نحو غاية مشتركة لتعزيز التنمية: 75 عاماً من الابتكار من أجل التقدم والرخاء المشترك

|

الصفحة متوفرة باللغة

الصورة
حضر مؤتمر بريتون وودز 730 مندوبًا يمثلون جميع دول الحلفاء البالغ عددها 44 دولة. هنا، يلقي كلمة أمام رئيس المؤتمر هنري مورجينثاو الابن. © Bettmann / Getty Images

سيذكر التاريخ خواتيم القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين باعتبارها عصراً فارقاً في الحد من الفقر. ففي عام 1990، نشر البنك الدولي تقرير عن التنمية في العالم، وكان محوره قضية الفقر. ومنذ ذلك العام، انخفضت أعداد من يعيشون في فقر مدقع بما يزيد على 1.1 مليار شخص، وذلك بفضل النمو الاقتصادي عريض القاعدة، واتباع الأساليب الاحتوائية لتحقيق التنمية. وقُدّر معدل الفقر في عام 2018 بنسبة 8.6% – وهو أدنى مستوى له في التاريخ.

فلا يزال هناك أكثر من 700 مليون شخص حول العالم يعيشون في فقر مدقع 

وعلى الرغم مما تحقق من تقدم، ما زالت أمامنا تحديات ملحة علينا مواجهتها؛ فلا يزال هناك أكثر من 700 مليون شخص حول العالم يعيشون في فقر مدقع – بمعدل شخص واحد من كل 12 شخصاً على قيد الحياة. وفي منطقة أفريقيا جنوب الصحراء، فإن أعداد من يعيشون في فقر مدقع آخذة في التزايد، وهناك حاجة إلى 15 مليون فرصة عمل جديدة كل عام لمواكبة النمو السكاني. ولن تكفي معدلات نمو الدخل الحالية لتحقيق الرخاء المشترك ولا تمكين الناس من بلوغ أقصى حدود إمكاناتهم. فهناك أعداد هائلة لا تشهد أي ارتقاء في مستويات معيشتها، أو مهاراتها، أو قدرتها على مواجهة الكوارث الطبيعية.

وتعمل مجموعة البنك الدولي على مواجهة هذه التحديات، وعلى مدى الخمسة وسبعين عاماً الأخيرة، نمت المؤسسة، وتطورت، وساندت الابتكار. وبحلول عام 2019، أصبحت مجموعة البنك الدولي تمتلك قدراً كبيراً غير مسبوق من الأدوات والنهج، وتركز في أعمالها على البرامج القطرية القوية التي تدفع النمو، وتزيد متوسط الدخول، وتحدث تقدماً من شأنه تحسين معيشة الفئات الأشد فقراً ومعاناة وضعفاً.

وقد تأسست هذه الجهود على الأفكار والمثل التي جرت مناقشتها، وصياغتها، والاتفاق عليها في تجمع غير مسبوق عُقد في إحدى البلدات الصغيرة الواقعة عند سفح جبال نيو هامبشاير، منذ ثلاثة أرباع قرن مضى.
 

أساس للفرص

في مساء الأول من يوليو/تموز عام 1944، وقف وزير الخزانة الأمريكي هنري مورجنثو أمام وفود من 44 بلداً بفندق ماونت واشنطن، في حين كانت قوات الحلفاء، على الجانب الآخر من الأطلنطي، تشق طريقها عبر نورماندي، وكانت المعارك مستعرة في كل من أوروبا والمحيط الهادئ، ولم يتأكد بعد الطرف الذي سينتصر في أكبر وأشرس حرب عرفها التاريخ.

ومن قبل أن تتضح نتيجة الحرب بوقت كبير، بدأت البلدان المتحالفة في استشراف مستقبل العالم بعد الحرب. وعلم الرئيس الأمريكي فرانكلن روزفلت أنه لن يكفي صياغة نظام ما بعد الحرب، فتصور بناء نظام جديد بالكلية، لا يحول دون وقوع حرب عالمية جديدة وحسب، بل يكفل سلاماً دائماً كذلك.

[...] فتصور بناء نظام جديد بالكلية، لا يحول دون وقوع حرب عالمية جديدة وحسب، بل يكفل سلاماً دائماً كذلك. 

تعلم روزفلت درساً مهماً مما حدث في أعقاب الحرب العالمية الأولى، حين صرح رئيس أمريكي آخر، هو وودرو ويلسون، أن السلام يجب أن يستند إلى ”مبدأ العدالة لجميع الشعوب والجنسيات، وحقها في العيش المتكافئ في حرية وأمان بعضها مع بعض – القوي منها والضعيف على حد سواء.[1] ».

لم تنجح معاهدة فرساي عام 1919، وكان من بين أسباب فشلها الأزمات الاقتصادية التي ساعدت على هيمنة الإيديولوجية النازية، ودفع العالم إلى أتون الحرب مجدداً. وبحلول عام 1944، تبين أن السلام يجب ألا يستند إلى الحرية والأمان وحدهما، بل إلى الفرص والرخاء كذلك.

وهكذا انتهى الحال بهذه الوفود إلى الاجتماع في ذلك الفندق الضخم العتيق القابع في سفح جبل واشنطن، بقرية بريتون وودز في ولاية نيو هامبشاير. وكان الغرض من مؤتمر الأمم المتحدة النقدي والمالي بناء نظام مالي عالمي جديد يثبت أسعار الصرف، ويرأب الخلل في ميزان المدفوعات، ويعيد إعمار البلدان المتضررة من الحرب، ويعزز التنمية في البقاع الأكثر فقراً في العالم. وفي كلمته الافتتاحية قال مورجنثو، الذي كان يرأس المؤتمر، إن الهدف هو ”إنشاء اقتصاد عالمي ديناميكي، تتمكن فيه شعوب كل البلدان من تحقيق إمكاناتها في سلام … وأن ترفع من مستوى معيشتها، وأن تتمتع أكثر فأكثر بثمار تقدم ملموس[2] ».

وعلى مدى الأسابيع الثلاثة التالية، تجمعت الوفود على طاولات المؤتمر وفي الحانات؛ وتناقشوا على موائد الطعام، وأثناء الجلسات الفنية التي كانت تعقد في ساعات متأخرة من الليل. وقبل أن ينصرم الشهر، أنشأوا نظاماً مالياً عالمياً جديداً ومؤسستين جديدتين: صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للإنشاء والتعمير – الذي عرف فيما بعد بالبنك الدولي.

وتضمن النظام المالي الجديد أفكاراً رئيسية ناقشتها الوفود في الليلة الافتتاحية. وقام المؤتمر ذاته على قناعة مفادها عدم وجود حدود ثابتة للرخاء – فبإمكان جميع الأمم أن تجني ثمار النمو والتنمية. وكان النظام الذي أسفر عنه هذا المؤتمر يهدف إلى معالجة التحديات التي لا تستطيع البلدان التعامل معها منفردة. وأخيراً، كان الأساس الذي بني عليه هذا الجهد برمته هو استحقاق الكل للحصول على الفرصة. وكما قال مورجنثو: ”حرية الحصول على الفرصة هي أساس جميع الحريات الأخرى.[3] ».

« ”حرية الحصول على الفرصة هي أساس جميع الحريات الأخرى.“ - هنري مورجنثو 

شق طريق بين الأنقاض

كان عام 1947 عاماً حاسماً حيث شهد ميلاد نظام بريتون ووردز. ومع بدء البنك الدولي عملياته، وجمع الاكتتابات في رأس المال من البلدان المساهمة، بدأت ملامح دوره في الظهور، ليس في مجال الإنشاء والتعمير فقط، ولكن في صياغة نظام مالي جديد كذلك. كانت البدايات بطيئة الخطى: قدم أول رئيس للبنك استقالته المفاجئة بعد ستة أشهر فقط من العمل. وبعدها بأقل من شهرين، توفي نائب الرئيس فجأة. وكان مستقبل المؤسسة ضبابياً، ولما يقدم البنك بعد قرضه الأول.

ولكن بدأ البنك شيئاً فشيئَا في تحديد معالم سياساته، وفي أوائل عام 1947 وقع قرضه الأول – 250 مليون دولار لإعادة إعمار فرنسا. وبالقيمة الحقيقية، يعد هذا القرض واحداً من أكبر القروض في تاريخ البنك بقيمة تبلغ 2.85 مليار دولار بعد حساب التضخم.

وعند النظر في الماضي، تبدو عمليات البنك الأولى بسيطة بشكل ملحوظ. حيث تمثل طلب القرض الفرنسي في خطاب بسيط، ضمن مخطط الحكومة لبرنامج إعادة الإعمار، تطلب فيه 106 ملايين دولار لشراء معدات، و180 مليون دولار للفحم والمنتجات البترولية، و214 مليون دولار للمواد الخام. ويصف الخبراء في ذلك الوقت كيف تعلموا أثناء العمل نوعية البحث الذي ينبغي أن يقوموا به، والأسئلة التي يتعين عليهم طرحها. ويتذكر ريتشارد ديموث، الذي عمل مساعداً لنائب الرئيس، ذلك الوقت قائلاً: ”لم يكن أحد يعرف من أين يبدأ، كنا عديمي الخبرة، تماماً مثل أي مؤسسة جديدة تعمل في مجال جديد، كنا نتلمس طريقنا في ذلك الوقت.[4]. »

”لم يكن أحد يعرف من أين يبدأ، كنا عديمي الخبرة" - يتذكر ريتشارد ديموث 

وفي أثناء تلمس البنك الدولي لطريقه، بدأ في إعادة تعريف تمويل التنمية، عن طريق استحداث طرق جديدة لربط التنمية بأسواق رأس المال. وفي يوليو/تموز 1947 أصدر البنك أول سنداته، وجمع 250 مليون دولار لتمويل مشروعات إعادة الإعمار والتنمية. وأقرض ما يقرب من 500 مليون دولار لأنشطة إعادة الإعمار في أعقاب الحرب في هولندا، والدانمرك، ولوكسمبورج، في وقت لاحق من صيف ذلك العام.

من منظور رسالة التنمية الحالية، تبدو القروض المقدمة إلى البلدان الأوروبية في غير موضعها. ولكن، عندما درس خبراء البنك اقتصاد بلدان أوروبا الغربية، وجدوا حاجة هائلة إلى الطعام والوقود والمواد الخام ورأس المال. ففي عام 1947، كانت أجزاء هائلة من القارة تئن تحت الأنقاض. ولقي ملايين البشر حتفهم في حرب دامت ست سنوات، ودمرت البنية التحتية، وتحول كثير ممن نجا منها إلى لاجئين.

وكانت الآفاق الاقتصادية قاتمة في شتاء عام 1947، عندما بدأ البنك في تقديم بعض مما تشتد إليه الحاجة من المساندة. ويرصد المنقول الشفهي أن ”الإدارة لم تكن بحاجة إلى جهد كبير لتتوصل إلى أن احتمالات السداد كانت معقولة؛ حيث شدد التقرير الاقتصادي عن فرنسا، على سبيل المثال، على إرادة التعافي الجماعية لدى فرنسا، وليس على مواردها المالية أو آفاقها التصديرية النوعية.“ وعبر قروضه الأولى، استثمر البنك الدولي في المعدات والمواد الخام، ولكن كان الأهم من ذلك استثماره في الإرادة الجماعية لدى الشعوب المكلومة من الحرب في إعادة بناء معايشها.

تعزيز التنمية

كان القدر الأكبر من الفكر التقليدي في السنوات الأولى للبنك الدولي يتمثل في تركيزه بشكل مباشر على الإنشاء وإعادة الإعمار، ولم يتحول صوب التنمية إلا بعد بداية خطة مارشال. وعلى الرغم من أن خطة مارشال دفعت البنك الدولي بعيداً عن التركيز على إعادة بناء اقتصاد ما بعد الحرب في أوروبا الغربية، فإن التنمية كانت جزءاً أصيلاً في تكوين البنك الدولي منذ بداياته الأولى.

تنص أول فقرة من اتفاقية تأسيس البنك الدولي للإنشاء والتعمير على أن من بين أغراضه ”تشجيع تنمية المنشآت الإنتاجية والموارد في البلدان الأقل نمواً.“[6]. وتشير دراسات أكاديمية حديثة أيضاً إلى أن التنمية شكلت القسم الأكبر من المداولات التي دارت بمؤتمر بريتون وودز، على العكس من التقديرات السابقة. وأشار إريك هلينر، أستاذ الاقتصاد السياسي الدولي بجامعة ووترلو، إلى أن التطلعات الإنمائية للقوى الناشئة لعبت دوراً كبيراً في مناقشات بريتون وودز. وكتب هلينر ”كانت مفاوضات بريتون وودز أبعد ما يكون عن غض الطرف عن أهداف التنمية الدولية، وينبغي الاحتفاء بدورها الريادي في إدراج هذه الأهداف ضمن البنية المالية الليبرالية متعددة الأطراف للمرة الأولى [7]. »

وبدأ هذا الإدراج عام 1948، عندما وافق البنك على قرضين سياديين لشيلي: قرض بقيمة 13.5 مليون دولار لإحدى مؤسسات التنمية الحكومية من أجل شراء معدات لمحطة لتوليد الكهرباء، وقرض بقيمة 2.5 مليون دولار لاستيراد آلات زراعية.

وعرّف التقرير السنوي الثالث للبنك نهجه تجاه التنمية بالنهج الذي ينطوي على ”رغبة في مساعدة الأعضاء على تحليل مشكلاتهم التنموية، والعمل معهم على رسم الخطوط العريضة التي يمكن من خلالها الارتقاء بتنميتهم بأسلم طريقة وأسرعها، واختيار المشروعات الأقرب إلى تحقيق ذلك الارتقاء لتقديم التمويل الأولي لها، كلما أمكن ذلك[8] ». وقدم البنك – سيراً على هذا النهج – 68 قرضاً على مدى السنوات الخمس التالية؛ وجه 64 قرضاً منها – بلغ متوسط كل منها 14 مليون دولار– إلى المشروعات التي من شأنها الارتقاء بأولويات البلدان النامية ”بأسلم طريقة وأسرعها“. وفي غضون نصف عقد فقط، بين عامي 1947 و 1952، تحول تركيز البنك الدولي من إعادة إعمار أوروبا إلى تعزيز الفرص لشعوب البلدان النامية.

وفي غضون نصف عقد فقط، تحول تركيز البنك الدولي من إعادة إعمار أوروبا إلى تعزيز الفرص لشعوب البلدان النامية. 

الابتكار لإيجاد الفرص

على مدى العقود القليلة التالية، ومع ازدياد حاجات البلدان النامية حجماً وتعقيداً، طور البنك الدولي وسائل جديدة للاستفادة من رأس المال والخبرات في تلبية هذه الحاجات. وكلما عدمت الأداة القادرة على مواجهة تحد ما، ينشئ البنك الدولي واحدة لهذا الغرض، بما في ذلك تغيير هيكله التنظيمي حتى تحول إلى مجموعة البنك الدولي المعاصرة.

مؤسسة التمويل الدولية

بدا جلياً، منذ أواخر أربعينيات القرن الماضي، مدى تعطش مؤسسات الأعمال الخاصة بالبلدان النامية إلى المزيد من الاستثمارات التي لم تكون السوق قادرة على توفيرها لها. وعندما فتحت مؤسسة التمويل الدولية أبوابها عام 1956، أسندت إليها مهمة صعبة: الاستثمار في المشروعات الخاصة فقط ”في الحالات التي لا يتوافر فيها رأسمال خاص كافٍ بشروط معقولة.“ وبتعبير آخر، كان يتعين على المؤسسة البحث عن المشروعات التي لم تكن جذابة بالقدر الكافي في أعين مستثمري القطاع الخاص، ولكن بإمكانها مع ذلك أن تعزز الأولويات الإنمائية القطرية، والاستثمار فيها. وعثرت المؤسسة على العديد من الاستثمارات المستوفية لهذه الشروط. وطوال العقود الستة الماضية، ساعدت في تقديم ما يزيد على 250 مليار دولار لتمويل مؤسسات الأعمال في البلدان النامية، وتقوم اليوم بإنشاء أسواق في بعض المناطق الأكثر تحدياً في العالم.

المؤسسة الدولية للتنمية

خلال سنوات البنك الأولى، كانت أشد البلدان فقرا في العالم بحاجة إلى رأس المال، ولكن لم يكن في مقدورها الاقتراض بنفس المعدلات التي تقترض بها البلدان المتوسطة الدخل. لهذا السبب أنشأ مساهمو البنك عام 1960 المؤسسة الدولية للتنمية، باعتبارها صندوقاً للبلدان الأكثر فقراً، لتقديم المنح والقروض الميسرة التي تقترب فائدتها من الصفر. ومنذ ذلك الحين، قدمت المؤسسة – التي تجدد مواردها كل ثلاث سنوات – أكثر من 360 مليار دولار لتمويل الاستثمارات في 113 بلدا. وفي عام 2018 وحده، صرفت المؤسسة 24 مليار دولار على هيئة منح وقروض ميسرة لمشروعات تهدف إلى خلق الوظائف وتحفيز النمو الاقتصادي، ومساعدة النساء على المشاركة الكاملة في الاقتصاد، وبناء القدرة على مجابهة تغير المناخ، ومعالجة أوضاع الهشاشة والصراع والعنف. كما طرحت المؤسسة، في عام 2018 كذلك، أول سنداتها بقيمة 1.5 مليار دولار، من شأنه أن يعزز موارد الصندوق، دون أموال إضافية من المانحين.

المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار

بزغت فكرة إنشاء هيئة من الخبراء الفنيين لتسوية النزاعات منذ أن بدأ البنك الدولي في الإقراض. وفي سنواته الأولى، كان البنك يتلقى عدداً كبيراً من الطلبات لتوسط المؤسسة أو رئيسها في نزاعات بين المستثمرين والحكومات، إلى أن قرر المساهمون إنشاء آلية منهجية تتولى الوساطة. وفي عام 1966، افتتح المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار لتسهيل التحكيم بين المستثمرين والدول. وطوال العقود التالية، ساعد المركز في تسوية العديد من النزاعات حول العالم، بما في ذلك العديد من النزاعات المتعلقة باتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية.

الوكالة الدولية لضمان الاستثمار

بزغت فكرة إنشاء أحد أشكال التأمين ضد المخاطر السياسية بعد وقت قصير من بدء البنك عمليات الإقراض. ولم تتحول هذه الفكرة إلى حقيقة واقعة إلا بعد أربعة عقود، عندما أنشأت إحدى الاتفاقيات الدولية الوكالة الدولية لضمان الاستثمار بوصفها أحدث أعضاء مجموعة البنك الدولي. واليوم، تمكن الوكالة المشروعات والقطاعات والبلدان من تعزيز التنمية عن طريق توفير التأمين ضد المخاطر السياسية وتعزيز الائتمان.

وفي عقودها الثلاثة الأولى، قدمت الوكالة 45 مليار دولار في صورة ضمانات لمساندة أكثر من 800 مشروع في أكثر من 111 بلداً. وفي العام الماضي، قدمت الوكالة 5.3 مليار دولار من أدوات التأمين ضد المخاطر السياسية وتعزيز الائتمان، مما ساعد على تمويل مشروعات بقيمة تقارب 18 مليار دولار في البلدان النامية. ودون أن تقرض الأموال بصورة مباشرة، أصبحت الوكالة ثالث أكبر مؤسسة بين بنوك التنمية متعددة الأطراف من حيث حشد رؤوس الأموال الخاصة المباشرة إلى البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل.

ومع ازدياد مهام مجموعة البنك الدولي حجماً وتعقيداً، أصبحت أبعد عن المركزية. واليوم، يوجد لمجموعة البنك الدولي 141 مكتباً ميدانياً، وموظفون يعملون بشكل روتيني في ظروف صعبة، وفي أماكن تعاني من الهشاشة والصراعات والعنف.

في عام 1989، أصدر البنك الدولي أول سندات يتم تداولها وتسويتها عالمياً. 

وتعمّقت ابتكارات مجموعة البنك الدولي في قطاع التمويل. فكان البنك، في عام 1981، رائداً في مقايضة العملات، مقايضاً الدولار الأمريكي بالفرنك السويسري والمارك الألماني مع شركة IBM التكنولوجية. ويبلغ حجم سوق مقايضة العملات اليوم قيمة اسمية تزيد على 25 تريليون دولار.

وفي عام 1989، أصدر البنك الدولي أول سندات يتم تداولها وتسويتها عالمياً، الأمر الذي أدى إلى القضاء على التفاوتات السعرية بين الولايات المتحدة وأوروبا، ودفع مجموعة من 14 بنكاً إلى خفض رسومها. وقد مكنت هذه التحسينات جميعاً البنك الدولي من خفض تكلفة الاقتراض بالدولار الأمريكي.

كما أنشأ البنك الدولي أول سندات إلكترونية عام 2000. فكان بذلك أول سند يُطرح عالمياً على منصات الإنترنت، مما مكن المستثمرين من الاستثمار في عمليات البنك التنموية، للمرة الأولى. وبعدها بثمانية أعوام، طرح البنك أول سندات خضراء في العالم، وأصبح بإمكان المستثمرين للمرة الأولى مساندة المشروعات المعنية بتغير المناخ بشكل مباشر دون التعرض لمخاطر المشروعات. وساعدت السندات الخضراء في تغيير الطريقة التي يوزع بها المستثمرون استثماراتهم على نحو يوازن بين المخاطر، والعائد، والأثر.

ولا تزال ابتكارات البنك المالية تستفيد من أحدث التقنيات لصالح الفئات الأشد فقراً ومعاناة وضعفاً. ففي صيف عام 2018، طرح البنك أول سندات ملزمة قانوناً تدار على منصة عالمية لقواعد البيانات المتسلسلة، تدعى Bond-i، حيث يتميز إصدار السندات على قواعد البيانات المتسلسلة وغيرها من تقنيات السجل العام الموزع، بكونه أبسط وأسرع، ويزيد الإنتاجية، ويحدّ من التكاليف والمخاطر.

توسع البنك في جمع معلومات عن التنمية وتحليلها وعرضها.

لكن ابتكارات مجموعة البنك الدولي لم تقتصر على التمويل. فعلى مدى عقود، توسع البنك في جمع معلومات عن التنمية وتحليلها وعرضها. ومن أمثلة ذلك تقرير ممارسة أنشطة الأعمال السنوي، الذي يصنف البلدان بناءً على بيئة أنشطة الأعمال بها بما في ذلك النظام الضريبي، وقانون العقود، واللوائح المنظمة لإنشاء المشروعات. وخلال 15 عاما، كان تقرير ممارسة أنشطة الأعمال مصدر إلهام لأكثر من 3180 إصلاحا. ومن الأمثلة الأخرى، تقرير عن التنمية في العالم الذي يبين منذ عام 1978 مدى أهمية النمو الاقتصادي، والاستثمار في مجال الصحة، والتصدي لتغير المناخ وانعدام المساواة بين الجنسين، والقصور في عملية التعلم، وطبيعة العمل المتغيرة، في التخفيف من حدة الفقر في جميع أنحاء العالم.

ومثال ثالث، هو التقرير الذي يصدره البنك تحت عنوان المرأة وأنشطة الأعمال والقانون، وهو تحليل عالمي للقوانين واللوائح التنظيمية التي تؤثر على قدرة المرأة على المشاركة بشكل كامل في الاقتصاد. ويتضمن تقرير المرأة وأنشطة الأعمال والقانون 2019 مؤشراً جديداً يعطي نظرة متعمقة على العقبات التي تواجهها المرأة في التشغيل، وريادة الأعمال، والاندماج التام في الاقتصاد، وتأثير هذه العقبات على النتائج الاقتصادية. وقد وجد البنك من خلال تقرير ممارسة أنشطة الأعمال أن تصنيفات البلدان من شأنها أن تضع البيانات والشواهد أمام الزعماء وتستدعي اهتمامهم. كما نستعين أيضاً بمؤشر رأس المال البشري، الذي طرح العام الماضي، لقياس رأس المال البشري بطريقة موضوعية في كل بلد، وإظهار ما يمكن أن تكون عليه إنتاجية العمال لو تمتعوا برعاية صحية كاملة، وتعلم ناجح، والمهارات اللازمة للمنافسة في الأنشطة المدرة للأرباح. ويعد تحسين رأس المال البشري أمراً بالغ الأهمية في التخفيف من حدة الفقر، وتعزيز الرخاء المشترك. وقد رصد البنك الثروة في 141 بلداً، على مدى عقدين عن طريق تجميع رأس المال الطبيعي (مثل المعادن والغابات)، ورأس المال المنتج (مثل البنية التحتية والمباني)، وصافي الأصول الأجنبية. وفي العام الماضي، أدرجنا للمرة الأولى رأس المال البشري في هذه الحسابات، وقدرنا أن أكثر من ثلثي ثروة جميع الأمم تكمن في رأس المال البشري. وإدراكاً من مجموعة البنك الدولي لمدى تعقّد التنمية، فقد وسعت كذلك نطاق خبراتها الداخلية بما يتجاوز محور التركيز المبكر على التمويل والبنية التحتية. ففي عام 1970، قام البنك بتعيين جيمس لي كأول مستشار بيئي، وعلى مدى العقد التالي استقدم مايكل سيرنيا، أول اختصاصي اجتماعي؛ جلوريا سكوت، أول مستشارة معنية بدور النساء في التنمية؛ وجلوريا ديفيس، أول اختصاصية في علوم الإنسان بالبنك. وهذا النهج الجامع بين عدة تخصصات الذي يتبعه البنك الدولي إزاء التنمية يعد ضرورياً في ظل تركيز المؤسسة على مهمة جديدة لا تزال على ذات القدر من الإلحاح إلى يومنا هذا.

مكافحة الفقر وانتشال الفقراء من براثنه

في خريف عام 1973، أدخل الرئيس الخامس للبنك الدولي، روبرت ماكنمارا، إلى الوعي الدولي كلمة خلت منها اتفاقية تأسيس البنك، وهي الفقر. ففي كلمته أمام المساهمين في اجتماعات البنك السنوية في نيروبي، بكينيا، ذكر ماكنمارا أن رسالة البنك ينبغي أن تتمثل في التخفيف من ”الفقر المدقع،“ والذي وصفه بأنه ”حالة معيشية متدنية إلى درجة مهينة للكرامة الإنسانية، ومع ذلك، فهي من الشيوع بحيث تطال ما يقرب من 40% من الأفراد في البلدان النامية[9] ».

وقد طرح على المساهمين سؤالاً، ”ألسنا نحن الذين نتسامح مع هذا الفقر، في وقت نحن قادرون فيه على خفض أعداد المتضررين منه، وفشلنا في الوفاء بالالتزامات الأساسية التي قبلها الإنسان المتحضر منذ فجر الزمان؟“ [10] .

وقاد ماكنمارا، بالاشتراك مع أمين الخزانة يوجين روتبرج، توسعاً هائلاً في عمليات إقراض البنك الدولي، الممولة من خلال الاقتراض من أسواق رأس المال الجديدة في جميع أنحاء العالم والأساليب المالية المبتكرة. وساعدت خبرة روتبرج في أسواق السندات في مضاعفة برنامج الإقراض العام للبنك في غضون خمسة أعوام فقط، من عام 1968 إلى 1973.

وأقام ماكنمارا البينة على ضرورة توجيه قدر أكبر من رأس المال إلى مساعدة الفئات الأشد فقراً ومعاناة وضعفاً، من خلال التركيز على التنمية الريفية، وزيادة القدرة على الحصول على الخدمات العامة، وإعادة توجيه السياسات الإنمائية نحو مكافحة انعدام المساواة. ”لقد أصبح بمقدورنا الآن إيجاد حياة كريمة لجميع الرجال النساء، على نحو لم يكن ممكناً على الإطلاق في السابق“، حسبما قال، مخاطباً المساهمين في نيروبي. ”فلم يعد مقبولاً انقسام الناس إلى طرفين: محظوظين ومحرومين. وتتمثل مهمة التنمية في التعامل معهم[11]

عندما تقاعد ماكنمارا عن العمل بمجموعة البنك الدولي عام 1981، كان معدل الفقر العالمي 42%. واستمر التحدي الذي واجهه، والرسالة الجديدة التي اضطلعت بها مجموعة البنك الدولي لعقود.

وخلال المدتين اللتين شغل خلالهما جيم وولفنسون رئاسة مجموعة البنك الدولي، من عام 1995 إلى 2005، شدد على مدى إلحاح هذه الرسالة. حيث قال عام 2004، ”إذا كنا نرغب بحق في تحقيق الاستقرار لكوكبنا، فيتعين علينا أن نكافح من أجل إنهاء الفقر“.[12]. ولا يزال هذا هو التحدي الذي نواجهه في زمننا هذا.

لكن وولفنسون كان يعلم أن محاربة الفقر للقضاء عليه ستكون مستحيلة دون التصدي لما أسماه ”سرطان الفساد.“ وأوضح أن الفقراء يعانون أكثر من الفساد – من الأموال التي لا توجه إلى الأدوية المنقذة للحياة، والطرق الآمنة، والتعليم الذي يمنح الناس الفرصة في مستقبل أكثر إشراقاً. كما أشار أيضاً إلى أن البيئة الفاسدة أقل جذباً للاستثمار في مجال التنمية، الأمر الذي يؤدي إلى معاناة الفقراء معاناة مزدوجة.

ولا تزال هذه الحروب مستمرة إلى يومنا هذا. ومجموعة البنك الدولي، التي خرجت من فترة التخفيف القوي من الفقر لكنها تواجه تحديات عالمية ملحة، هي في وضع قوي مالياً، وتحتل موقعاً جيداً مسلحة بالأدوات المناسبة والموارد الكافية، والخبراء الموهوبين والمتخصصين. وتجتذب مجموعة البنك الدولي اليوم مجموعة من المواهب أكثر تنوعاً من ذي قبل. فعلى سبيل المثال، لم يكن بين الوفود البالغ عددها 700 في بريتون وودز سوى امرأتين. واليوم، تشكل النساء ما يقرب من 53% من موظفي مجموعة البنك الدولي، و 42% من مديريها، وما يقرب من 49% من جهاز الإدارة العليا.

وفي السنوات المقبلة، سنواصل تركيزنا على تحقيق تقدم في البلدان النامية لرفع متوسط الدخول، وخلق فرص عمل جديدة؛ وإشراك النساء والشباب إشراكاً كاملاً في الاقتصاد، ومساندة الاقتصاد ليصبح أكثر قوة واستقراراً لصالح الجميع. وكانت هذه الغايات – إلى جانب التعاون اللازم لتحقيقها – حاضرة في أذهان الوفود المجتمعة في بريتون وودز منذ البدايات الأولى. فقد خلقت مؤسسات قوية تعمل من خلالها بلدان العالم معاً على مواجهة التحديات الأكثر إلحاحاً، وتحسن معايش الشعوب في جميع أنحاء العالم.

وبعدما انتهت المفاوضات في الثاني والعشرين من يوليو/تموز 1944، اختتم الوزير مورجنثو مؤتمر بريتون وودز مخاطباً الوفود بقوله، ”لقد وضع المؤتمر في بريتون وودز علامة تشير إلى طريق سريع رحب يسع جميع البشر، ليسيروا فيه جنباً إلى جنب، ومتى ما انطلقوا معاً، فلا إخالهم يتوقفون.“ [13]

واليوم، تتسارع وتيرة الابتكار، وما فتئ الملايين يفلتون من براثن الفقر. ولكن العالم صار، من ناحية أخرى، أكثر هشاشة، ولا سيما في العقود الأخيرة، حيث يعيش أكثر فقراء العالم في مناطق تعاني من الصراع، والعنف، وآثار تغير المناخ. ويجب على الزعماء والقادة الاهتمام بالحرية والأمان، وكذلك توفير الفرص وتحقيق الرخاء.

ويعد تحقيق تكافؤ الفرص التحدي الرئيسي في عصرنا الراهن، والرسالة الأكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. وإذا انطلقنا معاً، رجالاً ونساءً، واستخدمنا أدواتنا القوية من أجل الفئات الأشد فقراً ومعاناة وضعفاً، فبإمكاننا إنهاء الفقر المُدقِع وتعزيز التنمية والرخاء المشترك في جميع أنحاء العالم. وإذا سرنا ونحن نضع نصب أعيننا غاية مشتركة، خطوة خطوة، جنباً إلى جنب، فلا شيء يمكنه إيقافنا.

 

[1] وودرو ويلسون، ”أربعة عشر نقطة“ (خطاب أمام الجلسة المشتركة للكونجرس الأمريكي، واشنطن، 8 يناير/كانون الثاني 1918).

[2] [3] [13] هنري مورجنثو، ”الكلمة الافتتاحية للمؤتمر“ (خطاب ألقي بمؤتمر الأمم المتحدة النقدي والمالي، بريتون وودز، نيو هامبشاير، يوليو/تموز 1944).

[4] [5] مقتبس من ”9 مايو/أيار 1947 – أول قرض للبنك الدولي،“ تم الاطلاع عليها في مايو/أيار 2019، http://www.worldbank.org/en/about/archives/history/exhibits/the-world-banks-first-loan.

[6] البنك الدولي للإنشاء والتعمير، ”اتفاقية التأسيس“ (بعد التعديل، الساري في 27 يونيو/حزيران 2012)، http://pubdocs.worldbank.org/en/722361541184234501/ IBRDArticlesOfAgreement-English.pdf.

[7] Eric Helleiner, Forgotten Foundations of Bretton Woods (Ithaca, NY: Cornell University Press, 2014), 2.

[8] مجموعة البنك الدولي، "قروض التنمية الأولى للبنك الدولي المقدمة إلى شيلي، 1948" (أرشيف مجموعة البنك الدولي رقم 057، واشنطن، البنك الدولي، يناير 2016) http://documents.worldbank.org/curated/en/308691468185347709/text/104690-WP-PUBLIC-2007-01-World-Banks-First-Development-Loans-to-Chile.txt

[9] روبرت س. ماكنمارا، ”إلى مجلس المحافظين“ (كلمة أمام اجتماعات البنك الدولي السنوية، نيروبي، كينيا، سبتمبر/أيلول 1973)، http://documents.worldbank.org/curated/en/930801468315304694/text/420310WP0Box0321445B01PUBLIC1.txt

[10] [11] ماكنمارا، ”إلى مجلس المحافظين“.

[12] جيمس د. وولفنسون، ”الكلمة الافتتاحية لرئيس مجموعة البنك الدولي،“ في موجز مداولات الاجتماع السنوي الثامن والخمسين لمجلس المحافظين (واشنطن: صندوق النقد الدولي، 2004)، 16.

 

وعلى>

بقلم

انضم إلى النقاش