شاهد فعاليات إجتماعات الربيع حول مواضيع التنمية من 17-22 أبريل/نيسان. شارك بالتعليق والنقاش مع الخبراء. قائمة الفعاليات


Syndicate content

أضف تعليقا جديدا

التمكين الاقتصادي والاجتماعي هو الإيمان بإمكانيات البشر وقدراتهم عندما لا يوجد من يُؤمن بها!

Laila Tawfik Anaam's picture
هذه المدونة متوفرة باللغات التالية: English
حين تخرَّجتُ من الجامعة حاملةً شهادة في إدارة الأعمال في عام 2010، كنتُ أحلم بأن أُبهِر عالم الأعمال بحماسي، وأن أصبح سيدة الأعمال الأولى في اليمن. لكني لم أُدرِك ما ستؤول إليه الأمور، فخلال عامٍ من العمل في قطاع الأعمال عرفت أن حماسي ليس في أن أزيد الأغنياء غنى، ولا نيل لقب "سيدة الأعمال الأولى". إنما "كان اهتمامي الحقيقي في الحياة هو أن أكون مُؤثِّرةً ، أكون إنساناً يترك بصماتٍ إيجابية في حياة الناس". وحينما أدركت ذلك، بدأتُ أشعر بأنني إنسان يتحلَّى بالتفاني والحماس الشديد للكفاح من أجل التمكين الاقتصادي والاجتماعي في اليمن. وعندئذ، حوَّلتُ تركيز مسيرتي المهنية وأهدافي من إقامة مملكة خاصة بي إلى تمكين الناس الذين يتمتعون بالإمكانيات لكن تنقصهم الفرص في الحياة كي يبنوا فكرتهم عن إقامة مملكة لهم. 

وبهذا التفكير، قبلتُ تحدِّي إنشاء أول برنامج لضمان التمويلات في اليمن، مع الصندوق الاجتماعي للتنمية، وهو برنامج يعمل على تسهيل الحصول على الخدمات المالية للمشروعات الصغيرة والمتوسطة من خلال تقديم ضمانات جزئية لمن لا تتوفر لديهم ضمانات كافية. ومع الصراع المحتدم حالياً في اليمن، كان من الصعب إنشاء شيء من الصفر في اقتصاد وبيئة عمل يفتقران إلى الاستقرار والأمن. وعلى الرغم من هذه الظروف، قَبِلتُ التحدِّي، ووجدتُ أنَّ مهمتي تلقى دعماً. 

وبمساعدة من الصندوق الاجتماعي للتنمية، والبنك الدولي والبنك الألماني للتنمية، أُنشِئ أول برنامج لضمان التمويلات في اليمن للمشروعات الصغيرة والمتوسطة في عام 2017. ويبعث البرنامج بصيص أمل في حياة الناس يوماً بعد يوم حيث يساعد المشروعات الصغيرة والمتوسطة على الحصول على فرص ما كان يمكنها الحصول عليها في الظروف العادية. ولا يتيح برنامج ضمان التمويلات للمستفيدين الحصول على القروض فحسب، إنما يزودهم أيضاً بالمساعدات الفنية والمشورة بشأن كيفية إدارة مشروعاتهم، وزيادة دخولهم، وتقليص مصروفاتهم الإجمالية. وفضلاً عن ذلك، فإنه يرعى مصالح المستفيدين، ويقدم لهم النصح بشأن فرص الأعمال داخل أسواقهم، مع توجيههم عند اتخاذ قراراتهم في إدارة القروض والأعمال. يُؤمِن البرنامج بالإمكانيات التي تنطوي عليها المشروعات الصغيرة والمتوسطة في اليمن. إنَّنا نُقدِّم لهم المساندة التي لم يكونوا في العادة يحظون بها. 

طوال حياتي كنتُ أعمل جاهدةً من أجل كل شيء أحسستُ بأنني استحقه كامرأة نشطة في بلدٍ من بلدان العالم الثالث. وعلى أية حال كنتُ دائماً محظوظةً بالفرص التي سنحت لي لاستكشاف آفاق شخصيتي. لكن الفرص التي كنت أراها شيئاً مُسلَّما به طوال حياتي كانت لسوء الحظ خيالاً جامحاً لم يكن شخص مثل مريم يجرؤ على أن يحلم به أو تتوق نفسه إليه. 

مريم امرأة حالمة عمرها 30 عاماً من مدينة باجل في محافظة الحديدة. وُلِدَت مريم في أسرة فقيرة، واضطرت إلى ترك المدرسة في سن الثامنة لمساعدة والدها المصاب على كسب العيش. وبالإضافة إلى إبقاء أخوتها في المدرسة عن طريق العمل في المزرعة، كانت ترسم لوحات في المدرسة وتبيعها إلى أطفالٍ كانوا أكثر منها حظاً. تقول مريم وهي تروي بحماس قصتها "هذه هي الطريقة الوحيدة التي كان يمكنني بها الدراسة." وعلى الرغم من كل الصعاب والشدائد التي مرت بها مريم في تربيتها، فإنها كانت تأخذ سراً الفضلات الصغيرة من الأقمشة من الخياطين في أنحاء المنطقة وتقوم بخياطتها معاً. وهكذا بدأت مريم بناء أساس مملكتها. وتحوَّلت من خياطة فضلات الأقمشة إلى الحياكة، وبالدخل الذي حصلت عليه مريم من هذا النشاط استطاعت شراء أول ماكينة خياطة – وتتذكر ذلك اليوم قائلةً "كان أسعد يومٍ في حياتي.
 


وقدَّم برنامج ضمان التمويلات لمريم ضمانةً أتاحت لها الحصول على أول قرض لها، وزودها ببرنامج مساعدة فنية مدته ثلاثة أشهر لضمان حُسْن متابعتها ومساعدتها. واليوم، أصبح لدى مريم مشروع خاص بها لخياطة الملابس. وتعاقدت مع ثلاث نساء للعمل معها في هذا المشروع، وتبيع الآن الملابس خارج مدينة باجل. لم تعد مريم تلك الفتاة الفقيرة التي تنتظر بعض فضلات الأقمشة لتقوم بخياطتها! إنها الآن رائدة أعمال تعرف قدْرها وما تستحقه، وتسبح في عالم من الأحلام ليس له حدود سوى شغفها وحماستها. 

اليوم، مريم نموذج يُحتذَى به للشابات في مجتمعها. وتقوم كلما استطاعت بزيارة المدارس لتقطيب وحياكة الأزياء المدرسية للفقراء والمعوزين مجاناً، إنه نهجها في العمل لإحداث تغيير نحو الأفضل في المجتمع الذي تعيش فيه! تقول مريم خلال لقائنا الشهري معها "إنَّني أطير من السعادة ولا حدود لطموحي، وأعتز بنفسي، وأشعر بأن من واجبي رد الجميل إلى المجتمع .... أشكركم على إيمانكم بإمكانياتي حينما لم يكن هناك من يؤمن بي." 
 

عرفات مزارع عمره 33 عاماً من قرية حمدان في محافظة صنعاء. وعلى مر السنين كان عرفات شأنه شأن كثير من المزارعين اليمنيين الآخرين الذين يملكون مساحة كبيرة نسبياً من الأرض يُركِّز هو وأسرته على زراعة وحصاد القات في أكثر من 75% من حقولهم. ومما يبعث على الأسى أن تعاطي القات، الذي تُصنِّفه منظمة الصحة العالمية على أنه مُخدِّر يخلق حالةً من الاعتماد النفسي، ليس مجرد عادة تعوق الأنشطة الاجتماعية والاقتصادية للشعب اليمني، بل هو أيضاً محصول رئيسي في البلاد يستهلك 38% من إجمالي إمدادات المياه للقطاع الزراعي في اليمن. وخلال فصل الشتاء الماضي، أصاب الدمار عدداً كبيراً من حقول زراعة القات، مُخلِّفاً نباتات القات ميتةً أو غير صالحة للاستخدام. ولم تكن مزرعة عرفات استثناءً من هذا الوضع. وأحس بأنه مُحطَّم وهو يرى محصوله المُدمَّر. واستغل برنامج ضمان التمويلات الظروف المؤسفة التي كان عرفات وأسرته يمرون بها لتوعيته هو وغيره من المزارعين في أنحاء المنطقة بأنه بمقدورهم زيادة دخولهم نحو 28% عن طريق التحوُّل من التركيز على القات إلى استخدام الصوبات في زراعة خضراوات عالية القيمة. وهكذا، حصل عرفات على قرض بمساعدة برنامج ضمان التمويلات لشراء وتشغيل الصوبات. وبدأ زراعة الطماطم والخيار، وقلَّص الجزء الذي يستخدمه في زراعة القات من حقوله. وبدلاً من ترك عرفات يعاني من الخسائر التي مُني بها، اختار برنامج ضمان التمويلات إظهار الإمكانيات التي كانت لدى عرفات بمساعدته على فهم مساوئ نهجه الزراعي السابق. إننا امنا بإمكانيات عرفات وقدراته في وقت لا أحد فيه كان يؤمن بها وأتحنا له فرصة تقليص ذلك الجزء من أرضه الذي كان مُخصَّصاً لزراعة القات واستكشاف بدائل أخرى. يقول عرفات أثناء زيارة ميدانية قام بها موظفو البرنامج لمزرعته "لم أتصوَّر قط أنه يمكنني أن أجني من زراعة الطماطم أرباحا أكثر من القات... كان يقال لنا دائماً أن القات أكثر ربحيةً." 
 

مريم وعرفات مجرد مثالين للتمكين الاجتماعي والاقتصادي الذي يمكننا تحقيقه في أسوأ الأوقات. وإنَّني أُؤمن بصدقٍ أنه توجد في كل مجتمع امرأةٌ مثل مريم تستطيع بجهدها من أعمال الخياطة شق طريقها نحو مملكتها الخاصة بها، ويوجد دائما عرفات في نفس كل شخص لم يتم توعيته بأنه قد توجد بدائل أفضل.
 
كون الأمور غير سهلة ... لا يعني أنها مستحيلة!