في ظل استمرار ارتفاع معدلات البطالة في جميع أنحاء الضفة الغربية، يبحث الآلاف عن فرص عمل مناسبة. وتواجه الأسر ضغوطاً اقتصادية متزايدة، في حين تكافح المجتمعات المحلية للحفاظ على سبل كسب العيش وسط ظروف تزداد صعوبة وتدهوراً.
فكيف يمكن توفير فرص العمل بسرعة مع ضمان توزيعها على نحو عادل وشفاف، ووصولها لمَن هم في أمس الحاجة إليها؟
في إطار مشروع التعافي الاجتماعي وخلق فرص العمل، تحركت وزارة المالية والتخطيط الفلسطينية، بالتعاون مع البنك الدولي ووزارة العمل وصندوق تطوير وإقراض الهيئات المحلية، بسرعة للاستجابة. وفي غضون أسابيع قليلة، أُطلقت بوابة تسجيل رقمية جديدة من خلال نظام معلومات سوق العمل (LMIS)، لمساعدة العاطلين عن العمل على التسجيل للعمل عن بعد وعلى نحوٍ شفاف، مع توفير وظائف من قبل هيئات الحكم المحلي من خلال مشاريع البنية التحتية ذات الأولوية للمجتمعات المحلية.
تعليقاً على ذلك، قالت معالي الدكتورة إيناس عطاري، وزيرة العمل في السلطة الفلسطينية: "في مواجهة التحديات الاقتصادية غير المسبوقة، كان توسيع فرص الحصول على عمل في صدر أولوياتنا. وتساعد بوابة التشغيل الإلكترونية على ربط الناس بفرص العمل بسرعة وشفافية أكبر، إلى جانب تعزيز الثقة في أن الدعم يصل إلى من هم في أمس الحاجة إليه."
نتائج أولية سريعة وواسعة النطاق
يعكس الطلب على العمل في إطار المشروع حجمَ الأزمة الاقتصادية، وأيضاً الحاجة الملحة للاستجابة.
· تم تسجيل أكثر من 40 ألف باحث عن عمل عبر البوابة الإلكترونية.
· تم توفير نحو 8 آلاف فرصة عمل للعمال المهرة وغير المهرة.
· يغطى التعيين في الوظائف حالياً جميع هيئات الحكم المحلي البالغ عددها 371 هيئة في أنحاء الضفة الغربية.
تسهم هذه الوظائف في مساعدة الأسر على كسب الدخل في هذه الظروف الصعبة، إلى جانب دعم المجتمعات المحلية من خلال مشاريع الأشغال العامة كثيفة العمالة والخدمات العامة الأساسية.
الأهم من ذلك، أن المشروع يتيح أيضاً فرصاً للخريجين العاطلين عن العمل في مجالات مثل الهندسة والتخطيط والمالية، مع زيادة فرص وصول النساء والأشخاص ذوي الإعاقة إلى سوق العمل.
بدوره قال معالي الدكتور استيفان سلامة، وزير المالية والتخطيط في السلطة الفلسطينية: "يأتي هذا المشروع في وقت حرج بالنسبة للشعب الفلسطيني، كما أنه يتماشى مع أولويات التعافي الحكومي من خلال خلق فرص العمل، ودعم سبل كسب العيش والخدمات الأساسية، إلى جانب تعزيز القدرات المؤسسية لدعم أهداف النمو الاقتصادي الأوسع نطاقاً."
وقد حظي النجاح الأولي لمشروع التعافي الاجتماعي وخلق فرص العمل أيضاً باهتمام دولي. ففي عام 2025، عُرض المشروع في مؤتمر للأمم المتحدة في نيويورك، حيث جرى تسليط الضوء على الأدوات الرقمية ودورها في ربط الباحثين عن عمل بالوظائف المتاحة بسرعة وإنصاف في البيئات الهشة والمتأثرة بالصراع.
أهمية الوصول العادل إلى فرص العمل
في أوقات الأزمات، لا تقل كيفية توزيع الوظائف أهميةً عن عدد الوظائف التي يتم توفيرها. وعندما يجب أن تتحرك برامج التشغيل بسرعة ويكون الطلب على فرص العمل مرتفعاً، يمكن أن تزيد عمليات التوظيف المجزأة ومحدودية البيانات من خطر الإقصاء، أو عدم تكافؤ فرص الحصول على عمل، أو نشوء تصورات بوجود محسوبية. ومن هنا تبرز الأهمية البالغة للأنظمة الشفافة لضمان توزيع الفرص بشكل عادل ووصولها إلى مَن هم في أمس الحاجة إليها.
البوابة الإلكترونية لنظام معلومات سوق العمل صُممت لمواجهة مثل هذا التحدي.
واستناداً إلى قاعدة بيانات وزارة العمل الخاصة بالباحثين والعاطلين عن العمل، يتيح النظام للمتقدمين التسجيل عن بعد، والتحقق من بياناتهم، وفرزهم طبقاً لمعايير متَّفق عليها، مثل مدة البطالة ومدى احتياج الأسرة.
والنتيجة عبارة عن إجراءات تقلل الاعتماد على الوسطاء وتسهم في ضمان وصول الفرص إلى من هم في أشد الحاجة إليها.
أكثر من مجرد بوابة رقمية للتسجيل
المنصة الرقمية ليست سوى جزء واحد من المنظومة.
فالنهج الأوسع يجمع بين خلق فرص العمل وتعزيز النظم لتحسين المساءلة وحماية العمال، ويشمل ذلك ما يلي:
· التوظيف المباشر من خلال البلديات والمجالس القروية، وتعزيز المساءلة على المستوى المحلي.
· اعتماد عقود عمل موحدة للعمال تشمل التأمين عليهم وحماية حقوقهم.
· توفير آليات التظلم وتلقي الآراء والملاحظات، مما يساعد في رصد المشكلات ومعالجتها في مرحلة مبكرة.
· التتبع المنتظم للبيانات لمتابعة الطلب، والتحقق من شمول الجميع، وتحديد الفجوات آنياً.
وتساعد هذه التدابير مجتمعةً على ضمان ألا تتوقف الشفافية عند التسجيل، بل تمتد لتشمل التنفيذ والإشراف وإعداد التقارير.
آفاق أوسع للتوظيف وشراكات أكثر عمقاً
استناداً إلى النتائج الأولية، وافق البنك الدولي على تمويلٍ إضافيٍ بقيمة 57 مليون دولار في أبريل/نيسان 2026، ليرفع إجمالي تمويل المشروع إلى 117 مليون دولار. وحتى الآن، تم توفير نحو 8 آلاف شاغر، جرى شغل نحو 1200 منها مع استمرار التنفيذ. ومن المتوقع أن يسهم التمويل الإضافي في مضاعفة العدد الحالي للشواغر ليصل إلى 16 ألف وظيفة.
ويأتي هذا التوسع ليدفع عجلة التوظيف ويدعم سبل العيش في ظل أوقات عصيبة يمر بها الاقتصاد، مع تركيز الدعم بشكل خاص على تمكين النساء والأشخاص ذوي الإعاقة.
وفي مواجهة تحديات الصراع وحالة عدم اليقين الراهنة، تبرز الشراكات الوثيقة مع المانحين كركيزة أساسية لاستدامة هذه الجهود؛ لا سيما عبر المساهمات القيّمة المقدمة من كندا والمملكة المتحدة من خلال الصندوق الفلسطيني للإنشاء والتعمير (PFRD) الذي يديره البنك الدولي.
الدرس الأبرز
تؤكد بيانات نظام معلومات سوق العمل حقيقةً لا غبار عليها، وهي أن الحاجة إلى فرص العمل لا تزال هائلة.
بيد أن التجربة تقدم أيضاً درساً أوسع وأشمل، ففي أوقات الأزمات، يمكن لبرامج التشغيل أن تؤدي دوراً يتجاوز مجرد توفير الدخل. فحين تتكامل جهود المؤسسات، وتلتقي الحلول الرقمية مع أطر الحوكمة الصارمة وآليات المساءلة، يمكنها أن تساعد في ضمان وصول الفرص إلى الناس على نحو عادل.
ومع المضي قدماً في توسيع نطاق مشروع التعافي الاجتماعي وخلق فرص العمل، تقدم التجربة ما هو أكثر من مجرد برنامج ناجح للتشغيل؛ فهي ترسخ نموذجاً قابلاً للتكرار، يمكن تعميمه بسرعة، وتكييفه مع جهود التعافي المستقبلية، وتوسيع آفاقه بتمويلات إضافية وشراكات إستراتيجية داخل الضفة الغربية وخارجها. وبذلك، يسهم المشروع في تعزيز أجندة مجموعة البنك الدولي الخاصة بالوظائف؛ إذ يبرهن عملياً على قدرة برامج الاستجابة للأزمات على شق مسارات مستدامة للتشغيل، بالتوازي مع بناء القدرات المؤسسية ودعم جهود التعافي.
تركيب كابل الطاقة بواسطة موظف فلسطيني. (تصوير: عهد إزحيمان)
انضم إلى النقاش