Syndicate content

العزف على قضية التمكين: مغنيات الراب من المغرب إلى غزة

Amina Semlali's picture
هذه المدونة متوفرة باللغات التالية: English | Français

"يا له من عبث! لكي أرى الأمور بوضوح كان علي أن أفقد إحدى عيناي،" هذا ما قالتهعلياء وهي تهز رأسها. ثم راحت زميلتي في الدراسة التي تتحلى بثقة بالنفس وبالشخصية الجذابة، تدس شعرها بعناية تحت حجابها. فسألتها: "هل تتشبهين بالمغني بوشويك بيل؟"،فابتسمت وقالت:"نعم!"

مغنية الراب شادية منصور تصوير: رضوان أدهميبدت سعيدة، وإن اعتراها الخجل حينما أدركت أنها تستشهد بكلام مغن من المدرسة القديمة للراب. لقد سحرتني قصة علياء والكلمات التي استخدمتها لكي تصف كم هي محظوظة بالمقارنة "بأخواتها" في المناطق الأفقر من المدينة. سألتها، "هل تستمعين إلى موسيقى الهيب هوب؟"وردت ضاحكة: "هل أستمع إلى الهوب هوب؟ أنا لا أستمع إليها فقط، بل إنني، لعلمك من أكثر الموهوبين في غناء الهيب هوب في القاهرة وإن كنت أقلهم شهرة. بل إن والدي أنفسهما لا يعرفان شيئا عن قدراتي الموسيقية."

فاتكأت إلى الخلف ورحت أستمع.

كان هذا عام 1993، حينما كنت طالبة في المدرسة الثانوية بالقاهرة في إطار برنامج التبادل الطلابي. وكانت تلك هي المرة الأولى التي أسمع فيها عن تنامي حركة الهيب هوب والراب خلسة في الشرق الأوسط- وهي حركة لعبت فيها فتيات عربيات دورا بارزا.

دعونا نعيد عقارب الساعة الى الوراء.

في أواخر سبعينيات القرن الماضي، كانت ساوث برونكس بنيويورك- المعروفة أيضا بأنها مسقط رأس موسيقى الهيب هوب- تئن تحت وطأة البطالة والتمييز العنصري. في الوقت نفسه، ساعدت حركة الحقوق المدنية على ترسيخ الشعور بالهوية لدى الأقليات والمجتمعات المحلية المهمشة. كما ساعدت على تشكيل حركة الهيب هوب وأنماطها الفكرية، مما مكن الشباب والشرائح المستضعفة ومنحها نافذة خلاقة تشرك من خلالها الجمهور في حكاياتها عن حياتها في مجاهل المدن، وعن شعورها بالإهمال أو تعرضها للاستغلال. 

وما لبثتالعديد من مناطق العالم أن اقتبست الأسلوب المثير للجدل الذي يميز الهيب هوب الأمريكي وطوعته لها، مما جعله يخضع لعملية إعادة ابتكار مستمرة مع كل ثقافة جديدة يمر بها. واليوم، في العالم العربي وفي كثير من بلدان العالم النامية، تأتي موسيقى الهيب هوب مرة أخرى لتعبر عن تمكين الفئات المستضعفة. وكما قالت مغنية الهيب هوب اللبنانية مالكة:"  "الهيب هوب العربي لم يعد مجرد ترفيه، إنه وسيلة ممكنة للتعبير بصراحة. إنه الدور الذي حان علينا لكي نعبر عما لدينا." وتضيف واحدة أخرى من مغنيات الهيب هوب قائلة: "إنني لا أكترث بالغناء بالراب عن الجواهر أو الشهرة أو المال. لكنني أغني بالراب عن الفقر الذي أراه، والبطالة التي تعاني منها المرأة والشباب. غايتي أن أبعث برسالة بالطريقة نفسها التي انتهجها أصحاب مدارس الراب القديمة."

القصة كما يروونها

أتاحت موسيقى الهيب هوب لبعض النساء العربيات أن يحكين القصة من وجهة نظرهن.ورغم أن مغنيي الراب، سواء كانوا ذكرا أم أنثى، يتناولون الظروف الاجتماعية والسياسية الخاصة به، فثمة موضوعات أكثر شيوعا بين الإناث من مغنيات الراب، منها: إحساس جديد بالهوية، ورفض السياسات الاجتماعية العقابية، وضعف مشاركة المرأة في سوق العمل.تقول مغنية الراب المغربية سلطانة، "أستطيع التحدث عن ذلك لأنني أشعر به.فالمرأة تفهم المرأة.ولدينا جيل كامل يمتلك الثقة والاستعداد لاعتلاء المسرح والغناء بأسلوب الراب عن هذه القضايا."وتتناول بعض مغنيات الراب الدور الذي تلعبه نساء الجيل القديم في إعادة فرض آراء عفا عليها الزمن على المرأة في سوق العمل. أحد هذه الأمثلة، اضطرار أحد الأزواج المتفهمين إلى الكذب على أمه بشأن مكان وجود زوجته التي تعمل خارج البيت.وهذه الأغاني تتجاوز الحدود الوطنية للبلدان ويتم ترديدها في مختلف أنحاء المنطقة.

وبعد سنوات من حديثي مع علياء، مازالت أصداء الرسائل التي حملتها هذه الأغاني تتردد في عملي مع فريق الحماية الاجتماعية في مكتب منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التابع للبنك الدولي. وبالطريقة نفسها التي يذكرنا بها مغنو الراب بما هو مهم، تساعدنا المشاورات المباشرة على مواصلة التركيز على القضايا التي تؤثر مباشرة في المرأة والشباب في المنطقة. والرسالة مدوية وواضحة: ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب والنساء.

ومع الإقرار بأن البطالة تؤثر في الرجال والنساء على السواء، يتفق الجميع على أنها مسألة ملحة أكثر بالنسبة للمرأة وللقادمين الجدد إلى سوق العمل – من كلا الجنسين. وخلال مشاوراتنا الأخيرة، أثيرت فكرتان أخريان: أن المرأة عادة ما تكتسب مهارات تلبي احتياجات القطاع العام (وهو نادرا ما يتيح لها فرصا للعمل بالقطاع الخاص)، وأن العالم العربي استثمر كثيرا في تعليم المرأة وقد حان الوقت لجني ثمار هذا الاستثمار.وكما أبلغتني إحدى نساء تونس، "نحتاج إلى مناقشة القيود العملية والثقافية التي تواجه مشاركة المرأة في سوق العمل،"- وهذا هو ما تفعله مغنيات الراب والهيب هوب منذ فترة.

ويحاول تقريرالبنك الدولي الرئيسي الذي صدر مؤخرا عن الوظائف في الشرقالأوسط وشمال أفريقيا معالجة هذه القيود.فيقترح سياسات يمكن أن تساعد على تقليص الحواجز التي تحول دون مشاركة المرأة في سوق العمل. فثمة حاجة لضمان حصول المرأة على الرعاية لأطفالها، ووسائل الانتقال إلى عملها، وظروف عمل آمنة، وزيادة قدرتها على بدء وإدارة أعمالها الخاصة (بما يتفق والأعراف الاجتماعية السائدة.) كل هذه نقاط انطلاق أساسية نحو تمكين المرأة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وكما قالتها إحدى مغنيات الهيب هوب في المنطقة:المزيد من الغناء، المزيد من الخيارات.

نرجو أن تنضموا إلى هذه المناقشة الافتراضية!

في خانة التعليقات التالية، نرجو أن تشاطرونا آراءكم عن هذه المدونة

وعن مشاركة المرأة في سوق العمل بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

شكرا لكم.

أضف تعليقا جديدا