Syndicate content

الحوار المفقود: كيف يمكن بناء رأسمالية أخلاقية في العالم العربي

Ishac Diwan's picture
هذه المدونة متوفرة باللغات التالية: English

A young Egyptian holding a flag  تتصدى دول التحول العربي التي تضم تونس ومصر واليمن وليبيا حاليا لقضايا معقدة تتعلق بالقيم الفردية، ومدى حرية التعبير، والحقوق الشخصية، والأمور العائلية التي تدور جميعا حول القضايا الجوهرية المتمثلة في الهوية والأدوار التي يلعبها الفرد والدولة والمجتمع. وهذه الحوارات الاجتماعية بناءة من حيث إنها تعكس ثراء الرؤى وتعددها في مجتمعات كانت مسايرة الموجة هي السمة السائدة في كنف النظم الديكتاتورية. لكن للأسف، تؤدي هذه الحوارات إلى الاستقطاب في المجتمع بما يؤدي إلى العنف والتهديد بالفوضى واحتمال العودة إلى الاستبداد. في الحقيقة، يعكس الاستقطاب الاجتماعي الحالي إلى حد بعيد محاولات السياسيين استغلال الانقسامات الاجتماعية، بل وتأجيجها، بطريقة تذكي حماس أنصارهم المحتملين لملء الفراغ السياسي الذي نجم عن رحيل طغاة العصر. وتختلف حالات الحراك التي يشهدها المغرب والأردن والجزائر ولبنان بعض الشيء، إلا أنه في هذه الحالة أيضا يؤدي التركيز المكثف والاستثنائي على الهوية إلى تزاحم التحديات الاجتماعية والاقتصادية بطريقة أكثر أهمية وأكثر سرعة.
 


وبالفعل، وكما ستكتشف هذه البلدان في الوقت المناسب، فإن المعضلة الرئيسية التي تواجه هذه المجتمعات هي كيفية تمهيد الساحة لشكل من الرأسمالية يكون أكثر فعالية في بلوغ الأهداف الاجتماعية المتمثلة في إتاحة فرص عمل أكثر عدداً وأرفع نوعية، وتحسين الأحوال المعيشية والخدمات العامة، وأن يحظى في الوقت ذاته بالقبول الاجتماعي. ففي مجتمعات تتسم بمستويات عالية من التدين، وحيث باتت العدالة الاجتماعية مطلبا اجتماعيا رئيسيا، يبرز السؤال: كيف يمكن تمهيد الساحة لرأسمالية "أخلاقية" و "عادلة".
 
ففي معرض تحولها البطيء من نظام استبدادي، وصناعة تقودها الدولة وتستعيض بالواردات عن الصادرات، بدأت الدول العربية في إفساح المجال أمام القطاع الخاص وتحرير اقتصادها الذي بدأته في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، إلا أنها لم تفتح بعد حكوماتها (حتى عام 2011). ولكي تظل مقاليد السلطة في قبضتهم، عول الحكام المستبدون على بطانتهم من رجال الأعمال المقربين الموالين لهم الذين يجرون المناقصات الحكومية لمصلحتهم – أو من نطلق عليهم الآن ذوي الحظوة من الرأسماليين.
 
وما لبث هؤلاء المقربون أن تكاثروا بسرعة وسيطروا على الأسواق التي تحررت في جميع أنحاء المنطقة، لاسيما في أواخر تسعينيات القرن الماضي وأوائل الألفية الجديدة. لكن عملهم افتقر إلى الكفاءة، حيث عملوا على خنق روح المنافسة والابتكار، مما سمح بازدهار المنافسة غير المقيدة فقط في الأسواق غير الرسمية التي لا تسمح بتدخل الدولة.
 
ولكي يظل هؤلاء الحكام على القمة، حتى نهاية الحقبة، راحوا يخطبون ود الطبقة المتوسطة بالدعم، في الوقت الذي استخدموا فيه العنف لقمع الفقراء (الذين تمكنوا من تنظيم أنفسهم في المساجد حيث لا تستطيع السلطة أن تخترقهم بسهولة). فازدادت الدول فقرا، بينما تدهور مستوى الخدمات العامة مما أضر بالحراك الاجتماعي. وساعدت الحرب التي شنت على الإسلام السياسي في تقوية موقف النخبة بدفع العلمانيين إلى معسكر الطغاة.
 
هذا النظام لم يجلب الوظائف التي تحتاجها الأعداد المتزايدة من المتعلمين والأمواج الكبرى من الوافدين الجدد على سوق العمل. وفضلا عن ذلك، فقد أدى إلى اتساع هوة الفروق، وزاد من معاناة الفقراء الذين باتوا عاجزين عن الارتقاء اجتماعيا، كما فاقم من حالة الإحباط فيما بين الشباب المتعلم ممن يداعبهم الأمل في مستقبل أفضل.
 
وما لبث هذا النظام أن انهار مع قدوم الربيع العربي. وكالسد الذي انفجر، كشفت الانتفاضات عن الأزمة العميقة للرأسمالية العربية. ويوضح الرسم البياني التالي آراء الشعوب العربية قبل الثورات وبعدها. فهو يقارن بين نسبة السكان الذين يبدون آراء طيبة حول رجال الأعمال وأصحاب مشاريع العمل الحر، وبين الصورة السائدة عن الفساد في عالم الأعمال. وانجلت هذه المقارنة عن نتائج عديدة: أولا، تسود في العديد من البلدان آراء سلبية تماما عن أصحاب مشاريع العمل الحر. ثانيا، يقترن الأمر، حينما يكون الوضع هكذا، بتصور فساد عالم الأعمال. وفي النهاية، يتضح أنه بعد الثورات، هبط الخط كله بالبلدان التي تعاني من ارتفاع مستوى الفساد حتى استعصت نفوس الناس عن تحمل المزيد منه – وعلى أي مستوى من الفساد المتصور، باتت آراؤهم عن أصحاب مشاريع العمل الحر أقل إيجابية.
 
ولن يكون من الممكن، نظرا لوجود ساحة سياسية أكثر تنافسية، تحقيق الإصلاحات المطلوبة لنمو القطاع الخاص وازدهاره إلا إذا تغيير هذه الآراء.
 
وقد بدأت المجتمعات العربية في التنامي لتتجاوز الدولة في إطار عملية التحديث. ويمضي التحرر السياسي على أشده- فهذا الفضاء الجديد من الحرية هو الذي سمح بهذا الصخب من التلاسن بين العلمانيين والإسلاميين. لكن هذه التحولات تجنبت حتى الآن التعرض في الحوارات الدائرة لكيفية إقامة نظام رأسمالي ناجح- أكثر تنافسية وديناميكية وعدلا، مع إتاحة المزيد من الإمكانية للشركات الصغيرة لكي تبتكر وتنمو، والسماح بقيام المزيد من الأسواق الرأسمالية الديمقراطية. وعندما ينطلق هذا الحوار، سيعود العرب إلى قراءة كلاسيكيات الاقتصاد وسيكتشفون فضائل كل من: اللوائح المنظمة للأسواق، والحوار الاجتماعي بين الشركات والعمال والدولة، ودور النشاط الحقوقي وإتاحة المعلومات في نجاح الأسواق والمؤسسات، ودور السياسات الاجتماعية في التخفيف من حدة الأسواق. وإلى أن ينطلق هذا الحوار بجدية، ستظل الشكوك تساور المواطنين بشأن أصحاب مشاريع العمل الحر، وستبقى مؤسسات الأعمال الكبرى متوجسة من المحسوبية والفساد، فيما سيبقى النمو صعب المنال.
 
 
نسبة المواطنين الذين يبدون آراء إيجابية عن أصحاب العمل الحر بالمقارنة بنسبة من يصمون عالم الأعمال بالفساد. البلدان العربية: ما قبل الربيع العربي في الفترة من 2009 إلى 2010 مقابل ما بعد الربيع العربي في الفترة من 2011 إلى 2012 (المصدر: غالوب).
 
 

التعليقات