Syndicate content

ثورة بيانات صامتة في العالم العربي

Paolo Verme's picture
هذه المدونة متوفرة باللغات التالية: English | Français

شيء جديد ومهم يحدث في العالم العربي، ولكنه لم يكن ملحوظا إلى حد كبير حتى الآن. فمنذ بداية ثورات 2011، بدأت الأجهزة والمؤسسات الإحصائية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تتيح الوصول إلى بياناتها الخام، ولا تتيح الاطلاع عليها لأفراد ومؤسسات مختارة فحسب بل للجمهور كله أيضا. ويُعدُّ هذا ثورة ثقافية لها انعكاسات وآثار مثيرة واسعة النطاق.

ثورة بيانات صامتة في العالم العربي وتتولَّى الأجهزة الوطنية للإحصاءات في شتَّى أنحاء العالم مهمة جمع البيانات لتحديد الإحصاءات الاجتماعية المهمة في أمور مثل الفقر والبطالة والرعاية الصحية والتعليم. وبعض هذه الإحصاءات تُستخرَج من بيانات تجمعها إدارات حكومية مثل وزارة الصحة أو وزارة التعليم، والبعض الآخر يتم إعداده من خلال استطلاعات أسرية أو فردية تجريها الأجهزة الإحصائية. ويصدق هذا مثلا على الإحصاءات الخاصة بالفقر أو البطالة التي يتم تجميعها باستخدام المسوح الاستقصائية للأسرة عن الدخل والاستهلاك ومسوح قوة العمل. وتعتمد هذه المسوح الأخيرة على استبيانات يجريها محاورون مدربون على المستوى الأسري وتجمع معلومات خاصة عن الدخل أو الاستهلاك أو العمل. وهذا النوع من البيانات التفصيلية ذو قيمة كبيرة للبحوث، وتتيح الأجهزة الإحصائية في أنحاء العالم عادة للباحثين الحصول على بيانات على المستوى الفردي والأسري (اختصارا بيانات جزئية)، ولكن مع إزالة بعض عناصر التعريف مثل الأسماء والعناوين الخاصة بالأسر والأفراد الذين أجريت مقابلات معهم. وهي ممارسة قياسية معتادة تتيح للباحثين إنجاز مجموعة واسعة من الدراسات التي تثري المناقشات العامة، وتلتزم في الوقت نفسه بقوانين الخصوصية وحماية البيانات.

وقد ظلت الأجهزة الإحصائية في العالم العربي أمدا طويلا تمتنع عن السماح بالحصول على السجلات الفردية أو الأسرية لمن يطلبها، إلا في استثناءات قليلة. وكان هذا الرفض يستند في العادة إلى حجة أن المعلومات الخاصة والحساسة لا يجوز إطلاع الجمهور عليها. ولم يكن العالم العربي فريدا في هذه الممارسة. فالعديد من الأجهزة الإحصائية على مستوى العالم في بلدان غنية وفقيرة ترفض السماح بالحصول على البيانات الجزئية متذرعة في العادة بقوانين الخصوصية وحماية البيانات. وفي حالات معينة، قد يكون التشريع عائقا يحول دون الاطلاع على البيانات الجزئية ولكن في معظم الحالات يستند الرفض إلى الخوف، الخوف من أن يُساء استخدام البيانات، أو الخوف من أن يكتشف أحد أخطاء في الإحصاءات الرسمية المنشورة، أو الخوف من الإفصاح للجمهور عن معلومات قد تحرج الحكومة. وهناك استثناءان بارزان من هذا الاتجاه السائد في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهما بلدان معروفان بهشاشة الأوضاع فيهما أكثر مما يشتهران بالانفتاح والشفافية. ولعل الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني هو أول جهاز إحصائي في المنطقة يتيح للجمهور الاطلاع على البيانات الجزئية حتى قبل ثورات الربيع العربي، وكان الجهاز المركزي للإحصاء وتكنولوجيا المعلومات في العراق يسمح بالاطلاع على بيانات مسوحه الاستقصائية للأسر عن الدخل والاستهلاك للفترة 2006-2007 من خلال أحد مستودعات بيانات البنك الدولي.

ومع نشوب ثورات الربيع العربي، بدأت تتغير المواقف إزاء فتح البيانات في بعض بلدان المنطقة. فالمعهد الوطني للإحصاء في تونس يقوم الآن بنشر بيانات مسوحه الاستقصائية للأسر عن الدخل والاستهلاك ومسوحه عن قوة العمل في موقعه الإلكتروني على شبكة الإنترنت ليصبح أول جهاز إحصائي في المنطقة يتيح الاطلاع على البيانات بمثل هذه الطريقة الشاملة. ووافق الجهاز المركزي للإحصاء في اليمن بموجب قرار جمهوري في يوليو/تموز 2012 على السماح للجمهور بالاطلاع الكامل على البيانات. وينشر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر بالفعل في موقعه على شبكة الإنترنت 50 في المائة من السجلات الفردية للمسوح الاستقصائية للدخل والاستهلاك خروجا على ممارسته السابقة التي كانت يتيح فيها الاطلاع على 25 في المائة من البيانات فحسب وعلى أساس كل حالة على حدة. وبدأت مديرية الإحصاء في المغرب منذ عام 2011 تتيح الاطلاع على البيانات لمختلف المنظمات على أساس اتفاقات ثنائية. وسمحت بلدان مثل ليبيا وجيبوتي والأردن بالاطلاع المقيد على البيانات الجزئية لأفراد ومنظمات مختارة من خلال شفافية غير معهودة لكنها أبقت على العديد من القيود. وأقل ما يقال عن هذه التغييرات إنها ثورة إذا ما قورنت بالقيود الشاملة على الوصول إلى البيانات التي كانت قائمة قبل عامين فحسب.

لكن أكبر مفاجأة لكثير من المراقبين هي أن المخاوف القديمة المرتبطة بزيادة الانفتاح والشفافية لم تتحقق. وكشفت الاختبارات الأولى التي أجراها البنك الدولي على البيانات التي أصبحت متاحة حديثا أن كثيرا من هذه البيانات الجزئية ذات نوعية جيدة،

وأنه لم يجر استغلالها، وتضاهي المعايير العالمية في هذا الشأن. وجمعت دراسة أجريت في الآونة الأخيرة [1] بيانات من المسوح الاستقصائية للأسر عن الدخل والاستهلاك ومسوح قوة العمل لإعداد إحصاءات فصلية عن الفقر في المغرب. وتبيَّن أن جودة بيانات هذه المسوح في المغرب عالية وتتيح وضع إحصاءات تتسم بدرجة كبيرة من الاتساق وإمكانية التعويل عليها. وأظهرت دراسة أخرى عن عدم المساواة في مصر [2] استخدمت 4 مجموعات من المسوح الاستقصائية للأسر في مصر أن هذه البيانات ذات جودة عالية إذا ما قورنت بمئات المسوح المتاحة في مستودع البنك الدولي. وتظهر دراسة عن الدعم استخدمت المسوح الاستقصائية للأسر في تونس أن البيانات التونسية ذات نوعية جيدة [3] وتبيَّن أن معدل الفقر البالغ 4 في المائة والذي تعرَّض للكثير من النقد والتشكيك وكانت تنشره تونس قبل الثورة كان محور إشكاليته هو أين تم تحديد خط الفقر وليس التلاعب في البيانات من جانب القائمين على جهاز الإحصاء. وتظهر هذه المبادرات الجديدة للانفتاح والشفافية أن البيانات التي تخرجها الأجهزة الإحصائية في العالم العربي ذات نوعية جيدة . وفي الواقع، فإن فتح البيانات يزيل المخاوف القديمة للمؤسسات الحكومية ويزيد الثقة في المؤسسات الحكومية من جانب المواطنين ومستخدمي البيانات. إنه وضع يعود بالنفع على الجميع.

ولهذا الانفتاح الجديد آثار وانعكاسات واسعة النطاق. فحرية الوصول إلى البيانات الجزئية ستتيح للجامعات المحلية والمنظمات غير الحكومية والمؤسسات البحثية الوصول إلى هذه البيانات الحيوية واستخدامها لأغراض البحوث. وستنمو التحليلات والتقارير المُعدَّة محليا بشكل مطرد كما يتضح في بلدان بدأت فيها بالفعل هذه العملية. وسيكون بمقدور المنظمات الدولية الوصول إلى هذه البيانات واستخدامها في وضع تحليلات تخص بلدانا معينة أو تحليلات مقارنة فيما بين البلدان، وكذلك أي باحث في العالم له اهتمام بالمنطقة. وسيكون هناك نمو غير مسبوق للبحوث الخاصة بالمنطقة التي ستتاح للجمهور بوجه عام. ويصبح من الممكن مقارنة النتائج فيما بين الدراسات وحفز مناقشات مفعمة بالحيوية في قضايا مثل البطالة والفقر والنمو على أساس شواهد وأدلة قوية. وستشجع هذه العملية على ظهور باحثين جدد من المنطقة وتتيح لهؤلاء الباحثين النمو بسرعة والمساهمة في إثراء السياسات. وستتيح هذه العملية للصحفيين أيضا مجموعة واسعة من الدراسات والشواهد الواقعية التي يمكن أن يستندوا إليها في تقاريرهم. هذه هي ثورة البيانات التي تُبشِّر بمقدم ربيع العقل العربي وستهيئ الظروف لمناقشات تستند إلى الحقائق بشأن القضايا الرئيسية التي يواجهها العالم العربي.

[1] دوديتش وآخرون (2013). "تقدير معدلات الفقر الفصلية باستخدام مسوح قوة العمل: دراسة" ورقة عمل أبحاث سياسات التنمية للبنك الدولي رقم 6466.

[2] هلاسني وفيرمي (2013). "الدخل الأعلى وقياس التباينات في مصر".

[3] البنك الدولي (2013). تقييم دعم الطاقة وحماية المجتمع في تونس، دراسة غير مطبوعة.

أضف تعليقا جديدا