Syndicate content

مفارقة التعليم العالي في منطقة الشرق الاوسط وشمال أفريقيا

Shanta Devarajan's picture
هذه المدونة متوفرة باللغات التالية: English | Français

نُشر هذا المقال لأول مرة في مدونة التنمية في المستقبل.

ملحوظة: هذه هي النسخة العربية من كلمتي الرئيسية التي ألقيتها مؤخرا في مؤتمر منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عن "تحولات جذرية في مفاهيم التعليم العالي" الذي عقد في الجزائر العاصمة يوم 30 مايو/أيار إلى 2 يونيو/حزيران.

Roof of the University of al-Karaouine in Fes, Morocco, which is the oldest continually operating university in the world - Patricia Hofmeester l Shutterstockلقد كانت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مهد التعليم العالي. حيث تحتضن الجامعات الثلاث الأقدم على مستوى العالم والتي مازالت تعمل في إيران والمغرب ومصر. حيث تواصل جامعة القرويين في مدينة فاس منح الدرجات العلمية منذ عام 859 ميلادي. و، بالإضافة إلى كون  مكتبة الإسكندرية القديمة مستودعا للكتب والمخطوطات، فإنها كانت أيضاً مركزا للتعليم في عهد البطالمة، حيث كانت مقصدا للعلماء الذين كانوا يسافرون إليها من جميع أنحاء بلدان البحر المتوسط وغيرها. وقد اكتشف علماء مثل ابن خلدون أساسيات الاقتصاد قبل آدم سميث وغيره بأربعة قرون..  وما يمكن إيجازه هنا أن كل من  قد استفاد من التعليم الجامعي في وقتنا الحاضر مدين بذلك لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

ومع ذلك، فإن جودة التعليم العالي اليوم في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أصبحت  في أدنى مستويات الجودة  على مستوى العالم. ولا توجد سوى جامعتين أو ثلاث جامعات عربية فقط ضمن قائمة أفضل 500 جامعة في العالم (ولا تحتل أي جامعة منها قائمة أفضل 200 جامعة). ويشكو أرباب العمل في المنطقة من أن خريجي الجامعات يفتقرون إلى المهارات اللازمة للعمل في السوق العالمية. والعديد منهم غير مدربين في مجال العلوم، والرياضيات، والهندسة، ومجالات فنية أخرى والتي تتوافر فيها فرص الحصول على الوظائف. علاوة على ذلك، فإن هؤلاء الخريجين يفتقرون إلى "المهارات الحياتية"، بما في ذلك روح الإبداع والعمل الجماعي، ويرجع السبب في ذلك جزئيا إلى أن تدريبهم يركز على أسلوب التعليم بالتلقين والحفظ.

وفي مصر، رغم أن معدل البطالة يفوق نسبة 10% ، فإن هناك حوالي 600 ألف وظيفة لا تزال شاغرة. وهناك نحو 40% من خريجي الجامعات عاطلون عن العمل في المنطقة؛ ولا تزال مشاركة المرأة في سوق العمل هي الأدنى في العالم  رغم أن الكثير منهن  يتمتع بمستوى تعليمي أفضل من  الرجال،. والأسوأ من ذلك هو أن الجماعات المتطرفة قد استفادت من الجامعات كأحد مصادر التجنيد.

كيف حدث ذلك؟ كيف يمكن للمنطقة نفسها التي كانت مهدا للتعليم العالي أن  تنتج نظاما معطوبا لا يعمل بل ويسهم في زيادة المشاكل التي تواجهها المنطقة بدلا من التخفيف منها؟ وكيف يمكن تغيير هذا الوضع، بحيث  تتمكن هذه الجامعات من أن تصبح مرة أخرى الأفضل في العالم؟

يمكننا أن نبدأ بالبحث عن الأسباب التي أدت إلى المشاكل الراهنة في المنطقة. يتعين أن نكون على يقين من أن أسباب ارتفاع معدل البطالة بين خريجي الجامعات  له جوانب متعددة، وترتبط كثيرا بمناخ الاستثمار و(عدم) نمو القطاع الخاص. إلا أن هناك قاسما مشتركا بين جميع البلدان في المنطقة: وهو أن معظم خريجي الجامعات حصلوا على وظائف في القطاع العام. لقد كانت الدولة هي الملاذ الأول والأخير فيما يتعلق بالتوظيف.

وكان لهذا القاسم المشترك تأثير على جودة التعليم الجامعي:

1. لم يكن موضوع التخصص مهما بالقدر المناسب في القطاع العام، ومن ثم فإن الطلاب لم يختاروا دراسة العلوم والهندسة؛ واختاروا مواضيع "أسهل" نوعا ما مثل الأدب والتاريخ.
2. القطاع العام لم يكن يتطلب مهارات.
3. كانت طبيعة المناهج الدراسية، بتركيزها على أسلوب الحفظ، وتكرار ما يقوله الأستاذ دون طرح أسئلة أو مناقشة، مقبولة لدى القطاع العام - ولكنها لم تساعد القطاع الخاص، الذي كان يبحث عن عقول مبدعة تخترع وتتوصل إلى أفكار رائعة مثل شركة أوبر على سبيل المثال. وقد يكون هذا المنهج الدراسي قد سهل وخدم الجماعات الراديكالية لتستقطب و تجند الطلاب.

والسبب الثاني، الأكثر إثارة للجدل، له علاقة برسوم وتكلفة التعليم الجامعي. كانت جميع الجامعات تقريبا توفر التعليم مجانا، على أساس فكرة أن الفقراء يجب أن يحصلوا على التعليم العالي باعتباره وسيلة للهروب من الفقر. وللأسف، كانت النتيجة أن الغالبية العظمى من الطلاب في الجامعات تأتي من أغنى فئات السكان. وهذا النمط ليس مقصورا على منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا فحسب: فهو موجود في آسيا وأفريقيا. والسبب له علاقة بالاقتصاد. عندما يتم توفير شيء بالمجان، يشتد الطلب عليه. وقد قابلت الجامعات الطلب الزائد بإلزام الطلاب باجتياز امتحان قبول. الأغنياء يستطيعون إرسال أطفالهم إلى أفضل المدارس الثانوية لإعدادهم لاجتياز امتحان القبول. ونتيجة لذلك، فإن الجامعات مليئة بالطلاب من أغنى طبقات المجتمع. والوسيلة الأخرى هي أن يحقق التعليم المجاني دخلا كبيرا ممن يلتحقون به. والأغنياء في وضع أفضل من الفقراء لكي يستفيدوا من ذلك.

في الواقع، إن المشكلة  ازدادت سوءاً لأن التعليم المجاني يعطي حوافز ضعيفة لتحسين جودة التعليم الجامعي. والجامعة ليس أمامها سوى القليل لتكسبه من خلال الاستثمار في تحسين المناهج الدراسية (حيث إن قبول المزيد من الطلاب لا يعني تحقيق المزيد من العائدات). وفي الوقت نفسه، فإن الطلاب لا يطالبون بتحسين مستوى الجودة في التعليم بنفس الإلحاح عندما يكونوا يدفعون مقابل تعليمهم ويريدون أن يستعيدوا استثماراتهم. وتجربة جامعة تريبهوفان في نيبال مفيدة. فعندما بدأوا في فرض رسوم دراسية في معهد الهندسة لديهم، تحسنت جودة التعليم كثيرا لدرجة أن المعهد بدأ يجتذب طلابا من جميع أنحاء جنوب آسيا. علاوة على ذلك، فقد اتسع نطاق الإصلاحات إلى باقي قطاع التعليم العالي في البلاد.

لا شك إن مجرد فرض رسوم على التعليم العالي لن يحل مشاكل الجامعات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ويرجع ذلك إلى سبب واحد، وهو أن الفقراء ينبغي أن يكونوا قادرين على تحمل مصاريف التعليم العالي، ولكن يتعين تحقيق ذلك عن طريق توفير منح دراسية لمن يثبت احتياجهم إليها، بدلا من تقديم إعانة مالية للجميع، حيث أن الأغنياء، كما لاحظنا، يمكنهم الاستفادة من هذا النظام . والسبب الآخر، هو ضرورة إدارة عملية التحول لأن مثل هذه التغييرات من المرجح أن تثير رد فعل سياسي. ومع ذلك، فإن المبدأ يجب أن يكون إعطاء حوافز للجامعات للاستثمار في زيادة جودة التعليم، والطلاب يجب أن تكون لديهم حوافز للمطالبة بتعليم عالي الجودة.

اذا استطعنا أن نحقق هذين التغييرين - تغيير يركز  على التعليم العالي بعيدا عن وظائف القطاع العام ونظام للتمويل يوازن بين الحوافز والجودة – يمكننا أن نقطع شوطا طويلا نحو استعادة احترام وهيبة التعليم العالي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وكما ذكرت في البداية - فإن العالم كله يدين بالفضل لهذه المنطقة لأنها هي التي أرست أصول التعليم الجامعي ورعته قبل ألف عام مضى.و لقد حان الوقت لسداد هذا الدين.

أضف تعليقا جديدا