Syndicate content

أين نحن من تنظيم الأعمال في لبنان؟ وإلى أين نذهب؟

Jamal Ibrahim Haidar_2's picture
هذه المدونة متوفرة باللغات التالية: English | Français
خلال الفترة التي قضيتها في لبنان الصيف الماضي، أقنعت صديقي مروان بأن يبدأ شركة صناعية صغيرة لإنتاج الصابون والشامبو.وفي النهاية، بدأ نشاطه ولديه الآن أربعة عاملين يعملون طوال الوقت. وإلى جانب حصولهم على وظائف مستقرة يحصلون على خدمات استشفائية عن طريق الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

World Bank | Emad Abd El Hadyلكن لا يمكن الحصول على شيء بلا مقابل.فقد شهدتُ شخصياً معاناة مروان وهو يسجل شركته رسميا ويبدأ نشاطه.  في خضم هذه المعاناة كان عليه أن يبحر في متاهة من اللوائح التنظيمية وكذلك دفع رشاوى لعدد من الموظفين. ولذلك لم أندهش أن أرى لبنان يحتل المركز 115 من بين 185 بلدا على قائمة دول العالم التي شملها إحصاء تقرير ممارسة أنشطة الأعمال 2013. هذا وقد احتل لبنان المركز 114 من حيث سهولة بدء النشاط التجاري و172 في مجال إصدار التراخيص و108 من حيث سهولة تسجيل العقارات و100 في مجال حماية المستثمر و95 في مجال التجارة عبر الحدود.وتتفاقم آثار القوانين والإجراءات البيروقراطية في المؤسسات الحكومية بسبب اللوائح التنظيمية المعقدة التي لا تراعي المساواة في تطبيقها.

ويمكن للمسؤولين عن إدارة بيئة الأعمال في لبنان أن يقدموا المساندة لرجال الأعمال المحليين بتبسيط اللوائح، بما في ذلك تسجيل العقارات وإصدار التراخيص والتجارة عبر الحدود.ولحسن الحظ أن العديد من الإصلاحات تحقق مكاسب سريعة لأنها إدارية في طبيعتها ويمكن إنجازها خلال فترة زمنية معقولة (6-8 شهور) من خلال تدابير على مستوى الوزارات.وسيكون لها أثر هائل على بيئة الأعمال في لبنان عن طريق القضاء على البيروقراطية التي تعرقل ظهور شركات جديدة ورجال أعمال جدد.إلى ذلك، سوف تخلق بيئة ستنجح فيها على الأرجح الإصلاحات الأكثر عمقا التي تطبق على أجل أطول.على سبيل المثال، يحتاج رجل الأعمال المحلي في لبنان إلى أكثر من دخل سنة كاملة (ما يزيد على 9000 دولار) كي يبدأ نشاطه التجاري في حين أن نظيره بالولايات المتحدة لا يحتاج سوى إلى 0.8% من الدخل خلال سنة.إن عوامل إلغاء شرط الحد الأدنى لرأس المال (وكذلك اشتراط فتح حساب مصرفي) وجعل شرط اتخاذ محام للشركات الصغيرة والمتوسطة اختياريا وزيادة كفاءة السجل التجاري، قد تساعد في خفض ما يلزم لبدء النشاط التجاري من خطوات ووقت وتكلفة.

وتتكلف عملية نقل الملكية من شخص لآخر أو شركة لأخرى في لبنان 5.8% من قيمة العقار مقابل 0.7% في مصر.ويمكن إحداث تغيير كبير إذا تم التحول من نظام للرسوم يستند إلى نسبة مئوية من قيمة العقار إلى نسبة ثابتة أقل.فتيسير تسجيل العقارات من حيث التكلفة يعني مزيدا من عمليات التسجيل والحدّ من التهرب وإمكانية الحصول على تمويل، حيث إن العقارات المسجلة رسميا يمكن أن تستخدم كضمانة رهنية.ويلجأ بعض رجال الأعمال، نتيجة لارتفاع الرسوم التي تمثل نسبة مئوية من قيمة العقار، إلى خفض قيمة عقاراتهم تجنبا لدفع رسوم مرتفعة أو عدم التسجيل مطلقا (E). إذ تجدر الملاحظة أنه حين خفضت مصر تكلفة التسجيل من 5.9% من قيمة العقار إلى رسم ثابت قدره ألفي جنيه (حوالي 364 دولارا) عام 2008، زادت حصيلة تسجيل العقارات 39 في المائة جراء زيادة عمليات التسجيل.

وتواجه الشركات اللبنانية أيضا تأخر صدور التراخيص.فالحصول على التراخيص اللازمة لبناء مخزن يستغرق 219 يوما.وبالتالي،يمكن أن يستفيد لبنان من تجربة 50 دولة أصلحت لوائح إصدار تراخيص البناء خلال السنوات الخمس الماضية.فعلى سبيل المثال، يمكن أن يطبق لبنان قواعد الموافقة بعدم الممانعة على مستوى البلديات، وتبسيط الموافقة على التصميمات في نقابة المهندسين بالحد من الإجراءات والتأخير، وجعل خطوة إخطار الشرطة عملية داخلية باشتراط أن تخطر البلدية الشرطة بترخيص البناء، هذا باللإضافة إلى الحد من الوقت اللازم للحصول على ترخيص البناء والإشغال من دائرة التخطيط العمراني والبلديات (الوقت اللازم حاليا هو ستة أشهر).

يحتاج التاجر في بيروتحالياً إلى 22 يوما لاستكمال إجراءات تصدير الشحنة و30 يوما لاستيرادها.أما بلدان أخرى مثل مصر وتونس والأردن وجيبوتي والمغرب فهي أكثر كفاءة من حيث التجارة عبر الحدود.يستغرق التعامل مع مصلحة الجمارك اللبنانية - 12 يوما للتصدير و19 يوما للاستيراد – والمستندات المسبقة.  ويمثل هذا التأخير عبئا على المصدرين والمستوردين.ومن الإصلاحات الفورية الممكنة تمديد ساعات العمل في مصلحة الجمارك (تعمل حاليا من الثامنة صباحا إلى الواحدة ظهرا) مما يسمح بالتخليص الجمركي قبل الوصول والحد من وقت التخزين المجاني.وقد خلص Djankov et al. (2010) إلى أن التأخير يوما في شحن المنتج يخفض التجارة بنسبة 1 في المائة.ويتحول الوقت الضائع إلى أعمال وإيرادات ضائعة.

إن إصلاح لوائح الأعمال أمر ضروري وجيد التوقيت في لبنان لكنه لن يكون كافيا.فالتوصيات السابقة تبرز التغييرات التي يمكن تنفيذها فورا.فهي ستمهد الطريق لتدابير مستقبلية.  ويمكن أن يستفيد صانعو السياسات من استعراض تجارب البلدان التي حققت تحسينات ملموسة على مؤشرات "ممارسة أنشطة الأعمال" عبر إصلاح بيئة الأعمال.  وهناك عدد من البلدان التي نجحت في إدارة برامج الإصلاح التنظيمي وهي تمثل مرجعا لقياس مدى كفاءة صانعي السياسات لديها.وبالمثل، فإن تنفيذ الإصلاحات الواردة أعلاه سيحقق نتائج ملموسة ويبني الثقة على المستوى الوطني، في وزارتي المالية والاقتصاد والتجارة، وعلى المستوى المحلي في البلديات.وسيكون هذا أمرا له قيمته خاصة في مواجهة التحديات الحالية.والأهم من ذلك كله، فإنها ستمهد الساحة لإصلاحات أكثر عمقا تطبق على أجل أطول.

أضف تعليقا جديدا