Syndicate content

العقد الاجتماعي والحريات المدنية بالمغرب

Paul Prettitore's picture
هذه المدونة متوفرة باللغات التالية: English | Français
نُشر هذا المقال في التنمية المستقبلية
 
Moroccan Flag - Arne Hoel l World Bank
أثارت أحداث الربيع العربي وما أعقبها من تطورات الكثير من النقاش حول العقد الاجتماعي الذي حدد العلاقة بين المواطن والدولة في العالم العربي. ففي الماضي، كان العقد الاجتماعي في دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يضمن حصول المواطن على وظيفة وعلى الخدمات العامة والاستقرار السياسي مقابل تقييد الحريات المدنية التي قد تستخدم لتحدي النظام الحاكم. وأتاح التحوّل السياسي في المغرب مجالا لمناقشة الحريات المدنية في إطار الحديث عن عقد اجتماعي جديد. فالمغاربة، مثلهم مثل الكثيرين غيرهم في المنطقة، مستاءون منذ زمن من أن محاولاتهم لممارسة حرياتهم المدنية بشكل كامل قد تواجه رداً شديداً من قبل قوات الأمن والمحاكم. وكان النشطاء والصحفيون وحتى الموسيقيون يتعرضون لانتهاكات لحقوقهم من جانب السلطات. لكن الكثير غيرهم من المواطنين كانوا يحرمون من حقوقهم المدنية نتيجة لضعف إجراءات الحماية داخل القطاع القضائي.

وقد شملت النقاشات حول تعميم الحريات المدنية في العقد الاجتماعي الجديد في معظمها على مشاركة المواطن مثل حق الحصول على المعلومات والشفافية والمشاورات العامة. فيما لم تأخذ جوانب رئيسية أخرى من الحريات المدنية كالحماية من سوء معاملة السلطات وحق المحاكمة العادلة حيزاً كبيراً من النقاش. وقبل وقوع أحداث الربيع العربي كان كثيرا ما يتم انتهاك هذه الحريات عبر استخدام الاعتقال التعسفي والاحتجاز والتعذيب والأشكال الأخرى لسوء معاملة السجناء والاحتجاز المطول قبل المحاكمة وعدم الحصول على المساعدة القانونية. ولم يكن التدخل السياسي من جانب السلطة التنفيذية في المحاكم بالأمر المستبعد. وكان يمكن محاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية تفتقر إلى أبسط ضمانات لمحاكمة عادلة.

وفي وقت لاحق، أبرز ميثاق إصلاح النظام القضائي المغربي الذي تم اعتماده عام 2013 العديد من الفجوات في ممارسة الحريات المدنية وخاصة العلاقة بين المحاكمة العادلة ومعاملة السجناء. وأشار المجلس الوطني لحقوق الإنسان بالمغرب إلى استمرار العاملين بالسجون في الانتهاكات ضد السجناء وسوء معاملة الأحداث الذين كانوا محتجزين في الماضي. وجاء المغرب في مركز متأخر على مؤشر الديمقراطية التابع لوحدة معلومات الإيكونوميست (2014) الخاصة بالحريات المدنية.  وكان أسوأ سجل في مؤشرات الحكامة العالمية  لعام 2013 في التعبير عن الرأي والمساءلة والتي تغطي الحريات المدنية. لكن في مجموعة أخرى من هذه المؤشرات بما في ذلك سيادة القانون وكفاءة الحكومة كان ترتيب المغرب أعلى من معدل في الشريحة الدنيا للبلدان المتوسطة الدخل ما يشير إلى أن الحكومة بوسعها أن تكون فعالة إذا أرادت ذلك.

واتخذت الحكومة المغربية عدة خطوات لتعزيز الحريات المدنية. فقد حظر الدستور الذي صدر عام 2011 الاعتقال التعسفي والاحتجاز والتعذيب وسوء المعاملة. وعزز أيضا إجراءات ضمان المحاكمة العادلة ووضع الأساس لتجريم التعذيب والاعتقال التعسفي والاحتجاز وتم توسيع تفويض المجلس الوطني لحقوق الإنسان للسماح بمزيد من المراقبة المسبقة والتحقيق والتدخل في حالات انتهاك الحريات المدنية.  ووضع ميثاق إصلاح النظام القضائي أهدافا للسياسات لتحسين إجراءات ضمان المحاكمات العادلة ومعاملة السجناء وتقييد استخدام الاعتقال قبل المحاكمة. وتم حظر محاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية في يناير كانون الثاني الماضي.

وتعد هذه الإصلاحات حديثة نسبيا ومازال نطاق التنفيذ غير واضح. وتم رصد الانتهاكات في المغرب في السنوات العديدة الماضية في تقرير حالة حقوق الإنسان في المغرب 2014 الذي تصدره وزارة الخارجية الأمريكية وتقرير الأمم المتحدة وتقرير الفريق العامل المعني بالاحتجاز التعسفي التابع للأمم المتحدة، وتقرير المقرر الخاص عن التعذيب وتقرير منظمة هيومان رايتس ووتش وتقرير منظمة العفو الدولية. فعلى سبيل المثال، أشارت وزارة الخارجية الأمريكية إلى استمرار ممارسة الاعتقال والاحتجاز التعسفي، والاستخدام المفرط للاحتجاز قبل المحاكمة وغالبا ما يتم ذلك لفترات أطول مما يسمح به القانون طوال عام 2014.

إن ضمان تغطية العقد الاجتماعي كامل نطاق الحريات المدنية هو أمر مهم لأسباب عديدة. فالحريات المدنية ينبغي احترامها باعتبارها مبدأ قانونيا. وقد ترسخت هذه الحريات في ظل القانون الدولي ويضمنها الدستور المغربي ومعاهدات حقوق الإنسان الدولية التي صدق عليها. وممارسة الحريات المدنية من جانب المواطنين وحمايتها من جانب الحكومات هو جزء لا يتجزأ من تعزيز الحكامة. ولذلك فإن انتهاك الحريات المدنية مع منح الحصانة للسلطات هو رادع قوي يمنع المواطن من ممارسة حقوقه كاملة.

وترتبط ممارسة الحريات المدنية أيضا برفاه المواطن وقوته. فسوء المعاملة من جانب أفراد الشرطة والمسؤولين في السجون يقوض هذه الرفاه بما في ذلك الصحة النفسية والعقلية، وتتأثر أسرة المحتجز أيضا. ويقوض الاحتجاز غير المبرر من ولاية المواطن، فالمحتجز يواجه قيودا شديدة على حريته في الاختيار وفي السيطرة على حياته. وقد يتجاوز هذا فترة الاحتجاز،  مثلا قدرته على الحصول على عمل أو التعليم.

ويفرض انتهاك الحريات المدنية تكلفة اقتصادية. فالاحتجاز الخاطئ يعزل المواطن عن عمله ويحد من الأصول المالية على مستوى الأسرة. ويمثل هذا وضعا خطيرا للغاية في المغرب، حيث أن معظم المحتجزين من الرجال كما أن مشاركة النساء في قوة العمل وخاصة المتزوجات منهن مازالت ضعيفة. ويمكن تجنب الكثير من هذه التكلفة. فإن معدل الاحتجاز قبل المحاكمة (لكل 100 ألف مواطن)، على سبيل المثال، في المغرب مقارب لما هو مسجل في بلدان مثل المكسيك والبرازيل وكولومبيا وبوليفيا والسلفادور وكلها بلدان تشهد معدلات مرتفعة كثيرا لجرائم القتل وغيرها من الجرائم العنيفة. ويثير هذا سؤالا عما إذا كان المغرب بحاجة إلى هذه المستويات المرتفعة من عمليات الاحتجاز قبل المحاكمة.

وأخيرا، فإن الفقراء يعانون على الأرجح بشكل غير متناسب من انتهاك الحريات المدنية. فالفقراء أكثر احتمالا للمشاركة في الجرائم والاحتكاك بالشرطة والسجون والمحاكم. ويتعرضون بشكل أعلى وتيرة للاحتجاز قبل المحاكمة لأنه ليس بوسعهم الحصول على مساعدة قانونية من المحامين ولا يمكنهم دفع رشا أو الكفالة للخروج، ويفتقرون للعلاقات الشخصية في النظام القضائي. ولا يمكنهم أيضا الاعتماد على نظام قضائي فعال لضمان الحصول على محام. ويمكن أن تدفع هذه التكلفة الاقتصادية الضعفاء منهم إلى دائرة الفقر أو تؤدي إلى تفاقم الأوضاع التي يعيشونها.  

أضف تعليقا جديدا