Syndicate content

بين أشجار اللوز وحدائق الزيتون في مسار إبراهيم الخليل: كيف يمكن لنزهات السير الطويل أن توفر فرص العمل في فلسطين

Stefanie Ridenour's picture
هذه المدونة متوفرة باللغات التالية: English | Français
مسار إبراهيم الخليل هو طريق سياحي طويل يقتفي أثر النبي إبراهيمبين حدائق الزيتون وأشجار اللوز ومروج خضراء وبلدات صغيرة تنام في أحضان قمم الجبال والوديان في شمال فلسطين، سُرت مع زملاء لي من البنك الدولي في نزهة سير طويلة. داخل قناة مائية باردة ومظلمة تعود إلى عصور وحضارات سالفة، جلسنا حول موقد النار لنحتسي شاياً أعده لنا دليلنا المحلي. وما لن أنساه في رحلتنا تلك، الوجبة المنزلية التي أعدتها لنا إحدى الأسر من سكان هذه المنطقة.







لم تكن نزهة السير الطويلة هذه رحلة عادية. كما أن هذا لا يمثل نهج البنك الدولي المعتاد إزاء التنمية.

فمسار إبراهيم الخليل هو طريق سياحي طويل يقتفي أثر النبي إبراهيم، أبو الأنبياء. ويمتد المسار الحالي لمسافة تتجاوز 400 كيلومتر، ويربط 40 قرية ومجتمعاً محلياً عبر 4 بلدان. المسار يمثل أيضاً صلة  بين الدول، والثقافات، والحضارات، والمجتمعات ، والأجيال على مر التاريخ، إذ هو يذكرنا بجذورنا المشتركة وبانسانيتنا الواحدة.

ولقد سلك هذا المسار ما يزيد عن 4000 شخص منذ عام 2008، مر أغلبهم بفلسطين والأردن. ويتمتع الزوار بالإقامة في بيوت سكان المنطقة وضيافتهم وتناول الوجبات على طول هذا الطريق، كما يقدم المرشدون المحليون لهم المعلومات التاريخية والحضارية والثقافية. وهذا العمل يجلب المال لحركة الاقتصاد المحلي على نحو يختلف عن الرحلات التي تتم أثناء النهار إلى بيت لحم، والتي تمثل أغلب النشاط السياحي الحالي في فلسطين.

وكانت أول تجربة لنا في هذا الدرب من خلال إرشادات مبادرة مسار إبراهيم الخليل ، وهي منظمة غير حكومية تعمل على اقتفاء أثر النبي ابراهيم من مهده وحتى مرقده. وسارت مجموعتنا عبر هذا الدرب بعد الظهر، وتمتعنا بالمناظر الخلابة. ومع ارتفاع صوت الأذان بين قمم التلال والجبال، غمرنا الخشوع، وشعرنا بعبق التاريخ والمكانة الدينية السامقة لهذا المكان. وما أضفى على تجربتنا جمالاً كان المعرفة التاريخية والثقافية والحضارية التي قدمها لنا مرشدنا الودود.

مسار إبراهيم الخليل قد يمتد مستقبلاً إلى ما يقارب 5 آلاف كيلومتر ويمر بعشرة بلدان في الشرق الأوسط. أما في الداخل الفلسطيني فهو يعبر 13 مجتمعاً ريفياً وقرية في الضفة الغربية بدءاً من نابلس في الشمال وانتهاء بالخليل في الجنوب. ويتجاوز هذا الدرب المزارات السياحة التقليدية، ويمثل تنوعاً للنشاط السياحي في الضفة الغربية وقطاع غزة.

ولهذا المسار إمكانات هائلة يمكن أن تترك آثاراً إيجابية على المجتمعات الريفية في الضفة الغربية لا سيما بالنسبة للنساء والشباب حيث معدلات البطالة بينهم هي الأعلى على مستوى المنطقة. وهذا النوع من السياحة التجريبية والثقافية يمثل طريقة مبتكرة للوصول إلى الشرائح السكانية في المناطق الريفية بسبب تنوع العمل الذي يناسب مختلف المناطق والكفاءات الفردية.
 
فالمرأة هي المسؤولة عن الإقامة في المنازل والضيافة على طول هذا الدرب، حيث تقوم بإعداد الإقامة والطعام دون أن تضطر إلى مغادرة منزلها. وتساعد الجمعيات المحلية والأهلية في تسويق المصنوعات اليدوية للنساء. وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حيث لا تزال المرأة قابعة في دارها، فإن هذا العمل يتيح لها ولأسرتها دخلاً، كما يحافظ على تقاليد الضيافة.
 
وثمة حاجة إلى مزيد من الاستثمارات في المرشدين والمجتمعات المحلية والمنظمات والجمعيات الأهلية الذين يدعمون هذا المسار، ولهذا السبب جاء البنك الدولي إلى هنا. وإذ يعتبر البنك هذا المسار طريقة مبتكرة للوصول إلى المهمشين في المجتمعات المحلية والقرى، فإنه يستثمر حالياً في تنمية هذا المسار، وزيادة إمكاناته واستدامته، وتسويقه من خلال ملتقى لتبادل المعلومات، وخرائط تتاح في المواقع المختلفة، ووسائل التواصل الاجتماعي. وسيستفيد النساء والشباب من برامج السياحة وتعلم اللغات والإعداد للعمل. ومن المتوقع أن توفر هذه المساندة فرص عمل وتحقق زيادة في دخل الناس والمجتمعات الموجودة على طول هذا الدرب، لا سيما النساء. ومن منظور أوسع نطاقاً، يرى البنك أن للسياحة ــ لا سيما غير التقليدية مثل مسار إبراهيم الخليل ــ إمكانات هائلة لتوفير دخل وفرص عمل في الشرق الأوسط. 


دعتنا أسرة مكونة من زوجين ووولديهما على غداء شهي وتناولنا "المسخن"ونحن لم نسر على هذا الدرب فحسب، ولكننا رأينا أيضاً كيف تعيش الأسرة المحلية هناك وما التحديات التي تواجهها. وفي نهاية الرحلة، دعتنا أسرة مكونة من زوجين ووولديهما على غداء شهي وتناولنا "المسخن"، وهو طبق دجاج مشوي مع البصل والسماق والفلفل الحلو وزيت الزيتون والصنوبر يُقدم مع شرائح خبز الطابون. وامتزجت نكهة الليمون المنبعثة من الزعفران مع قطع البصل والدجاج المتبل المطهي. ثم احتسينا الشاي، وتعرفنا أكثر على الحياة اليومية للأسرة، وآمالها في الرفاهية والرخاء والسلام في المنطقة. وأخبرونا عن مشاركتهم في المجتمع المحلي، وكذلك عن عمل الزوجة مع جمعية أهلية.

ومثلت لنا زيارة هذه الأسرة أهمية مسار إبراهيم الخليل وجعل تطويره هدفاً لنا. فهو فرصة لتوطيد العلاقة مع السكان المحليين والتعرف على طيبتهم التي تجسد طيبة النبي إبراهيم وكرمه مع الغرباء.

يتقدم البنك الدولي بجزيل الشكر والعرفان لصندوق بناء الدولة وإرساء السلام الذي يمول هذا المشروع بصورة تامة. وقد كان هذا الصندوق متعدد المانحين الذي يديره البنك الدولي أداة أساسية للبنك لدعم جهود الدولة وأجهزة الحكم المحلي الرامية إلى إرساء السلام في المناطق الهشة والمتأثرة بالصراعات منذ عام 2008. ويهدف هذا الصندوق إلى زيادة نطاق المشاركة الدولية في البلدان الهشة والمتأثرة بالصراعات، وتشجيع النُهُوج الشاملة والمبتكرة، وتبني الشراكات الاستراتيجية.

أضف تعليقا جديدا