هل نحن مستعدون لمواجهة الوباء العالمي القادم؟ عامة الناس لا يَحْسَبون ذلك

|

الصفحة متوفرة باللغة

هل نحن مستعدون لمواجهة الوباء العالمي القادم؟ عامة الناس لا يَحْسَبون ذلك  © Dominic Chavez/World Bank


غالباً ما يذهب الرأي التقليدي السائد في الدوائر الدبلوماسية أو العلمية إلى أن عامة الناس لا يعرفون ما هو نافع لهم حينما يتصل الأمر بالسياسة الخارجية أو التصدي للمخاطر العالمية. ويقول الخبراء إن الأمر أكثر تعقيداً من أن يفهمه العامة. ومع ذلك، تشير استطلاعات الرأي إلى أن الكثيرين بين العامة يفهمون جيدا كيف أن نوبات تفشِّي الأمراض المعدية في العالم تنطوي على مخاطر جسيمة على حياتهم وأمنهم الاقتصادي، وهم يعرفون ما يجب عمله في هذا الوضع.

وخلص مسح استقصائي (e) لبحوث الرأي العام أُجرِي بتكليف من مجموعة البنك الدولي وشارك فيه أربعة آلاف مجيب في خمسة بلدان صناعية –هي فرنسا وألمانيا واليابان والمملكة المتحدة والولايات المتحدة- إلى أن معظم الناس غير مقتنعين بأن العالم أو حتى بلدهم مستعد لمواجهة الوباء العالمي القادم. ويبلغ عدد المجيبين الذين يعتقدون أن العالم سيشهد وباءً عالمياً آخر في العشرة الأعوام القادمة ضعفي من لا يعتقدون ذلك، وأقل من نصف المشاركين في المسح مقتنعون بأن بلدهم مستعد لمواجهة هذا الظرف. وهم يُصنِّفون "الصحة والأوبئة العالمية" على أنها أحد أهم الشواغل العالمية بعد الإرهاب وتغيُّر المناخ.

وتأتي هذه النتائج بعد مرور قرابة عام منذ أعلنت منظمة الصحة العالمية اعتبار وباء الإيبولا "حالة طوارئ تواجه الصحة العامة وتثير اهتماما دولياً" وهي أعلى مستويات الإنذار التي تُصدِرها المنظمة. وقد أطلق هذا الإعلان شرارة استجابة عالمية هائلة، ولكن لم يأت هذا إلا بعد مرور ثمانية أشهر على رصد أول حالة إصابة في غرب أفريقيا. مهما يكن من أمر، فإنه بعد ما يزيد على 11 ألف وفاة، وتعطُّل معايش ملايين من الناس، وضياع مليارات الدولارات من الدخول، ما زالت تظهر حالات إصابة جديدة بالإيبولا. وشهدنا أيضا في الآونة الأخيرة انتشار فيروس متلازمة الشرق الأوسط التنفسية (ميرز) MERS الشديد العدوى إلى الجمهورية الكورية، وهو ما ساهم في انخفاض نمو إجمالي الناتج المحلي لهذا البلد إلى أدنى مستوى له في ستة أعوام.

واقتصر انتشار فيروسي الإيبولا وميرز إلى حد كبير على بضعة بلدان لأنهما ينتقلان من خلال الاختلاط الشديد. ولكن كيف سيكون الحال إذا واجه العالم مرضا سريع الانتشار ينقله الهواء مثل تفشي الإنفلونزا الإسبانية في 1918-1919؟ تُنبِئ نماذج التحليل بأنه لو حدث وباء شبيه بالإنفلونزا الإسبانية اليوم، فإنه سيقتل ما يربو على 33 مليون شخص في 250 يوما. وتذهب التقديرات إلى أن الخسائر الناجمة عن مثل هذا الوباء الشديد ستعادل 4.8 في المائة من إجمالي الناتج المحلي العالمي أو ما يزيد على 3.6 تريليون دولار.

إذن، فالعامة على حق: العالم غير مستعد لمواجهة الوباء القادم. ولسنا أفضل استعداداً وتجهيزاً مما كنا عليه قبل عام لمواجهة الوباء على وجه السرعة. ولكن بمقدورنا أن نكون كذلك، والثمن ليس سوى نسبة ضئيلة مما سنخسره لو لم نتحرَّك سريعا. وفيما يلي ثلاثة أمور يجب علينا القيام بها:

أولاً، يجب أن نحرص على أن تستثمر كل البلدان في تحسين تدابير الاستعداد. ويبدأ هذا بمنظومة قوية للرعاية الصحية قادرة على تقديم الرعاية الأساسية الجيدة، ورصد الأمراض، وقدرات التشخيص. ويجب علينا توسيع الجهود الناجحة مثل تلك التي بذلتها إثيوبيا ورواندا لتدريب كوادر من عمال الرعاية الصحية المجتمعية، الذين يمكنهم توسيع إمكانيات الوصول إلى الرعاية والقيام بدور خط المواجهة الأمامي في التصدي لتفشِّي الأمراض في المستقبل. ويجب أن يكون الهدف هو التغطية الصحية الشاملة – لضمان أن يحظى كل فرد بالرعاية التي يحتاج إليها، ولأن المناطق التي لا تتمتع بتغطية كافية تُشكِّل خطراً على الجميع.

ويفهم العامة هذا، وتعتقد أغلبية كبيرة من الناس أن الاستثمار في الأطباء والممرضين والعيادات في البلدان النامية يساعد على الحيلولة دون انتشار الأوبئة في بلدانهم وينقذ الأرواح والأموال. غير أن تجربة كوريا تُظهِر أنه حتى أكثر النظم الصحية تطوراً يجب أن تُعزِّز تدابير الاستعداد لمواجهة الأوبئة.

ثانيا، نحتاج إلى نظام عالمي أكثر ذكاءً وأفضل تنسيقاً للاستعداد لمواجهة الأوبئة يستند إلى خبرات عدد أكبر من الأطراف الأخرى، وذلك مثل منظمة الصحة العالمية بما لديها من موارد جيدة. وكانت الأشهر الأولى لمواجهة وباء الإيبولا قد تحمَّلت وطأتها المنظمة البطلة أطباء بلا حدود على نحو لا يتسق مع مواردها. وستتفشَّى أمراض، ولكن يمكن احتواؤها قبل أن تتحوَّل إلى أوبئة عالمية أشد فتكاً وأوسع خسارة. ويتطلَّب هذا ترتيبات معدة مسبقا والتنسيق الوثيق بين الحكومات الوطنية والمحلية، والهيئات الدولية، والقطاع الخاص، والمنظمات غير الحكومية مع سلاسل التوريد التي يمكنها الاستجابة على وجه السرعة. أمَّا القطاع الخاص الذي كان بعيداً إلى حد كبير عن الاستجابة الأولية في مواجهة الإيبولا، فيمكنه أن يضيف إلى جهود مكافحة الأوبئة انضباط الأسواق والابتكار وموارد إضافية.

وثالثاً، يجب أن يكون بوسعنا الحصول على تمويل طارئ على وجه السرعة ونشر فرق الاستجابة السريعة عند ظهور أولى علامات الأزمة. فالنهج التقليدي إذا نزل وباء سريع الانتشار، يكون بإطلاق نداءات لجمع التبرعات وهو ليس كافياً وحده. وتعمل مجموعة البنك الدولي مع منظمة الصحة العالمية والمؤسسات الأخرى على أحد جوانب الحل، وهو شيء نسميه صندوق التمويل الطارئ في الأوبئة. ويهدف هذا الصندوق الذي وافق عليه زعماء مجموعة السبع في ألمانيا في يونيو/حزيران إلى ضمان توفير التمويل في الوقت المناسب للبلدان المنكوبة وأن تتمكَّن الاستجابات الدولية من احتواء خطر الوباء بشكل فعَّال. ويقوم الصندوق بوضع ترتيبات تمويل مبتكرة مثل تأمين القطاع الخاص، وصناديق طوارئ القطاع العام التي يمكن الإنفاق منها على وجه السرعة لمساندة زيادة كبيرة في عمال الرعاية الصحية وإنشاء مراكز لعمليات استجابة الطوارئ. وقد استخدمت حكومات بالفعل هذا النموذج لتدير بنجاح مخاطر التغيرات المناخية والكوارث الطبيعية.

وقبل عامين، أظهر مسح استقصائي شارك فيه 30 ألفا من المديرين التنفيذيين في مجال التأمين أن حدوث وباء عالمي هو أشد ما يثير قلقهم. ولكن ما وجهه هؤلاء المديرون من تحذير لاقى تجاهلا، كما كان الحال مع تحذيرات سابقة من وباء المتلازمة التنفسية الحادة سارز وإنفلونزا الطيور. واليوم، ومع التذكرة الأليمة لأحدث وباء والمساندة الشعبية القوية التي خلَّفها، حان الوقت للاستعداد من أجل الوقاية من الأوبئة والاستعداد لمواجهتها. يجب علينا الكف عن الكلام وعن التخاذل.

جيم يونغ كيم هو رئيس مجموعة البنك الدولي.

المواضيع

انضم إلى النقاش