Syndicate content

الوظائف أو الامتيازات

Marc Schiffbauer's picture
هذه المدونة متوفرة باللغات التالية: English

إطلاق العنان لخلق فرص العمل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

 
ثمة خيار أمام غالبية من هم في سن العمل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: إما الانضمام إلى صفوف البطالة أو العمل في أنشطة ضعيفة الإنتاجية وتكفي بالكاد احتياجاتهم، وغالباً ما تكون في الاقتصاد غير الرسمي (الموازي). وبوجه خاص، فإن نسبة العاملين في القطاع الرسمي في المنطقة ممن هم في سن العمل لا تتجاوز 19 في المائة.
 
ويتمثل السبب الرئيسي لذلك في أن القطاع الخاص لا يهيئ فرص عمل كافية. وتبلغ نسبة فرص العمل في الشركات متناهية الصغر التي تعمل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ما بين 42 إلى 72 في المائة من إجمالي الوظائف، غير أن هذه الشركات لا تنمو. ففي تونس، نجد أن احتمال نمو شركة ما متناهية الصغر بما يتجاوز 10 موظفين بعد 5 سنوات من تأسيسها تبلغ 3 في المائة.
 


فلماذا يتسم دور القطاع الخاص في خلق فرص العمل بالضعف الشديد؟ 
 
على ضوء معدلات النمو التي لا يصحبها خلق  فرص العمل في المنطقة، ربما يخامرنا الشك أن محددات توفير فرص العمل مختلفة في هذه المنطقة. إنها ليست كذلك! فالشركات التي توفر معظم فرص العمل في المنطقة هي نفس نوعية الشركات المناطق الأخرى الأسرع نمواً.
 

  1. تتوفر معظم فرص العمل من خلال أنشطة الأعمال الجديدة. وقد وفرت أنشطة الأعمال الجديدة متناهية الصغر 92 في المائة من إجمالي صافي فرص العمل في تونس في السنوات ما بين 1996 و 2010، و177 في المائة من إجمالي فرص العمل في لبنان في السنوات ما بين 2005 و2010.
  2. توفر الشركات الأكثر إنتاجية فرص عمل أكثر. والشركات ذات الإنتاجية الأعلى في البداية توفر المزيد من فرص العمل في السنوات الخمس التالية في جميع البلدان في المنطقة التي تتوفر بيانات بشأنها.
 
والمشكلة هي أنه لا توجد أنشطة أعمال جديدة كافية، وقد كان نمو الإنتاجية ضعيفاً. على سبيل المثال، بالنسبة لكل 10 آلاف شخص في سن العمل، لا يتم إنشاء سوى 6 شركات جديدة ذات مسؤولية محدودة سنوياً في بلدان المنطقة مقارنة بمتوسط يبلغ 26 شركة جديدة في جميع البلدان النامية على مستوى العالم. وعلاوة على ذلك، لا تشهد الشركات في مصر وتونس أية زيادة تذكر في إنتاجيتها في أول 35 سنة بعد دخولها السوق، بينما الشركات في المكسيك أو الهند أو تركيا تزيد إنتاجيتها بواقع مثلي أو 3 أمثال خلال الفترة الزمنية نفسها.
 
وبالتالي، لماذا هذا التباطؤ في نمو أنشطة الأعمال الجديدة ومستويات الإنتاجية؟

يبين تقرير  الوظائف أو الامتيازات أن السبب هو السياسات التي تحابي عدداً قليلاً من الشركات المهيمنة من خلال حمايتها من المنافسة. ونورد في هذا الشأن أربعة أمثلة على السياسات التي تخنق المنافسة العادلة في المنطقة:
 
  1. تُعتبر القيود المفروضة على دخول الشركات الأجنبية قطاعات الخدمات الأعلى على مستوى العالم. ومن شأن التخلص من القيود على الاستثمارات الأجنبية المباشرة في قطاع الخدمات في الأردن أن يوفر المزيد من فرص العمل في شركات الخدمات المحلية: ستؤدي زيادة قدرها واحد في المائة في نصيب الصناعة في توفير فرص العمل في شركات الخدمات الأجنبية إلى زيادة نمو فرص العمل والتوظيف بين شركات الخدمات المحلية بنسبة نقطة مئوية واحدة على مدى فترة خمس سنوات.
  2. تؤدي الإجراءات الروتينية الحكومية في المغرب إلى الحد من فرص العمل. وتؤدي المعاملة غير العادلة والتي لا يمكن التنبؤ بها من جانب مأموريات الضرائب، وكذلك الفساد والمعوقات في الجهاز القضائي، وارتفاع تكاليف التمويل إلى الحد من نمو أنشطة الأعمال الجديدة التي تعتبر قاطرة توفير فرص العمل.
  3. يؤدي دعم الطاقة السخي في مصر إلى تقويض المنافسة، ويجعل توفير فرص العمل أمراً مكلفاً. ونتيجة لذلك، فعلى الرغم من تدني الأجور في مصر مقارنة بتركيا، فإن شركات الصناعات التحويلية كثيفة الاستخدام للأيدي العاملة في مصر توظف عدداً أقل بواقع 320 ألف عامل.
  4. يؤدي تنفيذ السياسات على نحو تمييزي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى عدم تكافؤ الفرص ومن ثم الحد من المنافسة فيما بين الشركات. فعلى سبيل المثال، تقل أعمال الفحص والتفتيش الضريبي من جانب المسؤولين الحكوميين على الشركات ذات الصلات السياسية العميقة في مصر.

وباعتبار أن مثل هذه السياسات تجعل توفير فرص العمل أمراً مكلفاً، إذاً لماذا لا تزال مطبقة؟


وغالبا ما يهيمن عدد قليل من الشركات التي لها علاقات وصلات سياسية على السياسات في هذه المنطقة، وهو ما يخلق مزايا ومحاباة ولا يعمل على توفير فرص عمل. وعلى الرغم من أن هذه المشكلة على نطاق المنطقة بأسرها، فإن محور تركيزنا سيكون حول مصر وتونس. ففي هذين البلدين، نجد الشركات التي لها صلات سياسية يقوم على إدارتها أو يمتلكها رجال أعمال إما يسيطرون على مناصب سياسية عليا في الحكومة أو الحزب الحاكم، أو تمت مصادرة أصولها في 2011 نظراً لأنها كانت مملوكة للأسرة الحاكمة (السابقة).
 
ويجد تقرير الوظائف أو الامتيازات أن أنشطة 469 شركة من الشركات التي لها صلات سياسية في مصر، و215 شركة لها صلات سياسية في تونس منتشرة في جميع القطاعات الاقتصادية. وهذه القطاعات هي التي حصلت على مزايا سياسية سخية.
 
فعلى سبيل المثال، نجد أن 45 في المائة من هذه الشركات في مصر تعمل في صناعات كثيفة استهلاك الطاقة مقارنة بما يبلغ 8 في المائة فقط في جميع شركات الصناعات التحويلية. ويؤدي دعم الطاقة إلى تحقيق امتيازات ومحاباة وليس فرص عمل!
 
وعلاوة على ذلك، نجد أن 43 في المائة من القطاعات التي بها على الأقل شركة واحدة لها صلات في تونس محمية من دخول شركات أجنبية في قطاعات الخدمات مقارنة بما يبلغ 14 في المائة فقط من القطاعات التي ليست لديها صلات.


وعندما بدأت الحكومة المصرية في تخفيض التعرفة الجمركية، زادت الحواجز الفنية غير الجمركية أمام الواردات. ولم تُفرض هذه الحواجز والمعوقات بصورة عشوائية: 71 في المائة من الشركات التي لها صلات سياسية، ولكن فقط نسبة لا تتعدى 4 في المائة من جميع الشركات تبيع سلعاً وبضائع محمية من المنافسة الأجنبية من خلال فرض حواجز غير جمركية (مجلة الإيكونوميست: أصدقاء في مناصب رفيعة).


 وتؤدي الامتيازات والمحاباة إلى إعاقة الآليات الديناميكية لدى الشركات المرتبطة بتوفير فرص العمل. ففي مصر، هناك عدد قليل من مؤسسات الأعمال الجديدة في القطاعات التي تهيمن عليها الشركات ذات الصلات السياسية، وذلك على الرغم من المزايا والامتيازات السخية في هذه القطاعات. وخلاصة القول إنه عندما تدخل شركة ذات صلات سياسية قطاعاً ليس به صلات، يتراجع نمو فرص العمل بنسبة 1.4 نقطة مئوية سنوياً.

فإلى أين نتجه من هنا؟
الإجابة البسيطة هي: إصلاح السياسات التي تحابي عدداً قليلاً من الشركات التي لها صلات سياسية على حساب ملايين العمال وأصحاب المشاريع الحرة ممن ليس لهم صلات. لكن كيف السبيل إلى إصلاح هذه السياسات في مواجهة مصالح عدد قليل من المستفيدين من أصحاب النفوذ؟ وكيف يتسنى إيجاد مؤسسات تحمي المنافسة؟ وما هو دور المواطنين في المؤسسات التي من المفترض أنها تحمي المنافسة؟
 

أضف تعليقا جديدا