Syndicate content

الدفع بحدود التنمية في المغرب نحو النمو الشامل

Jean-Pierre Chauffour's picture
هذه المدونة متوفرة باللغات التالية: English | Français
 Ermakova Nadezhda | Shutterstock.com
في كلمته السنوية عام 2014 المعروفة باسم "خطاب العرش"، ركز العاهل المغربي الملك محمد السادس على جوانب التنمية التي تعتبر أقل وضوحا ولكنها من جانب آخر تعتبرحاسمة مثل جودة المؤسسات وجودة التعليم ونوعية العلاقات بين أفراد المجتمع. وحرّك هذا الخطاب المياه الراكدة مما أدى إلى تدشين المذكرة الاقتصادية 2017 بعنوان المغرب 2040 – النهوض عن طريق الاستثمار في رأس المال غير المادي. وإذ يستمد هذا التقرير الجديد إلهامه من خطاب الملك، فإنه ينظر إلى رخاء المغرب في المستقبل من منظور بناء رأسماله المؤسسي والبشري والاجتماعي.
 
والتقرير هو اعتراف بأن مصير الجيل القادم من المغاربة سيتحدد على الأرجح "بما لا نراه" أكثر مما يحدده "ما نراه". بسرعة وإنصاف العدالة أكثر منه بسرعة نظام النقل؛ وبدرجة المنافسة في السوق منه بعدد المناطق الصناعية؛ وبمناخ التعلم في الفصول الدراسية منه بعدد المدارس في البلاد. ومع ذلك، فإن معالجة "البنية التحتية المهاراتية" للتنمية أكثر تعقيدا وتحديا من معالجة بنيتها التحتية المادية. بعبارة أخرى، من الأسهل والأسرع على الإطلاق بناء التوسعة القادمة للطريق السريع أو لمحطة الطاقة أو لمصنع السيارات عن بناء الثقة بين الأفراد وتحقيق الحرية الفردية والمسؤولية والشعور بالواجب المدني وهو ما يدعم حقا عملية التنمية.
 
نصف كوب ممتلئ
 
قطع المغرب شوطا طويلا في السنوات الخمس عشرة الماضية في تحسين الظروف المعيشية للمغاربة وتحديث البنية التحتية المادية وتنويع اقتصاده. وتم تدشين استراتيجيات قطاعية ناجحة لتطوير سلاسل القيمة، وتحسين القدرة التنافسية والإنتاجية في الأجزاء الرئيسية من الاقتصاد وزيادة الإيرادات.
 
ومع ذلك، وعلى الرغم من استمرار النمو، فإنها لم تكن عملية عالية وشاملة بما فيه الكفاية. فلا يزال الشباب، ولا سيما من يعيشون في مناطق متخلفة عن الركب، يجدون صعوبة في اكتساب المهارات التقنية وإيجاد فرصة شغل وتحقيق الاستقلال الاقتصادي. فالنساء في مناطق المدن، أكثر منهن في المناطق الريفية، يشاركن مشاركة ضئيلة في سوق العمل بسبب مجموعة من المعايير الثقافية، والافتقار إلى البنية التحتية الكافية وسوء حوافز الشغل.
 
ملء الكوب
 
غير أن تحقيق نمو اقتصادي أسرع وأكثر شمولا هو في متناول اليد. فإعداد الجيل القادم من المغاربة المتعلمين ذوي المهارات الجيدة وتقديم الخدمات الجيدة لهم من مرحلة الطفولة المبكرة إلى مرحلة الشيخوخة سيضع المملكة على مسار التنمية الصحيح ويؤدي في نهاية المطاف إلى نتائج إيجابية على المدى البعيد. وكما أكد بيل جيتس من قبل: "على المدى البعيد، فإن رأس المال البشري هو قاعدتك الرئيسية للمنافسة. ومؤشرك الرائد عما ستكون عليه بعد 20 عاما من الآن هو مدى نجاحك في نظامك التعليمي".
 
إن إمكانات النمو في المغرب (مثل إمكانات معظم البلدان النامية خلال عملية اللحاق بالبلدان المتقدمة) هي إمكانات كبيرة. ومع ذلك، فإن تحقيق هذه الإمكانيات مقيد بعدة موازنات دون المستوى الأمثل من حيث الاقتصاد السياسي الذي عززه التاريخ ولا يتطور إلا تدريجيا. يُقيد الاقتصاد المغربي بعدد من القيود غير الملموسة في كثير من الأحيان. وكثير منها ينطوي على علاقات اجتماعية ومؤسسية لا تتطور بسرعة كافية. ومن هنا، تظهر ضرورة التركيز على الإصلاحات للتخفيف من هذه القيود.
 
إن ما تقترحه مذكرة المغرب الاقتصادية 2017 هو مسار لتحقيق النمو الاقتصادي المستدام. وتقترح تحويل أصول المغرب على المستوى السياسي (استقرار قيادته)، والمستوى المؤسسي (القيم والمبادئ المكرسة في دستور 2011)، والمستويات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية (آفاق اتفاق تجارة حرة عميقة وشاملة مع الاتحاد الأوروبي) إلى محركات لبناء رأس المال غير المادي.
 
والواقع أن ثروة الأمم في عصر الاقتصاد المعرفي والثورة الرقمية ليست الحجم التراكمي للعمالة أو رأس المال المادي فحسب بل أيضا جودة المؤسسات والخبرات والمعارف ومعايير العمل الجماعي. وفي نهاية المطاف، تشكل هذه المحركات أيضا أفضل النواقل لتعزيز التماسك الاقتصادي والاجتماعي ودفع المغرب إلى مسار تقارب مستدام وشامل نحو الدول المتقدمة.
 

أضف تعليقا جديدا