مدونات البنك الدولي
Syndicate content

هل يتضمن الفقر النقدي جوانب الفقر كافة؟

Daniel Mahler's picture
هذه المدونة متوفرة باللغات التالية: English

الفقر مفهوم معقد. ويرى كثيرون أنه من غير الممكن قياس جوانب الفقر المهمة من الناحية النقدية - ففي حقيقة الأمر، من أجل تحقيق النجاح في التصدي للفقر، يجب علينا قياسه من جميع جوانبه. يتضمن الإصدار الأخير من طبعة 2018 من تقرير الفقر والرخاء المشترك المحاولة الأولى للبنك الدولي لقياس الفقر المتعدد الأبعاد على مستوى عالمي . وللمقاييس العالمية للفقر المتعدد الأبعاد تاريخ حافل، ومن بين أبرز الأمثلة على ذلك الدليل العالمي للفقر المتعدد الأبعاد الذي يصدره سنويًا برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالتعاون مع مبادرة أكسفورد للفقر والتنمية البشرية.

يستوحي مقياس البنك الدولي للفقر المتعدد الأبعاد طريقة العمل والتوجيه من مثل هذه المقاييس الأخرى، إلا أنه يختلف عن الكثير منها في جانب واحد مهم وهو أن الفقر النقدي (والذي كان يُقاس باستهلاك يومي أقل من 1.90 دولار للفرد على أساس تعادل القوة الشرائية في عام 2011) مدرج كأحد أبعاد الفقر. وعلى الرغم من أن الفقر النقدي لا يتضمن بالتأكيد جميع أشكال الحرمان، فإنه يتضمن قدرة الأسرة على تلبية الاحتياجات الأساسية الضرورية من الغذاء، والمأوى، والملبس، والسلع الأخرى التي يمكن الحصول عليها عادة عن طريق الشراء من الأسواق (أو توفيرها ذاتيًا).

وتتضمن الأبعاد الأخرى المدرجة في هذه العملية العالمية، والتي تستعين ببيانات استقصائية حديثة موحدة مستقاة من 119 بلدًا، حالات الحرمان في مجالي التعليم والبنية التحتية الأساسية (المياه، والصرف الصحي، والكهرباء). وتُعد هذه السلع مهمة حيث يعتمد توفيرها بشكل كافٍ، بطبيعة الحال، اعتمادًا كبيرًا على الإنفاق العام. وبسبب هذا الأمر، غالبًا ما لا تتضمن المقاييس النقدية للفقر الفائدة الكاملة التي تتحقق للأسر المرتبطة بالحصول على هذه الخدمات. وعلى الصعيد العالمي، يخلص التقرير إلى أن نسبة الأشخاص الذين يعانون الحرمان المتعدد الأبعاد تزيد بمقدار 50% عن نسبة من يعانون الحرمان في مجال الاستهلاك أو الدخل.

ويتمثل أمر أكثر إثارة للاهتمام في أن إدراج الاستهلاك بوصفه أحد الأبعاد يتيح تحليل التفاعل بين الفقر النقدي والفقر غير النقدي . ولعله ليس من الغريب أن يرتبط الفقر النقدي بحالات الحرمان في مجالات أخرى، غير أن هذا الارتباط أبعد ما يكون عن الكمال. ويبين الشكلان 1 و2 أنه في الوقت الذي يواجه فيه الكثير ممن لا يعانون الفقر النقدي الحرمان في مجال التعليم أو البنية التحتية (أو كليهما)، لا تواجه نسبة بسيطة ممن يعانون الفقر النقدي الحرمان في هذين المجالين.




والأهم من ذلك أن الارتباط بين الفقر النقدي والفقر غير النقدي يختلف اختلافًا كبيرًا حسب المنطقة والبعد المستخدم. وإذا كان الفقر النقدي ينبئ بالقدر نفسه بجميع حالات الحرمان بسبب الفقر غير النقدي في جميع الأماكن، لن تكون هناك حاجة كبيرة لقياس أي شيء عدا الفقر النقدي، إذ يمكن للمرء أن يتنبأ بدقة بمدى حالات الحرمان بسبب الفقر غير النقدي عن طريق قياس الحرمان في الدخل أو الاستهلاك اليومي.

من ناحية أخرى، يشير الشكلان 1 و2 إلى أن معدلات حرمان من يعانون الفقر النقدي في المناطق الأكثر ثراءً في مجالي التعليم والبنية التحتية الأساسية تكون أقل. على سبيل المثال، يتاح للشخص في أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي الذي يمكنه العيش بما لا يتجاوز 1.90 دولار للفرد في اليوم فرصة بنسبة 50% للعيش في أسرة بدون بنية تحتية أساسية، في حين يقترب هذا الاحتمال في أفريقيا جنوب الصحراء من 90%. ومن ناحية أخرى، فإن الأشخاص الذين يعانون الفقر غير النقدي - أي الأفراد الذين يعيشون فوق مستوى 1.90 دولار للفرد في اليوم - هم أكثر عرضة للحرمان في أبعاد أخرى إذا كانوا يعيشون في أفريقيا جنوب الصحراء .

وتشكل بلدان جنوب آسيا حالة مثيرة للاهتمام تمثل ما يمكن أن نتعلمه من هذا النهج الأوسع نطاقًا لقياس الفقر. على الرغم من أن بهذه البلدان ثلث معدل الفقر النقدي في أفريقيا جنوب الصحراء، فإنها تعاني مستويات مماثلة من الحرمان بسبب حالات الفقر غير النقدي على غرار بلدان أفريقيا جنوب الصحراء من حيث مستوى معين من الدخل. وعلى الرغم من أن بلدان جنوب آسيا تمكنت من خفض مستوى الفقر النقدي بوتيرة مثيرة للإعجاب على مدار العقد الماضي، فإن المنطقة متأخرة من حيث الأبعاد غير النقدية للفقر . ومع ذلك، فإن الحرمان بسبب الفقر غير النقدي في جنوب آسيا يتناقص بسرعة مع زيادة الاستهلاك. ويمكن أن يشير هذا الأمر إلى وجود مجتمعات مستقطَبة، حيث يعاني سكان الريف، على سبيل المثال، حالات حرمان متعدد الأبعاد، في حين لا يعاني سكان الحضر من ذلك.

وبينما يمثل شرح حالات الحرمان في مجالي التعليم والبنية التحتية الأساسية خطوة مهمة، فإن هذين البعدين لا يغطيان بالتأكيد جميع جوانب الفقر. ويستكشف الفصل الرابع من تقرير الفقر والرخاء المشترك لعام 2018 مقياسًا أشمل للفقر المتعدد الأبعاد لستة بلدان، مضيفًا حالات الحرمان في مجالات الصحة، والتغذية، والأمن للأبعاد الثلاثة السالف ذكرها. وكما هو الحال مع التعليم والبنية التحتية، غالبًا ما يلعب الإنفاق العام دورًا رئيسيًا في توفير هذه الخدمات، ومن ثم فإن المنافع التي تتحقق للأسر لا يتم رصدها بالكامل بواسطة مقاييس الفقر النقدي.

ويتضح أن لهذه الأبعاد علاقة أكثر تعقيدًا بالفقر النقدي. فالبعد الأمني - الذي يقيس ما إذا كانت الأسر تعيش في حي يتسم بالخطورة، أو ما إذا كانت تعرضت لجريمة أو كارثة بيئية في العام الماضي - يرتبط أحيانًا ارتباطًا سلبيًا بالفقر النقدي (الشكل 3 أدناه). ففي إكوادور، على سبيل المثال، عادة ما تعيش الأسر المقيمة في أحياء خطرة، أو تعرضت لجريمة ما فوق خط الفقر الدولي مباشرة.


ولهذا الأمر آثار كبيرة على التصدي للفقر في السنوات المقبلة. وإذا لم يكن من يعانون الفقر النقدي هم الذين يتعرضون لحالات الحرمان في أبعاد الفقر الأخرى، فمن هي إذن المجموعة الصحيحة التي يجب أن تستهدفها سياسات مكافحة الفقر؟ تتمثل إحدى الطرق للإجابة على هذا السؤال في الجمع بين حالات الحرمان المختلفة في مقياس واحد، وهو بالضبط ما يفعله مقياس الفقر المتعدد الأبعاد. ويميط هذا الأمر اللثام عن حقيقة أن صورة الفقراء تتغير تغيرًا كبيرًا عند احتساب المزيد من حالات الحرمان. وفي إكوادور، حيث غالبًا ما يشكل غياب الأمن قضية في المدن، يصبح الفقر أكثر انتشارًا في المناطق الحضرية.

ويمكن للفقر النقدي والفقر غير النقدي أن يشملا الظواهر المختلفة والأشخاص المختلفين. ومن أجل النجاح في #قياس الفقر، نحن بحاجة لقياس مكونات الفقر المختلفة، وفهم كيفية تفاعل هذه المكونات مع بعضها بعضًا.

أضف تعليقا جديدا

Plain text

  • Allowed HTML tags: <br> <p>
  • تنقسم الأسطر والفقرات تلقائيا.