Syndicate content

الجزء 2: قصة "غاز البوتاجاز" في مصر

Vladislav Vucetic's picture
هذه المدونة متوفرة باللغات التالية: English

ناقشت في مدونتي السابقة أسباب "أزمة البوتاجاز" في مصر.ودفعت بأن السبب الأساسي هو الدعم العشوائي لاستهلاك الوقود من خلال التسعير بأقل من التكلفة. وكان المستفيد الأكبر من ذلك هو الأثرياء مما أدى إلى الإفراط في الاستهلاك وإلى استثمارات غير اقتصادية وإلى تكاليف مالية هائلة وغير مستدامة (أشارت بعض التقارير إلى أنها تجاوزت 130 مليار جنيه مصري - أو أكثر من 21 مليار دولار- للسنة المالية القادمة)، وإلى إشراف موردي الوقود على الإفلاس، وإلى نقص في إمدادات الوقود. ودفعت بأن هذه السياسة لم تكن عادلة اجتماعيا ولا سليمة اقتصاديا. وسألت ما هي أفضل السبل لتحسين الحماية الاجتماعية وأيضا تحقيق استهلاك أكثر كفاءة وتوفير وقود ميسور التكلفة في مصر اليوم؟ 
وللإجابة على هذا السؤال، ربما يبدأ المرء بالبحث عن المفتاح في سلوكيات الناس. فعندما يحصلون على أسطوانة بوتاجاز، يعمد الكثير من المصريين، خاصة الفقراء، إلى بيعها في السوق الثانوية (السوداء). هذا لا يعني أنهم ليسوا بحاجة إلى البوتاجاز، لكنهم بالأحرى في حاجة أشد إلى شيء آخر- وهو المال. ومن المفهوم تماما أنهم يبيعون البوتاجاز للحصول على النقد لشراء ما هو أهم لهم في الوقت الحالي.

لماذا إذن لا تقدم الحكومة المال  للأسر المحتاجة، بدلا من الغاز الرخيص؟ ويمكن أن تكون المبالغ النقدية مساوية للتكلفة الكلية للبوتاجاز المطلوب للطهي وتسخين المياه، مثلا، اسطوانتين في الشهر. وسيصل هذا المبلغ إلى حوالي 130 جنيها بأسعار اليوم - وهو أكثر من سعر اسطوانتين في السوق السوداء.ثم يمكن للأسر بعد ذلك أن تقرر كيف تنفق هذا المبلغ. ربما يشتري البعض بالفعل اسطوانتين من البوتاجاز، إلا أن البعض ربما ينفق هذا المال بطريقة مختلفة - على سبيل المثال ينفق جزءا منه على شراء اسطوانة بوتاجاز والجزء الآخر على وسائل المواصلات لمساعدة أحد أفراد الأسرة على الذهاب إلى المدرسة أو العثور على وظيفة في جانب آخر من المدينة. وسيتم بيع البوتاجاز إلى الجميع بسعر التكلفة الكاملة. وستختفي السوق السوداء ومن ثم الإفراط في الاستهلاك والإهدار. فالجميع سيستفيدون:الأسرة التي تتلقى الدعم ستحصل على المزيد من المال، وموردو البوتاجاز سيغطون تكلفتهم وسيكونون في وضع يمكنهم من الاستمرار في توريد الوقود، وستستخدم المزيد من أموال دافعي الضرائب لتوفير احتياجات أخرى- من الوظائف إلى الصحة والتعليم والنقل العام. وهذا يعني أن الجميع سيستفيدون، فيما عدا فئتين تتمتعان بعلاقات مع كبار المسؤولين وبالنفوذ وهما: الوسطاء الذين يسيطرون على السوق السوداء، والأسر مرتفعة الدخل التي لا تستحق الدعم النقدي.

ربما يكون هذا جزءا من الأسباب التي تجعل من تغيير السياسة الحالية لدعم الوقود صعبة.  ولتوضيح هذه النقطة، يمكن أن نفترض أن الوسيط في السوق السوداء يحصل على 10 جنيهات في اسطوانة البوتاجاز – أي سدس تكلفتها الإجمالية - وأن ربع اسطوانات البوتاجاز فقط تباع في السوق السوداء. هذا يعني أن حوالي 900 مليون جنيه (150 مليون دولار) يحصدها وسطاء بيع البوتاجاز سنويا! وبوضوح، ليس لهم مصلحة في اختفاء السوق السوداء وليس لما يبدونه من مقاومة أي علاقة بتحسين الحماية الاجتماعية.

انتهى برنامج المساعدة على إدارة قطاع الطاقة/ دراسة للبنك الدولي، الذي أشرت إليه في مدونتي السابقة، إلى أن الانتقال من الدعم غير الموجه القائم على التسعير المنخفض للوقود إلى الدعم النقدي الموجه على أساس الدخل سيؤدي إلى وفرة كبيرة في ميزانية الحكومة حتى لو قدمت الدعم ليس فقط للفقراء بل أيضا للأسر متوسطة ومنخفضة الدخل. ويمكن أن يتم خفض المبلغ النقدي تدريجيا للفئات الأعلى دخلا. ويمكن أن يتم ربط الدعم بأسعار البوتاجاز حتى لا يفقد قيمته الحقيقية مع التضخم. هذا التصور يمكن بالطبع أن يمتد أيضا إلى أنواع أخرى من الوقود. فعلى سبيل المثال، لماذا يستفيد السياح وملاك الفيلات أو الأنشطة التجارية والصناعات المربحة للغاية من البنزين والديزل المدعوم؟ وكما هو مذكور آنفا، يمكن أن تستخدم الوفورات الناجمة عن ذلك في الميزانية، والتي تقدر بعشرات المليارات من الجنيهات، لخلق الوظائف وتحسين الصحة والتعليم والنقل العام وبرامج أخرى لها فوائد اجتماعية واقتصادية أكبر.

حل آخر، أكثر بساطة كبداية رغم أنه ليس بنفس جودة الدعم النقدي، قد يكون نظام الكوبونات.  فستحصل الأسر المستحقة - أو مبدئيا الكل، حتى يتم وضع المعايير الملائمة وإرساء نظام إداري - على كوبونات بعدد معين من اسطوانات البوتاجاز وأنواع أخرى من الوقود بأسعار مخفضة. وماعدا هذه الكوبونات- وهي الكميات التي يشملها الدعم والتي تتحمل الميزانية الحكومية جزءا منها— فإن الوقود سيباع بأسعار أعلى ومن ثم بسعر السوق كاملا.

ويمكن أن يكون هناك عدد من التنويعات لهذه الأنظمة وكذلك تحديات تواجه تطبيقها، كالاتفاق على من يستحق الدعم، وإرساء نظام إداري ملائم يضمن تغطية كل المحتاجين، وعدم الاحتيال على هذا النظام. ويشكل إصلاح نظام الدعم للوقود مسألة سياسية حساسة تثير غضب الناس سريعا وتخرجهم إلى الشارع إذا لم يتم إحكام تصميم النظام - لاسيما إذا كانت العملية السياسية ناقصة والتواصل بين الحكومة والناس مقطوع.  ومع هذا، فمن الممكن على وجه اليقين أن يظهر نظام أفضل من الحالي، حسبما أثبت عدد من البلدان الأخرى.

فالأفكار والخيارات اللازمة لإتاحة الطاقة بأسعار في متناول اليد، مع حماية اجتماعية أفضل وتكلفة أقل للمالية العامة، ليست قاصرة على إصلاح أنظمة الدعم فقط. والبوتاجاز هو وقود جيد للطهي والتدفئة - إذ أنه يتسم بالنظافة والكفاءة - إلا أنه ليس الوقود الوحيد من هذا النوع وليس هو الأفضل دائما، خاصة عندما لا تمثل إمكانية النقل اعتبارا مهما. ويمكن أن يكون البوتاجاز خطيرا للغاية إذا أسيء التعامل معه فضلا عن أنه مكلف حيث تصل التكلفة في الوقت الحالي إلى أكثر من 100 جنيه لكل مليون وحدة حرارية بريطانية (الاسطوانة التي تزن 12.5 كجم بها نحو 0.6 مليون وحدة حرارية بريطانية)، أي أكبر بما يتراوح بين ثلاثة إلى أربعة أمثال الغاز الطبيعي. وقد أظهرت دراسة للبنك الدولي أجريت منذ سنوات عديدة استعدادا لتنفيذ مشروع توصيل الغاز في مصر أن مد شبكة الغاز الطبيعي، خاصة في المناطق الأكثر تكدسا بالسكان، كان أقل تكلفة من استخدام البوتاجاز. والعوامل الاقتصادية أقوى في الوقت الحالي بعد أن زادت أسعار البوتاجاز بدرجة كبيرة منذ ذلك الحين.

فسخانات المياه التي تعمل بالطاقة الشمسية والمقامة على الأسطح لا تحتاج إلى وقود، وهي مصممة بشكل جيد خاصة للمنازل الفردية أو للعمارات السكنية الأصغر حجما والتي تنتشر في المناطق الريفية وشبه الحضرية في مصر ومن ثم فهي تكمل بشكل جيد توزيع الغاز الطبيعي. لكن استخدام سخانات المياه الشمسية لا يحظى بالتشجيع رغم فوائده في مصر التي تتمتع بوفرة شمسها الساطعة. حتى الكهرباء، بوفرتها على نطاق واسع، ربما تنافس البوتاجاز اقتصاديا لأغراض الطهي والتدفئة. ويمكن للحكومة أن تطرح سياسات تساعد الناس على شراء أفران للطهي تعمل بالكهرباء والغاز معا. هناك العديد من الفرص الأخرى لترشيد الطاقة من استخدام مصابيح الإنارة الفلورسنت المضغوطة والأكثر كفاءة في استهلاك الطاقة، إلى أجهزة تكييف أفضل، فالعمليات الصناعية الأقل استخداما للطاقة، وتحويل مصانع الطوب إلى العمل بالغاز الطبيعي أو المركبات إلى العمل بالغاز الطبيعي المضغوط ، وإضافة المزيد من محطات الغاز الطبيعي المضغوط. لكن لم يتم عمل الكثير على هذه الأصعدة في مصر.

ومستقبل قطاع الطاقة في مصر مشرق، لكنه سيحتاج إلى جهود حثيثة لتصحيح مواطن الخلل التي تقوض إمكانياته. وتمضي مصر في التحرر من الماضي بطرق عديدة، وينبغي أن تكون سياساتها بشأن الطاقة جزءا من التغيير إذا كان لها أن تبني قاعدة قوية لنمو اقتصادي أسرع وأكثر ديمومة وإنصافا. وثمة خبرات جمة من بلدان عديدة يمكن التعويل عليها، وإن كانت مصر ستحتاج إلى إيجاد حل يناسب ظروفها الخاصة.  وربما تستغرق وقتا للانتقال إلى نظام أفضل نظرا لعمق جذور الممارسات الحالية، لكن لم يبق من الوقت الكثير لتضييعه قبل اتخاذ الخطوات الأولى.   

وقد أشرت إلى عدد من الأفكار إلا أن هناك فكرة أخرى، ربما تكون الأهم ألا وهي: ينبغي على الحكومة أن تفتح قطاع الطاقة وأداءه الفني والمالي للفحص من قبل الجمهور العام. وهذا من شأنه أن يعزز الثقة بين القطاع والحكومة والجمهور، ويرسي أساسا أكثر متانة لمناقشة وإصلاح سياسات الطاقة والبرامج الاجتماعية بطريقة تفهم جيدا وتحظى بالقبول اجتماعيا. 

أضف تعليقا جديدا