Syndicate content

هل تستطيع الصحوة العربية تغيير ثقافة المحسوبية المتجذرة؟

Yasser El-Gammal's picture
هذه المدونة متوفرة باللغات التالية: English

تدور مسألة المحسوبية  )الواسطة) أو محاباة الأقارب في أذهان كثير من الناس في العالم العربي. فالبعض يحدوه الأمل في أن يحدث تغيير بفضل أحداث الربيع العربي، لكن آخرين يتشككون في ذلك.وفي سلسلة من المُدوَّنات (لا أستطيع التحكم في مدى تكرارها بسبب أعباء العمل)، أنوي الخوض في الحديث عن بعض الأشكال التي ترسَّخت من خلالها جذور المحسوبية والمحاباة وعلل أخرى في المجتمع العربي.وسأستخدم البلد الذي وُلِدت فيه، مصر، مثالا بسبب الصلة الروحية العميقة التي تربطني بهذا البلد ومعرفتي الوثيقة به، ولأنه يمكن للمرء أن يزعم أن مصر مكان تعاظمت فيه هذه الأدواء والعلل الاجتماعية.

في الصيف الماضي، ترددت شائعة في كثير من الأوساط الاجتماعية والمناقشات على المقاهي بأن ابن رئيس أكاديمية الشرطة حُرِم من الالتحاق بكلية الشرطة خلال إجراءات الالتحاق.ومع أنني لم أستطع أن أتحقق من مدى صحة هذه الشائعة، فإنني تابعت عن كثب ردود أفعال الناس على هذا الخبر.كانت مزيجا من عدم التصديق والأمل ومن الخوف أيضا.

Kim Eun Yeulوقبل أن أتحدث عن رد فعل الشارع على هذه "الشائعة"، من الضروري إلقاء نظرة مُتعمِّقة على عملية الالتحاق بكلية الشرطة في مصر.فمن شبه المؤكد أن الكثيرين كانوا يضطرون إلى دفع آلاف الجنيهات حتى يمكنهم الالتحاق بهذه الكلية. وكثير ممن يدفعون كان من المحتمل أن يتم قبولهم من خلال إجراءات الالتحاق المعتادة لكنهم لا يحبون المخاطرة.والذين دفعوا هذه المبالغ يأتون من كل طبقات المجتمع، الأغنياء والفقراء (الذين أصبحوا في الغالب مدينين لأنهم دفعوا "رسوم" الالتحاق)، والريف والحضر، من أسر ذات حظ وافر من التعليم أو حتى غير متعلمة على الإطلاق.وهم جميعا لهم أهداف مختلفة: فالبعض يريد أن يضمن ألا يتعرض لعقوبة ظلما أو يساء معاملته يوما، والبعض الآخر يراها وسيلة لتخطي الحدود إلى طبقة اجتماعية مختلفة، أمَّا في نظر كثير من الأثرياء فإنها البعد المفقود للسلطة التي لا يستطيع المال شراءه كاملا. ولم يحدث قط أن أجري تحقيق واف في ممارسات الرشوة المزعومة التي تتم منذ عشرات السنين لضمان عدد كبير من الملتحقين.وعلى أي حال، فإنه ليس صعبا أن ترى من مجرد المظهر البدني لبعض هؤلاء الضباط الشبان أنهم ما كان بوسعهم قطعا اجتياز اختبارات كشف الهيئة لدخول كلية الشرطة.

وعودة إلى الحادثة/الشائعة التي تناقلتها الألسنة الصيف الماضي.رأيت كثيرا من المصريين يحدوهم الأمل فيما يبدو، ولسان حالهم: لعل النظام سيتغير والمسؤولون عن الالتحاق بكلية الشرطة يشعرون الآن بخضوع أكثر للمساءلة، وأن هناك عيونا كثيرة عليهم ولا يريدون أن يخاطروا بالسير على خطى الاتجاه المعتاد.ولا شك أن في هذا بعض الصحة، وتتبع الأخبار في مصر في الآونة الأخيرة لهو دليل جيد على أن الأمور تغيَّرت.فقد أصبح هناك الكثير من النقد والحرية في وسائل الإعلام بشأن كثير من الأمور مثل حصول شباب على وظائف عامة ذات أجور عالية، وتورط مسؤولين في أنشطة أعمال أو استغلال موارد عامة.نعم زادت مساحة النقد على مستوى وسائل الإعلام، لكن هذا لم يتحول بعد إلى نظام راسخ للرقابة والضوابط.

وعبَّر آخرون في المجتمع المصري عن تشككهم الشديد في القصة كلها، ورأوا ببساطة أن هذا غير ممكن. ويشعر العاملون في جهاز الخدمة المدنية في مصر على وجه الخصوص أن جزءا من العقد الاجتماعي الذي كان لديهم هو أن تراعي الحكومة مصلحة أبنائهم.وسيندهش كثير من القراء لو علم كم عدد العاملين في الخارجية المصرية الذين هم أبناء وبنات لسفراء وسفراء سابقين، وكم عدد العاملين في الجيش الذين ورثوا هذا الوضع.ويجب أن يُقر المرء بأن هؤلاء "الأبناء" تلقوا تعليما جيدا وأن معظمهم مؤهلون على الأرجح لهذه المناصب.ولكن السؤال الذي يبقى هو هل شغلوا مناصبهم من خلال منافسة نزيهة أم لا، ومن الإنصاف القول بأن بعضهم لم يفعل.ولعل أكثر الحوادث إثارة للجدل هو أن مجموعة من القضاة (الذين يفترض أن عملهم هو ضمان المساواة في المجتمع) يطالبون بإعفاء أبنائهم من الحد الأدنى للدرجات للالتحاق بكلية الحقوق.

مهما يكن من أمر، فإن هناك مجموعة يبدو أنهم يشعرون بقلق شديد من الضجة التي أثيرت حول قصة كلية الشرطة.إنها مجموعة يبدو أنها ألفت الحصول على معاملة خاصة في كل شيء.ناهيك عن أنهم تعوَّدوا أن يحصلوا على أشياء ليست ملكا لهم، لكنهم يستخدمون المزايا الصغيرة لعدم الاضطرار إلى الانتظار في الصف مع الآخرين مثلا. وكانت هذه الحادثة مبعث قلق وانزعاج لهم.فهل سيتعين عليهم حقا الذهاب إلى إدارة المرور لتجديد رخصهم أو الحصول على رخص لأبنائهم؟وهل سيتعين عليهم الوقوف في طابور عند السفر في المطار؟

ومسألة ماذا فعلت هذه العلل في الشباب الذين ليس لهم معارف على مر السنين لم تكن قط محل دراسة لكنها كانت قطعا مُدمِّرة.فقبل عشرة أعوام انتحر شاب بعد أن فشل في الامتحان الشفوي للالتحاق بوزارة الخارجية.وهذه القصة رسالة تذكير قوية بما يمكن أن تسببه هذه الأمراض الاجتماعية.إنه أحس أنه لم يكن هناك أكثر مما عمله: فقد اجتهد في الدراسة وحصل على شهادة جامعية جيدة واجتاز الامتحان التحريري لكن بسبب خلفيته (فأبوه عامل بسيط: بواب)، تسرب إلى يقينه أنه لن ينال فرصة أبدا.

أضف تعليقا جديدا