التعلم من خلال التعاون بين المدارس في دبي

|

الصفحة متوفرة باللغة

هل يمكن لمدرسة أن تتعلم من أخرى؟ وإن أمكن، فكيف السبيل؟ هذا هو لب المسألة في دراسة جديدة تستهدف الجمهور العام، تبحث في كيفية تشجيع هيئة المعرفة والتنمية البشرية، الجهة الحكومية المسؤولة عن الإشراف على قطاع التعليم الخاص الضخم في دبي، لمجموعة من المبادرات القائمة على التعاون فيما بين المدارس. وجميع المدارس بالإمارة مدعوة إلى المشاركة في هذه المبادرات، التي تتيح لهم الالتقاء، وتبادل الأفكار، والعمل مع بعضها بعضا، ومن ثم الاستفادة من تنوع المشهد التعليمي المحيط بهم وثرائه.

النظم المدرسية في دبي وهيئة المعرفة والتنمية البشرية

دبي مدينة متميزة في العديد من الجوانب ولاسيما من المنظور التعليمي. حيث ينتظم 90% من مجموع طلابها في مدارس خاصة لها 17 نظامًا مدرسيًا مختلفًا؛ فهناك على سبيل المثال لا الحصر، النظام البريطاني، والأمريكي، والبكالوريا الدولية، والإماراتي، والهندي، وسابيس، والباكستاني، والروسي، والإيراني، والياباني، والألماني، والفرنسي، والفلبيني، والسويسري، والكندي. فالعالم يلتقي بحق في هذه المدينة. ويشهد هذا القطاع نموًا سريعًا، كذلك. ففي الأعوام الدراسية السبعة الأخيرة فقط، كان هناك أكثر من 80 ألف طالب جديد (بزيادة 40%) وافتتحت 76 مدرسة جديدة.

في هذا السياق، يتعين على الهيئة تشجيع المستثمرين على دخول هذا المضمار، فهي بحاجة إلى فتح المزيد من المدارس، ولكنها في الوقت نفسه بحاجة إلى تحسين جودة القطاع. وثمة تحد غير اعتيادي يواجهها في هذا الأمر: فبصفتها هيئة حكومية عامة، لا يمكنها التدخل بسهولة في قطاع التعليم الخاص بدبي. فعلى العكس من وزارة التعليم في القطاع العام التي يمكنها فرض تغييرات في المناهج الدراسية، وتدريب المعلمين، والقيادات المدرسية، يجب على الهيئة محاولة توجيه قطاع التعليم من خلال وضع سياسات عامة تطبق على جميع المدارس. وفي عام 2014، دعت الهيئة البنك الدولي إلى دراسة أول مجموعة من هذه السياسات، والتي تتعلق بتحسين المساءلة في قطاع التعليم من خلال تبادل المعلومات. والفكرة التي تقوم عليها يسيرة: زوِّد أصحاب المصلحة بمزيد من المعلومات وستتحسن المساءلة. كيف ذلك؟ تخضع جميع المدارس لتفتيش سنوي، وتعلن تقديرات المدارس على الملأ. وفي اليوم الذي تعلن فيه التقديرات، تضج دبي بأخبارها. ونتيجة لهذا، زادت نسبة الالتحاق بمدارس أفضل في السنوات الخمس الأخيرة من 30 إلى 50%. طالع المزيد عن دراسة البنك الدولي لأداء المدارس في دبي هنا.

مبادرات التعاون لهيئة المعرفة والتنمية البشرية وتقرير "طريق التعاون" للبنك الدولي

في إطار سعيها المستمر لتحسين القطاع، وضعت الهيئة موضع التنفيذ مجموعة ثانية من المبادرات التكميلية، تتعلق بتشجيع المدارس على العمل معًا على التحسن. وكلفت الهيئة البنك الدولي مجددًا بدراسة هذه المبادرات. جرى تدشين التقرير الجديد بعنوان "طريق التعاون: رحلة دبي نحو تحسين جودة المدارس" في المنتدى العالمي للتعليم والمهارات الذي عقد في دبي في 24 مارس/آذار 2019. يرجى اتباع هذا الرابط لمشاهدة العرض الإيضاحي (يبدأ في 1:25).

كانت الفكرة الأساسية للمجموعة الثانية من المبادرات يسيرة أيضًا: يمكن للمدارس التعلم من بعضها بعضا من خلال العمل معًا. ولتشجيع ذلك، وضعت هيئة المعرفة والتنمية البشرية أربع مبادرات موضع التنفيذ، هي: مشروعات معًا نرتقي، وعِش العربية، والمنارة، وعطاء للمستقبل. وتمثل هذه المبادرات، باختصار، فرصًا للمدارس للالتقاء، والعمل معًا، وتبادل الأفكار، والتعلم من بعضها بعضا.

ما أسباب نجاح التعاون؟

ما الذي تشير إليه البحوث والممارسات الدولية بشأن التعاون؟ ثمة شواهد متزايدة قوية للغاية على أهمية التعاون، سواء فيما بين المدارس أو داخلها. وللاطلاع على أمثلة، انظر الدراسات التي أجريت حول بناء العلاقات من خلال مجتمعات التعلم المهني، وتعلم المهارات الوظيفية من الزملاء، وصياغة برامج التطوير المهني، واستعراضات حول تعاون المعلمين. وعلى مدى العقدين الماضيين، تم تعزيز التعاون فيما بين المدارس في النظم المدرسية ذات التنوع مثل كندا، والصين، وسنغافورة، والسويد، وإنجلترا، والولايات المتحدة، ومؤخراً إسكتلندا. وكان هذا التعاون بشكل عام يتم بين المدارس التي لها نفس النظام المدرسي (نفس المنهج، والتنظيم المدرسي، وما إلى ذلك)، وإن وجدت بعض الاستثناءات القليلة: على سبيل المثال، برنامج تبادل الرياضيات بين وزارتي التعليم في المملكة المتحدة وشانغهاي والتي مددت حتى عام 2020.

وتماشيًا مع هذا، يبين تقرير بعنوان ما بعد التطوير المهني: التعلم المهني للمعلمين في النظم عالية الأداء" كيف تقدم كل من شانغهاي، وكولومبيا البريطانية، وسنغافورة، وهونغ كونغ التعلم المهني لمعلميها. وتحقق هذه النظم الأربعة، وجميعها من النظم عالية الأداء، تقديرات تقارب القمة في الرياضيات، والقراءة، والعلوم ببرنامج التقييم الدولي للطلاب. وعلى الرغم من اختلاف هذه النظم فيما بينها من عدة أوجه، فإن الأمر المشترك بينهم جميعًا هو التعلم المهني التعاوني الذي أصبح جزءًا من الحياة اليومية للمعلمين والقيادات المدرسية. ومن هذا المنطلق، تابع تقرير "طريق التعاون" دراسته حول التعاون واضعًا فرضية العمل التالية: أن المدارس الفاعلة في دبي هي تلك المدارس التي تتعاون فيما بينها، والمدارس الأقل فاعلية هي التي لا تتعاون. ولكن، لم يكن هذا الذي أسفر عنه العمل الميداني.

ما النتيجة التي تم التوصل إليها؟

كشفت الاستقصاءات المباشرة عبر الإنترنت من مدارس دبي ومجموعات النقاش المركز التي عقدت في نوفمبر/تشرين الثاني 2018 أن هناك العديد من المدارس التي تتعاون فيما بينها وبطرق متنوعة. وقد تعاونت جميع هذه المدارس تقريبًا تعاونًا داخليًا وفيما بينها، سواء أكانت هذه المدارس ذات تصنيف جيد أو أقل جودة، تفرض رسومًا مرتفعة أو منخفضة، أو مدارس ذات فلسفات تعليمية مختلفة تمامًا.

تدعم الدراسة الاستقصائية الدولية لمنظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي بشأن التدريس والتعلم هذه النتائج. يوضح الشكل 1 منحى المعلمين على مستوى العالم في العمل، وما إذا كانوا يولون في حياتهم المهنية أهمية للمعرفة بالمحتوى (المعرفة)، أو العمل بمفردهم (الاستقلالية)، أو العمل بشكل تعاوني (شبكات الأقران). ومن ثم، فكما يبين الشكل، يستخدم التعاون إلى حد كبير في بلدين معروفين بأدائهما العالي: الصين (شانغهاي) وكوريا (الدوائر الزرقاء)، الأمر الذي يدعم فرضية البحث. ومع ذلك، فمن ناحية أخرى شهدت بلدان أخرى معروفة جيدًا بالأداء المرتفع تعاونًا ضئيلًا، مثل فنلندا (الدائرة الحمراء). ومما يزيد التناقض بصورة أكبر، ما يذكره المعلمون في ماليزيا من عملهم معًا على نطاق واسع (الدائرة الصفراء)، ومع ذلك، لم تشتهر ماليزيا بعد بأدائها. وهكذا، لا يظهر هناك أي ارتباط واضح بين التعاون ومستوى الأداء التعليمي.]

الشكل 1 منحى المعلمين في العمل على مستوى العالم

الصورة
منحى المعلمين في العمل على مستوى العالم

المصدر: منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي، 2018.

إذن ما هي خلاصة القول في التعاون؟

خلاصة القول هي: نوعية التعاون، لا مقداره، هي ما يعتد به. وهذا هو المهم في دبي.

ثلاث نقاط رئيسية من الدراسة ذات صلة بالسياسات

النقطة الأولى. التعاون خيار فاعل وغير مكلف للتطوير المهني للمعلمين إذا نظم تنظيمًا جيدًا. مع إطلاق مؤشر رأس المال البشري للبنك الدولي، تحول الاهتمام في قطاع الممارسات العالمية للتعليم، في الوقت الراهن أكثر من أي وقت مضى، إلى تنمية رأس المال البشري. وهي مسألة معقدة تنطوي على التنسيق بين العديد من الأطراف الفاعلة والقضايا، كما أظهرت مطبوعة تقرير عن التنمية في العالم لعام 2018 بوضوح، ومع ذلك يبرز من بينها عامل واحد جوهري: المعلم. فلا يمكن لأي مدرسة - كما تقول الحكمة السائرة - أن تتجاوز جودة معلميها.

وإذا كانت جودة التعليم والتعلم تعتمد على فاعلية المعلم، فيجب أن يكون تحسين مستوى المعلم مسألة ذات اعتبار في أي عملية تحسين للمدارس. ويكمن التحدي الرئيسي في تعريف المعلمين على طرق جديدة ومختلفة للتدريس، ورؤيتهم وهم يعتمدونها بنجاح ليصبحوا أكثر فاعلية. ولا يمكن للمعلمين الذين اعتادوا على القيام بالأشياء بطريقة معينة لبعض الوقت، أن يتعلموا القيام بها بطريقة مختلفة، إلا إذا توافرت لهم الأدوات اللازمة والدعم المؤسسي الكافي. كما يتعين مساندة المعلمين في تنفيذ هذه الأساليب الجديدة داخل فصولهم الدراسية. وثمة طرق عدة للقيام بذلك: من خلال مرشدي المعلمين، والتوجيه، وإنشاء مجتمعات تعلم مهني. وذلك كله لتمكين التعاون بين المعلمين بصورة أكثر تواترًا وسهولة.

ومن اللافت للنظر أن المعلمين عندما يتعاونون فيما بينهم، فإن شعورهم بالكفاءة الذاتية والرضا الوظيفي يزداد بالفعل (منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي، 2018). وهكذا، فالدرس المستفاد من ذلك بوضوح هو ضرورة تطوير النموذج القديم القائم على الممارسة الفردية لمعلم واحد، إلى نموذج جديد يطور فيه المعلمون باستمرار معرفتهم بالمحتوى ومهاراتهم التربوية من خلال ممارسة تعاونية مرسخة في النسيج اليومي لعملهم، سواء أكان ذلك من خلال الاستفادة من التعاون مع زملائهم داخل مدارسهم، أو مع الآخرين في المدارس الأخرى.

وفوق ذلك، يجب أن يكون التعاون منظمًا تنظيمًا جيدًا؛ فمن الضروري اتباع القواعد الأساسية حتى يؤتي ثماره (تمت مناقشتها في الصفحتين 40 و 41 من التقرير).

النقطة الثانية. التعاون يعزز التركيز على الحلول المحلية ويقدم وسيلة لتنفيذها. عادة ما تنظر الإصلاحات التعليمية في النظم عالية الأداء بحثًا عن إجابات لديها، ومنها على سبيل المثال، شانغهاي، وسنغافورة، وفنلندا التي كثيرًا ما يشار إليها. ولكن من المهم ألا ننسى أن النجاح الذي حققته هذه النظم قد لا يتكرر دائمًا في سياقات أخرى؛ فكثير من التفاصيل تضيع في الترجمة. وبدلًا من ذلك، يجب الوقوف على المبادرات المحلية الناجحة، حيث يمثل التعلم منها الأسلوب العملي للسير في سياسة إصلاح التعليم. ففي أي نظام هناك مدارس رائعة، وفي أي مدرسة هناك معلمون عظام. ولا يكفي الوقوف على الممارسات الجيدة؛ من الضروري إيجاد سبل لنقل هذه المعرفة بفاعلية. ومن العوامل ذات الأهمية البالغة في تحقيق ذلك، توافر فرصة التعاون مع المدارس الفاعلة، ويشير تقرير "طريق التعاون" إلى مدى فاعلية التعاون كآلية لنقل المعرفة على مستوى نظم دبي المدرسية.

النقطة الثالثة. التعاون يعزز المساءلة. بحثت الدراسة الأولى التي أجراها البنك الدولي لصالح هيئة المعرفة والتنمية البشرية كيفية اعتماد الهيئة للسياسات التي من شأنها يقوي المساءلة على مستوى المنظومة. وقد أدى نشر المعلومات حول تقديرات المدارس إلى زيادة هذا الأمر. ومن المثير للاهتمام الآن، أن تشجيع النهج التعاوني، يعد وسيلة أخرى لتعزيز المساءلة – على مستوى الأطراف الفاعلة، هذه المرة. وفي الواقع، تولي العديد من النظم عالية الأداء التي تشجع الممارسات التعاونية عناية كبيرة بمساءلة الأقران. فعندما يعمل المعلمون معًا، سواء في تقديم ملاحظاتهم بشأن الممارسات الفاعلة، أو التشجيع على الابتعاد عن تلك التي تفتقر إلى الفعالية، فإن هذا التفاعل تحركه إلى حد ما ضغوط الأقران؛ فاحترام المشارك لزملائه ورغبته في مجاراتهم تدفع إلى التغيير.

ومن ثم، ينبغي ألا ينظر إلى التعاون في دبي باعتباره موقفًا جديدًا تتخذه الهيئة تجاه سياسة من السياسات، بل يجب اعتباره تطورًا في موقفها من المساءلة. فهو يمثل بالأخرى، أداة أخرى من أدوات السياسات، لدمج المساءلة في المنظومة، في إطار السعي المستمر لتحسين جودة المدارس والقطاع.

انضم إلى النقاش