في أحد أيام الصيف الحار أوائل تسعينيات القرن الماضي، جاءت جارتنا تهرول لوالدتي وتقول لها، "تعالي خذي ابنتك. إنها تلعب الكرة مع الصبيان". لن أنسى أبدا تلك النظرة التي كانت تعلو وجه الجارة. يومها، فتحت نافذة غرفة نومها في الطابق الثاني ونظرت إلى أسفل حيث كان الأطفال يلعبون الكرة في ملعب ترابي مقابل للعمارة السكنية التي كانت تسكن فيها في عمان بالأردن. كانت امرأة في متوسط العمر ذات شعر كستنائي قصير وأنف حادة. كانت تعيش في نفس الضاحية التي كنت ألعب فيها كرة القدم مع أولاد عمي. لا أتذكر اسمها لكنني سأشير إليها باسم "الجارة". رأتني الجارة من نافذة غرفتها. تبادلنا النظرات. كانت نظرتها تنطق بالاستنكار، وكانت نظرتي نظرة خوف. الخوف من أن يتم ضبطي.
هناك قول مأثور مخيف في بعض البلدان العربية: وهو أن المرأة ليس لها إلا بيتها وزوجها فقط. فهي لا ينبغي أن تتعلم أو تعمل أو أن يكون لها رأي. ومما يؤسف له أن هذا الاعتقاد مازال يهيمن على بعض المناطق في العالم العربي. ولكن النساء والرجال العرب العصريين والمتعلمين وأصحاب الإرادة القوية يرون أن ذلك لم يعد ملائما للحياة العصرية بل ومتخلفا.
نعم، لا زال هناك العديد من الحواجز المتبقية في طريق سد الفجوة بين الجنسين في العالم العربي، إلا أنه تم تحقيق العديد من التقدم في مجالات التعليم، والسياسة، وريادة الأعمال، والعمل، والصحة. والمرأة العربية اليوم منها من هي رائدة أعمال وقائدة وناشطة ومعلمة وحاصلة على جائزة نوبل، وأكثر من ذلك بكثير. انهن يعدن تشكيل مجتمعاتهن ويبنين طريقا أفضل لتحقيق المساواة بين الجنسين وتمكين الفتيات من أسباب القوة على مدى الأجيال القادمة.
وهنا بعض من قصص كثيرة حول كيفية إعادة النساء من مختلف الدول العربية تشكيل مجتمعاتهن ومحاربة عدم المساواة بين الجنسين:
يصفوها بأنها صاحبة أفكار قوية، فهي طفلة مرحة وحيوية تحلم بمستقبل كبير. شمس طفلة تساعد أصدقاءها الأطفال وتشجعهم ليتعلموا ويلعبوا.
لكن شمس ليست طفلة حقيقية بل هي إحدى أبرز الدمى التي تظهر في برنامج الأطفال "إفتح يا سمسم"، وهو النسخة العربية من البرنامج الأمريكي "سيسمي ستريت" التي تم تقديمها للعالم العربي في ثمانينيات القرن الماضي.
15 ديسمبر/كانون الأول 2015— الدليل واضح: عندما تقدر البلدان الفتيات والنساء بالقدر نفسه الذي يحظى به الفتيان والرجال، وعندما تستثمر في صحتهن وتعليمهن وصقل مهاراتهن، وعندما تتيح للنساء فرصاً أكبر للمشاركة في الاقتصاد وإدارة الدخل وامتلاك الشركات وإدارتها – فإن الفوائد المتحققة تمتد إلى ما هو أبعد من الفتيات والنساء لتصل إلى أطفالهن وأسرهن، وإلى مجتمعاتهن المحلية، وإلى المجتمعات والاقتصاد بوجه عام.
هذه هي الرؤية وراء استراتيجية المساواة بين الجنسين الجديدة التي وضعتها مجموعة البنك الدولي، وترسم مساراً طموحأ نحو تحسين الفرص المتاحة للنساء والفتيات لأن هذا الأمر ليس صحيحاً أخلاقياً فقط وإنما بالغ الأهمية للتنمية الاقتصادية أيضاً.
واستناداً إلى المعارف المكتسبة من شهور من المشاورات في 22 بلداً مع الحكومات ومنظمات المجتمع المدني، والقطاع الخاص وغيرها، تعتمد استراتيجيتنا على أدلة قوية على أن الفجوات الدائمة بين الرجال والنساء تفرض تكاليف حقيقية وكبيرة على الصعيد العالمي والتي يمكن التعامل معها.
ويتمثل أحد المجالات التي يمكننا فيه تخفيض تكلفة عدم المساواة بين الجنسين في التوسع في الحصول على التمويل. فالنساء يُمنعن في بعض البلدان من فتح حسابات مصرفية أو خطوط ائتمان، وغالباً ما لا يملكن نوع الممتلكات التي تطلبها البنوك كضمان. وتشمل المشروعات الواعدة التي تهدف إلى التغلب على هذه القيود إعادة تنظيم الملكية مثل البضائع والضمانات المنقولة الأخرى التي من شأنها أن تسمح لهن بالحصول على الائتمان. أما من لا يملكن سوى دليل محدود على الهوية، وهي مشكلة غالباً ما تبدأ بعدم تسجيل مولد الفتاة، فإنه يمكن لوثائق أخرى مثل فاتورة الكهرباء أو المياه أن تساعد النساء على فتح حسابات مصرفية، وهو الأمر الذي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالحد من الفقر.
تستند استراتيجيتنا الجديدة للمساواة بين الجنسين إلى أهداف أربعة، جميعها لا غنى عنها لعالم أكثر مساواة، وهي: الحد من وفيات الأمهات وسد الفجوات المتبقية في مجالي التعليم والصحة، وإيجاد فرص عمل أكثر وأفضل للنساء والرجال، وسد الفجوة بين الجنسين في الملكية والسيطرة على الأصول مثل الأراضي والمنازل والتكنولوجيا والتمويل، وتعزيز قدرة النساء على إيصال أصواتهن وتوجيه مسار حياتهن.
وتركز استراتيجيتنا على إجراءات تدخلية واعدة تحقق نتائج ملموسة وواقعية – أي نتائج تحدث تحولاً في الحياة وتمهد ميدان المنافسة بصورة حقيقية وتهيئ فرصاً للجميع.
ففي بنغلاديش، على سبيل المثال، أدت الاستثمارات في تنظيم الأسرة إلى تحسن صحة المرأة، وانخفاض معدلات وفيات الأطفال، وزيادة مشاركة الإناث فى قوة العمل. ومن المتوقع أن يدفع هذا الأمر النمو بنسبة تبلغ نحو 2 في المائة على مدار العقد المقبل. وفي منطقة أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي، شهدت مشاركة النساء في قوة العمل زيادة بنسبة 7 نقاط مئوية في الفترة 2000 - 2012، وهو الأمر الذي أرجع إليه بحث للبنك الدولي انخفاضاً كبيراً بلغ 30 في المائة في معدل الفقر المدقع في المنطقة وانخفاضاً بنسبة 28 في المائة في عدم المساواة على مدار العقد الماضي.
وفي البلدان المنخفضة الدخل، يضيف سد فجوات الإنتاجية بين الإناث والذكور في قطاعات مثل الزراعة إلى النمو الاقتصادي بشكل عام. وتظهر واحدة من أحدث الدراسات التي أجريناها أن زيادة حصول المزارعات على الأراضي ورأس المال والخدمات المالية من شأنه ليس فقط تحقيق نمو حقيقي في إجمالي الناتج المحلي، ولكن أيضاً ضمان حدوث انخفاض حاد في نسبة الأشخاص الذين يعانون الجوع.
منذ خمسة عشر عاماً، وضع المجتمع الدولي الأهداف الإنمائية للألفية، بما في ذلك هدف خفض الفقر المدقع إلى النصف، من خلال عملية تم إعداد معظمها في نيويورك، وراء أبواب مغلقة. وقبل ذلك ببضع سنوات، كان البنك الدولي قد وضع الخطوط العريضة لإستراتيجية الحد من الفقر للبلدان الفقيرة المثقلة بالديون من واشنطن بطريقة مماثلة.
ولحسن الحظ، فقد تغير هذا النهج.
واليوم، فإن عملية تحديد أجندة التنمية ما بعد عام 2015 والتشاور بشأنها مفتوحة أمام الجماهير ومن بينهم، على الأخص، من يتوقع أن تخدمه هذه الأهداف. وفي الواقع، فقد قامت الأمم المتحدة وغيرها من الشركاء بحملة للتواصل مباشرة مع المواطنين للحصول على أفكار وملاحظات تقييمية بشأن القضايا الأكثر أهمية لهم في أجندة ما بعد عام 2015. ولم يعد من يقومون بصياغة أهداف ما بعد عام 2015 بحاجة إلى افتراض ما يريده الفقراء والضعفاء: حيث ستكون لديهم معرفة مباشرة بماهية أولوياتهم.
نحتفل باليوم العالمي للمرأة وقد أصبحت النساء والفتيات أفضل حالا عما كنّ عليه قبل بضعة عقود. فقد أصبحت أعداد الصبية والبنات الذين يذهبون للمدرسة كل صباح متساوية في كثير من البلدان. وتعيش النساء في المتوسط سنوات أطول ويتمتعن بالصحة أكثر من الرجال.
لكن رغم ما شهدناه من تقدم مطرد خلال العقود الماضية، فإن أحد أكبر تحدياتنا اليوم يتمثل في تجنب السقوط فريسة للشعور بالرضاء عن الذات. فنحن لا نستحق ذلك بعد.
بل نحتاج إلى تجديد الشعور بمدى إلحاح القضية وإلى فهم العقبات الباقية أمامها فهما أكثر وضوحا. فحين يتعلق الأمر بتحسين حياة النساء والفتيات، فإننا نواجه زوايا غير مرئية. فإننا نعرف، في الواقع، ثلاثة مستويات للتفاوت المذهل في التعليم، وفي عالم العمل، وفي مجال أمن المرأة وسلامتها.
الزاوية غير المرئية رقم 1: تعليم البنات.
لقد حققنا نتائج مبهرة في تعميم التعليم، لكن ما نخفق في رؤيته هو أن الفتيات الفقيرات - والأشد ضعفا- يتم تركهن في الخلف.
ففي حين أن الفتيات الموسرات في بلدان كالهند وباكستان قد يجلسن في المدرسة إلى جانب الصبيان من نفس الفئة العمرية، تحصل الفتيات من بين العشرين في المائة الأشد فقرا من الأطفال على قدر من التعليم يقل في المتوسط خمس سنوات عن نظرائهن من الصبيان. وفي النيجر، حيث لا ينتظم في الدراسة الابتدائية سوى فتاة واحدة من كل فتاتين، تذهب فتاة واحدة من بين كل 10 فتيات إلى المدرسة الإعدادية، والمذهل أن واحدة فقط من بين كل 50 فتاة تذهب إلى المدرسة الثانوية. إنه أمر مشين.
فزعت عندما سمعت الخريف الماضي أنباء الفتاة الباكستانية ملالا يوسفزاي البالغة من العمر 15 عاما التي أُطلق عليها الرصاص لا لشيء إلا لأنها أصرت على حقها كفتاة في الحصول على التعليم.
وهي قصة ذكَّرتني أيضا بأني كنت محظوظة.
فحينما عُرِضت عليَّ منحة نادرة للدراسة في الخارج، لم يكن مقبولا لي بصفتي إندونيسية شابة متزوجة أن أعيش بعيدا عن زوجي. وخيَّرتني أُمِّي بين أمرين. إما أن ينضم إلى زوجي وهو ما يقتضي تخليه عن وظيفته، أو أن أرفض العرض.
أعلم أن هذه كانت طريقتها لجعل زوجي يساندني وهو ما فعله بدون تردد. وذهبنا معا إلى الولايات المتحدة لإتمام دراستي للحصول على درجة الماجستير. وواصلت الدراسة للحصول على درجة الدكتوراه في الاقتصاد، وأنجبنا طفلنا الأول -وكانت فتاة- حينما كنا طالبين في الدراسات العليا.