد حتى يتم نقل الكنيسة!" 

إن نقل الكنيسة في حد ذاته عملية عاطفية. إذ أنه لأمر مؤثر أن ترى كيف يجتمع جميع المعنيون بالأمر للتأكد من التنفيذ، ومن أن العملية تسير بشكل جيد. تعمل العديد من الأطراف معاً بفاعلية ونشاط، من مسؤولي الكنيسة إلى اثنين أو ثلاثة من المجتمعات المحلية المعنية بالموضوع إلى ممثلي الحكومة المركزية، حيث تتشاور جميعها ودياً لتقرر أفضل مكانٍ جديدٍ للكنيسة وتحدد التفاصيل الفنية لعملية النقل. ولكن، ماذا عن البنك الدولي؟ حسناً، كما يقول المدير المحلي فيريد بلحاج: " في الماء، هناك حياة، والحياة بدون عمق روحاني لا تعني شيئاً. بالعمل عن كثب مع المجتمعات المحلية، فإننا سنبذل قصارى جهدنا لمنح الناس إمكانية الحصول على المياه التي تشتد الحاجة إليها، والحفاظ على تراث ديني لا يُعوض ولا يقدر بثمن".

يجعلنا الأمر برمته نعيد النظر "فلسفياً" في روح سياسة التراث الثقافي. هل قيمة الكنيسة ملموسة أم غير ملموسة؟ يتمثل أحد أبعادها بالتأكيد في القيم الروحية والعاطفية، والطريقة الحانية التي اجتمع بها جميع المعنيين بالأمر للحفاظ على تراثهم الثقافي. 

وقد يظهر هذا للوهلة الأولى وكأنه يعاكس سياسة البنك الدولي بحماية التراث الثقافي (OP 4.11) والتي تذكر على وجه التحديد الممتلكات المادية التي تحمل قيماً ثقافية وتاريخية. وفي حالتنا هذه، يوجد هيكل متواضع، لا توجد له قيمة مادية كبيرة للتعويض النقدي - أي من ناحية الأصول الثقافية "الملموسة".



غير أن لجنة الخبراء المستقلة، والمستشارين الخاصين بالمشروع أصروا على ضرورة مراعاة "التراث الثقافي غير المادي" والذي يُنظر إليه عموماً على أنه التقاليد والتاريخ الشفوي والقصص الشعبية وما إلى ذلك. وقد استُقبل هذا التركيز على "غير الملموس" بدايةً بالتحفظ. فسياسة البنك الدولي رقم (OP 4.11) في النتيجة تنص على الممتلكات المادية فقط! وإضافةً إلى ذلك، لا يوجد عملياً أي شخص يعيش ضمن مخطط المشروع لجمع القصص والتقاليد ... ومع ذلك، أليست محبة القرويين لكنيستهم قيمةً قويةً غير ملموسة؟ أليست القصة ذاتها التي نرويها، قصة النقل، قصة رائعة يجب أن تروى وتروى للأجيال القادمة؟ 

تعتبر كنيسة مار موسى مثالاً على أن تركيز السياسة (OP 4.11) على "الممتلكات الثقافية" تتجاوزه "القيمة الثقافية"، وربما القيمة الروحية حتى، للتراث غير المادي. وهذه بالتأكيد ليست الحالة الوحيدة من نوعها، ولكن ينبغي أن تشكل محطةً للتوقف عندها والتفكر بها في الحالات المقبلة. 

في حالة بسري، فقد التقطنا الإشارة بالفعل، واستجبنا. يتحدث قرويو مزرعة الشوف عن ارتباطهم العاطفي بالأراضي الواقعة في منطقة الخزان والتي تغطي بلدة قديمة لم يتبق منها إلا أربعة أعمدة رخامية تخترق غطاء الرواسب وتشير إلى وجودٍ بائدٍ ما يزال كنهه غامضاً.

بقلم

Dan Petrescu

Former Senior Consultant at the World Bank

انضم إلى النقاش