Syndicate content

أضف تعليقا جديدا

جديد من إيران: أزمة زيادة أعداد الخريجين

Amin Mohseni-Cheraghlou's picture
هذه المدونة متوفرة باللغات التالية: English | Français
Victor Jiang | Shutterstock.com - A university student in Naqsh-e Jahan Squareفي كل عام تعود المدارس والجامعات الإيرانية للعمل في اليوم الأول من فصل الخريف الموافق 23 سبتمبر/أيلول. وبالرغم من أن هذه المدارس والجامعات  وهبت العالم عقولا عظيمة،  كالراحلة مريم مرزاخاني، أول امرأة تحصل على ميدالية فيلدز، وهي أرفع جائزة في الرياضيات، نجد أن نظام التعليم في إيران في أزمة. وفي هذه الصفحة الضيقة أريد أن أركز على الأزمة التي تواجه نظام التعليم العالي في إيران والتي ازدادت سوءًا على مدى السنوات العشر الماضية.

واسمحوا لي أن أبدأ برقم يدعو للدهشة: ففي 2015 - 2016، بلغ عدد الطلاب في جامعات إيران 4.3 مليون طالب. وهذا يعني أن أكثر من 5% من إجمالي عدد سكان إيران أو 7.4% من عدد السكان البالغين (في سن 19 سنة أو أكثر) كانوا مسجلين في نظام التعليم العالي في إيران. ولاستيعاب ما يعنيه هذا الرقم على نحو أفضل، لننظر إلى الإحصاءات نفسها في بلد مثل الولايات المتحدة. ففي 2016، بلغ عدد المسجلين في كليات الولايات المتحدة 20.4 مليون شخص أو أكثر بقليل من 6% من سكان الولايات المتحدة (أو 8.3% من عدد السكان البالغين، أي في سن 19 سنة أو أكثر). ويبلغ حجم الاقتصاد الأمريكي 47  ضعف حجم الاقتصاد الإيراني، والعديد من خريجي كليات وجامعات الولايات المتحدة من جنسيات أجنبية، وسيتم استيعابهم في قوة العمل كل في بلده. وبأخذ هذه الحقائق  بعين الاعتبار، نجد أن عدد خريجي الكليات  بالكاد يكفي النشاط الاقتصادي الأمريكي.

وهنا تكمن أزمة التعليم العالي في إيران، فعدد خريجي الكليات في إيران يتجاوز كثيرا ما يمكن أن يستوعبه النشاط الاقتصادي، ناهيك عن تدني الجودة في الغالب.  هذا الواقع الذي ازداد سوءًا على مدى السنوات العشر الماضية أدى إلى تفاقم المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية داخل إيران.

أولًا، هناك شعور بالاستياء لدى الشباب من الأوضاع الاقتصادية. فقد بلغت معدلات البطالة بين الشباب (15 - 24 سنة) في إيران بحسب الأرقام الرسمية الصادرة عن البنك الدولي حوالي 26% في 2016. وهذا المعدل بالرغم من أنه متحفظ للغاية يمثل تهديدًا خطيرًا للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والوضع الأمني في إيران، فنحو نصف الشباب العاطل عن العمل من خريجي الكليات. وحصول الشاب على شهادة جامعية بغض النظر عن مدى جودتها أو ارتباطها بالنشاط الاقتصادي في إيران يجعل طموحاته أكبر وبالتالي يكون أكثر سخطًا على أداء الاقتصادي الإيراني.

وأنا أتابع الوضع الاقتصادي والمجتمع الإيراني منذ فترة، ومازلت أعيش في هذا البلد منذ أكثر من سنة لأغراض التدريس  والبحث . وأقوم بالتواصل دومًا مع الشباب الإيراني في جامعة طهران، وهي واحدة من من الجامعات الأكثر امتيازا لألمع الطلاب في إيران.  فأنا أشهد بصراحة على أن هؤلاء الطلاب الذين يمثلون 20% من أفضل خريجي المدارس الثانوية ليس لديهم رؤية أو خطة أو أمل في مستقبلهم بعد التخرج من أفضل جامعة في إيران. وحصولهم على فرصة عمل بعد التخرج حلم بعيد المنال بالنسبة لهم، نظرًا لأن معظم الوظائف في إيران يعتمد الحصول عليها على العلاقات الشخصية. ويمكن للمرء أن يشعر بما يعانونه من إحباط عميق أدى أيضا إلى أمراض اجتماعية عديدة  وإلى الكثير من الاضطرابات السياسية في هذا البلد.

ويتوجّه إلي كثيرون من هؤلاء الطلاب طلبًا للمشورة بشأن كيفية الالتحاق بالجامعات الأمريكية أو الأوروبية للدراسة نظرًا لأنهم لا يرون أي مستقبل لأنفسهم في بلدهم. ويضيف نزف العقول  إلى أزمة  نظام التعليم العالي في إيران. بمعنى آخر، تقوم الجامعات الإيرانية بتدريب أفضل الطلاب (غالبًا بالمجان)، ويبدو أن المستفيد الأكبر من هذا الاستثمار هي الاقتصادات الغربية من خلال ترحيبهم بهذه العقول واستيعابهم في اسواق العمل لديهم. وبحسب دراسة قديمة لصندوق النقد الدولي تعود إلى سنة 1999، تشير التقديرات إلى أن ما يزيد على 25% من الإيرانيين الحاصلين على تعليم عال يعيشون ويعملون في بلدان منظمة التعاون والتنمية (OECD). وبالطبع هذه الصورة أسوأ الآن. وتشير التقديرات إلى أن نزف العقول الإيرانية يكلف البلد ما يزيد على 50 مليار دولار سنويًا في صورة خسائر اقتصادية أو ما يُقدر بنحو 12.5% من إجمالي الناتج المحلي في 2016. ومن دون أدنى شك، يؤدي ذلك إلى خسائر اقتصادية هائلة لإيران.

ويواجه الاقتصاد الإيراني حاليًا معوقات تحول دون تحقيق نمو اقتصادي سريع الوتيرة وفرص عمل بمعدلات مرتفعة. وفي مدونات لاحقة، سأشير إلى هذه المعوقات. وهذا يعني أن الحل الوحيد لمشكلة زيادة أعداد الخريجين في إيران هو خفض أعداد خريجي الكليات إلى مستوى يمكن أن يستوعبه النشاط الاقتصادي. ولن يؤدي ذلك إلى تحرير الموارد التي يمكن توجيهها نحو زيادة جودة التعليم والتركيز على المهارات والشهادات التي يمكن أن يستوعبها النشاط الاقتصادي فحسب، ولكن سيؤدي أيضًا إلى خفض معدلات نزف العقول أو حتى عكس مسار هذا الإتجاه . ويرجع السبب في ذلك إلى أن خفض عدد خريجي الكليات سيزيد فرص إيجاد وظائف ذات أجر جيد في إيران، وبالتالي تقليل الحوافز التي تدفع إلى مواجهة العديد من الصعوبات وتحمل تكاليف الهجرة. وسيسمح ذلك لإيران بالاستفادة من الاستثمارات التي قامت بها في تعليم شبابها. وقد يبدو ذلك بمثابة سياسة قاسية؛ لكن الظروف القاسية غالبًا ما تتطلب تدابير وإجراءات قاسية.