قطار الوظائف يقلع الآن من المنصة...

|

الصفحة متوفرة باللغة

هذه المدونة متوفرة باللغات التالية: English
نعيش الآن منذ نحو عقد من الزمن مع برامج رقمية بدأ تأثيرها على تغيير أساليب عملنا يتجلى بشكل محسوس.  ورغم أن هذا يستحق اهتماما وتقصيا أكبر، فإن التركيز ينصب بقوة على أجهزة الروبوت والميكنة.

فالمنصات الرقمية تحدث ثورة في نماذج أنشطة الأعمال التقليدية.  ولم يعد الحضور الشخصي شرطا لممارسة النشاط. فشركات المنصات لا تقدم منتجات أو خدمات نهائية، بل إنها ببساطة تربط بين البشر والشركات والأماكن.

فهي كمنصة للتوفيقات، لكن تدفعها قوة التكنولوجيا الرقمية - نموذج تقليدي لأنشطة الأعمال يتمتع بقوة خارقة بفضل الأدوات الرقمية الجديدة. وهذه المنصات الرقمية تترابط على نطاق عالمي.

فالتكنولوجيا الرقمية تتيح التوسع السريع. جمالون، متجر إلكتروني لبيع الكتب يعمل في عمان بالأردن منذ عام 2010 يعمل فيه أقل من 100 موظف، لكنه أبرم شراكات مع أكثر من ثلاثة آلاف ناشر عربي و 27 ألف ناشر انجليزي، وطرح 10 ملايين كتاب جديد في منطقة الشرق الأوسط.   أنشطة الأعمال المعتمدة على المنصات الرقمية في زيادة مضطردة في جميع أنحاء المعمورة، لتتيح فرصا جديدة لتبادل السلع والخدمات.

 فالمنصات الرقمية تيسر الحصول على السلع والخدمات في جميع أنحاء العالم خلال ثوان؛ وتخفض تكلفة المعاملات وأيضا مصروفات تخصيص الموارد؛ وهي القوة الدافعة للابتكار الاقتصادي والديناميكية؛ فضلا عن أنها تهيء السبل لشتى الخدمات الجديدة.   

وأكبر فضائل المنصات الرقمية على الإطلاق خلق الوظائف. فمنذ عام 2009، فتحت سلاسل تجارية إلكترونية في الريف محلات على موقع Taobao.com للتسوق، لتنشيء "قرى تاوباو." ينتج تجار قرى تاوباو السلع الاستهلاكية، والمنتجات الزراعية والمصنوعات اليدوية كل حسب مهاراته. وخلقت أسواق قرى تاوباو أكثر من 1.3 مليون فرصة عمل، وأعادت الشباب الذين هاجروا إلى المدن إلى مواطن مولدهم لكي يقيموا مشاريعهم الخاصة.

لكن هذه هي مجرد البداية.

وباتت منصات العمالة المبدعة والمتعلمة تعليما جيدا تغزو أسواق العمل. وأصبحت العمالة توظف للقيام بمهام معقدة وملحة وفنية تتراوح من التسويق إلى الكتابة فالهندسة. Upwork هي نموذج للمنصات الإلكترونية التي تستنهض أفكار الجمهور"، ومسجل لديها 12 مليون موظف غير متفرغ، وخمسة ملايين عميل، ويعلن فيها عن ثلاثة ملايين وظيفة سنويا.

النشاط الرقمي سيلعب دورا متزايدا ومهما في الأجندة الحالية والمستقبلية للوظائف. لنأخذ منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كمثال، حيث يشكل خريجو الجامعات من ذوي المهارات العالية حاليا حوالي 30% من إجمالي العاطلين عن العمل في هذه المنطقة، التي تحتاج إلى خلق أكثر من 10 ملايين وظيفة سنويا فقط لكي تواكب الطفرة السكانية بها. لكن إتاحة الفرصة للعمل مع المنصات الرقمية المستنهضة لأفكار الجمهور قد يقدم حلا فعالا.

وهذه المنصات ليست معروفة بعد بشكل جيد. فالعاملون فيها يأتون في الغالب من الولايات المتحدة والهند. وللاستفادة من الوظائف التي تقدمها المنصات الرقمية، من الأهمية بمكان إعادة التفكير في البيئة المواتية على نطاق أوسع وبطريقة تتضمن الحماية الاجتماعية والبنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات.

فالأعمال المستندة على المنصات الرقمية لا توفر الحماية الاجتماعية في ظل الأنظمة الحالية، فضلا عن انعدام الأمن الوظيفي. في الواقع، مازالت شبكات الأمان الاجتماعي والمؤسسات العمالية تركز فكرها على العلاقة طويلة الأجل بين العامل ورب العمل، وهو ما يواجه تحديا متزايدا بسبب طبيعة العمل.   (تقرير عن التنمية في العالم 2019). أسواق العمل الأكثر سيولة وديناميكية تتطلب إعادة النظر في الحماية الاجتماعية مع ضمان قدرة الشركات والعمال على التجاوب مع التغيرات التي تعتري أسواق التكنولوجيا والمنتجات.

وينبغي أن يتم الفصل بين تقديم المساعدات الاجتماعية والتأمينات الاجتماعية وبين الكيفية التي يمارس بها الناس عملهم وأماكنه.  ويجب تنسيق هذه الضمانات مع مؤسسات سوق العمل لكي تتمكن معا من توفير الحماية وتشجيع التوظيف. ولتفعيل هذا التغيير، فإننا نحتاج إلى إعادة دراسة العناصر الأساسية لبيئات العمل المواتية، والتي ينبغي أن تنطوي في صميمها على الحماية الاجتماعية.

فالحصول على خدمة الإنترنت ذات النطاق العريض بات شرطا لممارسة النشاط في العصر الرقمي- العديد من الشركات تعتمد في جانب منها بل وحصريا على الإنترنت. ولم يعد توفر الهواتف المحمولة كافيا، إذ أن تكنولوجيات النطاق العريض تقلص تكلفة المعاملات، وتخفضها أكثر في الأسواق النائية التي تعاني نقصا في البنية التحتية للنقل.

وتضم منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أغلب الفئات التي تعاني قصورا في خدمات الإنترنت، إذ تقل نسبة مستخدمي إنترنت النطاق العريض منهم عن 10 من مستخدمي الإنترنت (وهو ما يتناقض بدرجة كبيرة مع نسبة استخدام الهواتف المحمولة التي تبلغ 120 اشتراك في الهاتف المحمول لكل 100 شخص).  كما أن عدد الاشتراكات في النطاق العريض محدودة.  والنتيجة هي أنه بينما ينشط المواطنون على وسائل التواصل الاجتماعي، فلا يكاد يكون هناك وجود للتمويل الرقمي.

إن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تتخلف عن الركب على صعيد عمليات المدفوعات الرقمية رغم وضعها ضمن بلدان متوسطة الدخل، مما يشكل عقبة هائلة أمام دخول المنصات والتجارة الإلكترونية.   ومن حيث الخدمات المالية عبر الهاتف المحمول، مثلا، تتفوق بلدان شرق أفريقيا على نظيراتها في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

إن إنشاء المنصات سيحتاج إلى استثمارات أكبر في بناء الطرق الرقمية السريعة من أجل العمال والباحثين عن وظائف مستقبلا.
 
 

بقلم

انضم إلى النقاش