مدونات البنك الدولي
Syndicate content

انتهك المعايير وسترى: معايير الحوكمة الرشيدة والحماية المتذبذبة للرأي العام

Sina Odugbemi's picture
هذه المدونة متوفرة باللغات التالية: English

تعلّمنا الأحداث الجارية حول العالم درسين مذهلين على الأقل. الأول هو إنه في الديمقراطيات الدستورية الليبرالية تعتمد الحوكمة الرشيدة على المعايير، لاسيما الأعراف الدستورية، أكثر كثيرا مما تعتمد على القواعد الرسمية. ويترتب على هذا تداعيات جسيمة. والدرس الثاني مفاده أنه حينما تختار أطراف سياسية فاعلة بعينها تجاهل معايير الحوكمة الرشيدة -وتختلف التفاصيل بحسب السياق- فليس من الواضح تماما إن كان أي شيء بوسعه إيقافهم. دعونا نتناول هاتين المسألتين كلا على حدة.

المعايير، الأعراف، القواعد الرسمية

في كتابه الكلاسيكي، مقدمة في دراسة القانون الدستوري، فرق الفقيه القانوني الإنجليزي العظيم أيه.في. دايسي بين ما اسماه القوانين الدستورية وبين الأعراف الدستورية.

وأشار إلى أن القانون الدستوري يتضمن قواعد تضطلع المحاكم بتطبيقها. لكن هناك قواعد دستورية أخرى:

تتشكل المجموعة الأخرى من القواعد من أعراف أو تفاهمات أو عادات أو ممارسات، والتي -على الرغم من أنها قد تنظم عمل المسؤولين الآخرين- لا تعد قوانين على الإطلاق إذ أن المحاكم لا تقضي بتطبيقها.

يمكن أن يطلق على هذا الجزء من القانون الدستوري - من باب التفرقة - "الأعراف الدستورية"، أو الأخلاق الدستورية.

وأصبحت التفرقة التي حددها دايسي مسألة محسومة الآن. ففي معظم الأنظمة الدستورية هناك وثيقة رسمية أو مجموعة منها تُعرف باسم الدستور، وهو المصدر الأعلى للسلطة القانونية في النظام.

لكن أثناء ممارسة المسؤولين الذين يديرون النظام عملهم يجدون دوما أن عليهم استكمال القواعد الرسمية للدستور بمجموعة من القواعد غير الرسمية دائمة التطور والنمو.

وهذه هي الأعراف الدستورية. فهي تمكن أجهزة الدولة من العمل بيسر... كما يسهل زيت المحرك عمل محرك الاحتراق الداخلي.

وبدون هذه الأعراف يحترق الجهاز، ويتحول إلى معدن منصهر. والأهم أن تلك الأعراف تتيح لللاعبين الرئيسيين في النظام تكييف الدستور تدريجيا مع الظروف المتغيرة دون اللجوء إلى عملية شاقة وغادرة لتعديل الدستور.

أتذكر كيف كان أساتذتي في فصول القانون الدستوري بجامعة لندن كولدج يطلقون الدعابات عن الطول الهائل والتفاصيل المهولة التي تضمها الدساتير في كثير من الديمقراطيات الجديدة.

ولأن اللاعبين السياسيين في هذه البلدان لا يثقون بعضهم في بعض، فهم لا يريدون الاعتماد على القواعد غير الرسمية في التعاملات والتفاهمات. إنهم يريدون كل شيء مكتوبا.

يريدون أن يتوقع التنظيم الرسمي للدستور أي سبب محتمل للنزاع وطريقة التعامل معه. وبالتالي يصبح الدستور أكبر وأكبر.

إنه تفكير أحمق. إذ لا يمكنك التنبؤ بالمستقبل على وجه اليقين. حري بك أن تضع قواعد غير رسمية وتعتمد عليها.

معايير الحوكمة الرشيدة والرأي العام

ما نتعلمه جميعا هذه الأيام هو أن الكثير من القواعد المقبولة للحوكمة الرشيدة في الديمقراطيات الدستورية الليبرالية هي قواعد غير رسمية. إنها مبادئ للسلوك ومعايير، وتشكل أعرافا دستورية في كثير من الأحيان.

وبالتالي، إذا ما ظهر شخص ما وانتهكها بوقاحة...وهو ما يعد ملمحا واضحا لممارسات سياسية شعبوية تجتاح العالم حاليا...ماذا يحدث؟ كيف يمكن تطبيق القواعد؟ ما هي العقوبة؟

شغلت هذه المسألة تفكير الفقهاء الدستوريين منذ زمن دايسي، الذي أشار في كتابه الكلاسيكي السابق ذكره إلى مصادر ثلاثة لحماية الأعراف الدستورية الراسخة:

1. الخوف من المساءلة من جانب المسؤول الذي يفكر في انتهاك الأعراف.

2. قوة الرأي العام.

3. المعارك القضائية.

والآن، بعد أن أصبحت الأعراف الدستورية مباديء راسخة أصبحت العقوبة الحقيقية الوحيدة هي قوة الرأي العام. فالخياران الأول والثالث (فضّل دايسي الأخير) لن يفلحا إذ أن انتهاك عرف دستوري ما لا يعد مخالفة لقاعدة رسمية. إذا ما تجاهل أحد الأطراف السياسية الفاعلة بوقاحة معايير الحوكمة الرشيدة في ديمقراطية دستورية فإن الملاذ الوحيد المتاح هو قوة الرأي العام...كما هو الحال في كل سياق وطني محدد.

كما نص دستور مُحكم ذات مرة: انتهِك المباديء وسترى ما سيحدث. انتهك وسترى. إذا لم تلوح العقوبة سريعا ماتت المبادئ ودُفنت تحت الثرى. نهاية القصة.

هذا هو لب الموضوع. إذا ما درست انتشار الممارسات السياسية الشعبوية حول العالم، فإن ما ستراه هو محرقة لمعايير الحوكمة الرشيدة.

السؤال هو: هل الرأي العام قوة كافية لحماية هذه المعايير، وتطبيقها، بل تعزيزها؟ الإجابة تتوقف على السياق، لكن بوسعنا أن نقول شيئين اثنين.

أولا، في كثير من الأحيان تجهل الجماهير العريضة معايير الحوكمة الرشيدة التي تشكل دعائم الحكم المتمدن. إنهم لا يعرفون القدر الكافي عن تفاصيل نظام الحكم. ثانيا، في المجتمعات التي تعاني انقسامات سياسية عميقة (ومن هي تلك المجتمعات التي لا تعاني منها هذه الأيام؟) فان الحصول على إلتزام من الجماهير العريضة بالدفاع بكل إخلاص عن معايير الحوكمة الرشيدة وحمايتها تصبح مهمة ثقيلة. فمن السهل تقسيم الناس وإرباكهم. وللأسف، من يسعون إلى بث الفرقة والانتصار أمامهم مهمة تواصل أسهل.

لكن إذا كنت ترغب في تدعيم معايير الحوكمة الرشيدة أو الدفاع عنها، فكل ما تملك حقا في أي سياق هو قوة الرأي العام الفاعل المحتشد حول القضية. بعبارة أخرى، سيكون طريقا وعرا.

التعليقات

أرسلت من قبل منى زلزلة في

المشكلة ليس في دستور واعراف تنتج من تطبيقه
المشكلة ان ثلاث قيم تتصارع في البلدان الديمقراطية الحديثة
الاولى ضعيفة لانها وليدة حديثا وهي الدستور والديمقراطية
الثاني القوانين السابقة التي تحكم بها المحاكم ومخالفة للدستور بسبب لايوجد بديل لها
الثالث الاعراف المضادة لكلا الاول والثاني والتي نشئت لحمااية الفرد من تعسف القوانين السابقة
وهذه هي الاقوى وترفض الحوكمة لانها ستسلبه القدرة من حماية نفسه من القوانين السابقة المخالفة للدستور
الحل
ان القضاء على الثالثة لاتكون الا بعد ان تتغير القوانين السابقة وتصبح موافقة للدستور وموافقة لعاداتنا الاصيلة وتتماشى مع راي الاغلبية كي تستمد من الراي العام قوة اذا ماحاول انتهاكها
فمن الخطأ جلب تجارب خارجية ناجحة في بلدانها وتطبق ونعيش صراعا لاداعي له ونخسر قطاعات واسعة ممن يشكلون راي عام في بناء ديمقراطية في بلادنا العراق مثالا لما اقوله

أضف تعليقا جديدا

Plain text

  • Allowed HTML tags: <br> <p>
  • تنقسم الأسطر والفقرات تلقائيا.
بارسال هذه الرسالة أنت توافق على سياسة الخصوصية.