تزدهر الاقتصادات عندما تزدهر النساء. ورغم ذلك، لا تزال هناك فجوة ملحوظة في فهم مشاركة النساء بشكل كامل في ريادة الأعمال والاقتصاد الرسمي، ويرجع ذلك بشكل كبير إلى غياب بيانات إدارية دقيقة ومصنفة حسب النوع ومحدثة أولاً بأول. ومن دون هذه المعلومات الأساسية، تجد الحكومات والمؤسسات صعوبة في قياس إسهامات النساء بشكل دقيق، وتحديد العوائق، ومتابعة التقدم، وتصميم حلول فعالة وهادفة.
استجابة لهذه الحاجة، أطلق البنك الدولي، بالتعاون مع مبادرة تمويل رائدات الأعمال We-Fi، مبادرة لتقييم وتعزيز قدرة أنظمة البيانات الإدارية على مراعاة النوع الاجتماعي في عدة بلدان تشمل كولومبيا وإندونيسيا ومدغشقر وسري لانكا وتونس. وتمثل هذه الاقتصادات مناطق متنوعة وفئات دخل مختلفة. وقد تناول هذا المشروع مدى توفر وجودة واستخدام البيانات الإدارية المصنفة حسب النوع عبر دورة حياة مشروع ريادة الأعمال بالكامل، مثل دخول الشركات إلى السوق، والحصول على الأراضي، والوصول إلى التمويل، وفرص العمل، والضرائب، والوصول إلى العدالة (إمكانية الاحتكام إلى القضاء)، والمشتريات العامة.
قوة البيانات الإدارية
توفر المسوح التقليدية رؤى ثاقبة لكنها غير متكاملة حول النشاط الاقتصادي. ويمكن للبيانات الإدارية، التي تُستمد من الوظائف الحكومية الروتينية كإجراءات تسجيل الشركات والإقرارات الضريبية وسجلات المحاكم، أن تمنح رؤى متكاملة ومستمرة وعملية إذا ما جُمعت ونُشرت وفق منظور النوع الاجتماعي. كما تشكل البيانات الإدارية المصنفة حسب النوع أداة أساسية لتصميم السياسات والبرامج القائمة على الأدلة والشواهد، مما يُساعد في تحديد العقبات التي تواجه النساء في النظام الاقتصادي.
المنهجية: استعراض تفصيلي وشامل لأنظمة البيانات
اتبعت هذه المبادرة منهجية موحّدة لتقييم البيانات الإدارية المصنفة حسب النوع. هذه المنهجية تضمنت رسم خرائط لمصادر البيانات، وتقييم ما إذا كان يتم جمع بيانات النوع (إجبارياً أو اختيارياً)، وتحليل جودة البيانات وقابليتها للتشغيل البيني، وفهرسة المؤشرات وإجراءات الإبلاغ والإفصاح الدورية. وشملت العملية مراجعات للوثائق، ومقابلات، ومشاورات فنية، مما أثمر عن توصيات مصممة خصيصاً تراوحت بين المكاسب السريعة والإصلاحات متوسطة الأجل.
لمحات موجزة عن الاقتصادات: الاتجاهات السائدة وأمثلة قطرية
برزت عدة اتجاهات واضحة عبر مختلف البلدان.
أولا، على الرغم من أن العديد من البلدان حقق تقدماً ملحوظا من خلال إدراج الحقول (الخانات) الإلزامية الخاصة بالنوع الاجتماعي في سجلات الشركات (السجلات التجارية)، فإن هناك فجوات لا تزال قائمة في مجالات مثل المشتريات العامة، وملكية الأراضي، والوصول إلى الائتمان. على سبيل المثال، في إندونيسيا، لا يُطلب من مقدمي وموردي الخدمات تقديم بيانات مصنفة حسب النوع (مثل عدد الموظفات أو ملكية الإناث) في إطار الإجراءات الموحدة للمناقصات. أما في كولومبيا، فعلى الرغم من أن لديها نظاماً إحصائياً متطوراً وهيكل سياسات يتعلق بالنوع الاجتماعي، فإن سجلات ملكية الشركات غالبا ما تخلو من بيانات مصنفة حسب النوع.
ثانيا، لا تزال قابلية التشغيل البيني بين أنظمة البيانات تشكل تحدياً كبيراً، حتى مع جمع البيانات المُصنفة حسب النوع. ويظهر هذا في تونس حيث لا تتكامل السجلات التجارية مع سجلات الأراضي ولا يمكن تفعيل خاصية التشغيل البيني. وعلى الصعيد الدولي، نادراً ما تقوم أنظمة المعلومات الائتمانية بجمع أو نشر البيانات المصنفة حسب النوع. كما تعوق محدودية التشغيل البيني بين مؤسسات الأعمال والشركات والمؤسسات المالية تتبع إمكانية وصول الشركات المملوكة للنساء إلى التمويل وتصميم السياسات الموجهة لتعزيز الشمول المالي.
ثالثا، لتعزيز الاتساق في البيانات الإدارية المصنفة حسب النوع، اعتمدت بعض البلدان تعاريف رسمية لمؤسسات الأعمال المملوكة للنساء. على سبيل المثال، تصنف سريلانكا الشركات كمنشآت مملوكة أو تقودها نساء إذا كانت نسبة النساء فيها تتجاوز 50% أو إذا كانت النساء يمتلكن 20% على الأقل من المنشأة مع وجود امرأة في منصب رفيع معني باتخاذ القرارات، ووجود مجلس إدارة في عضويته ما لا يقل عن 30% من النساء، إذا كان ذلك ممكناً. أما كولومبيا، فإن المنشآت المملوكة أو المدارة من قبل النساء تُعرف بامتلاك النساء فيها لنسبة ملكية لا تقل عن 50% أو وجود نسبة مشابهة في الإدارة العليا لمدة لا تقل عن عام واحد، أو بأن تقوم بتشغيلها وإدارتها امرأة كشخص طبيعي. ومع ذلك، فإن الهيئات الحكومية المختلفة غالباً ما اعتمدت تعاريف مختلفة ولم تلتزم بالتعريف الوطني.
رابعا، عدم انتظام الإجراءات الروتينية لنشر البيانات. في مدغشقر، على الرغم من القيادة القوية لوزارة المرأة، فإن مؤسسات مثل سجل الشركات (السجل التجاري) التي تقوم بجمع بيانات مصنفة حسب النوع، لا تتيح هذه البيانات للجمهور. وهناك وضع مشابه في إندونيسيا، حيث لا تُنشر بصورة منهجية ومنتظمة البيانات المصنفة حسب النوع التي تجمعها هيئات مثل سجل الشركات. ومن ثم، فإن معظم الإحصاءات المصنفة على أساس النوع المتاحة للجمهور في إندونيسيا تستند إلى المسوح الاستقصائية بدلاً من السجلات الإدارية. وفي سياقات أخرى، بما في ذلك سريلانكا، يعوق غياب البيانات الموثوقة النشر بشكل كبير. ومع ذلك، تتضافر الجهود لرقمنة تسجيل الأراضي بهدف تحسين جودة البيانات، ما يُسهم في إتاحة نشرها بشكل منتظم في المستقبل.
التوصيات: التحديات الشائعة وما ينبغي للبلدان القيام به
تم تطوير خطة عمل مفصلة تضمنت توصيات مصممة خصيصاً لكل بلد. وتشمل التوصيات الرئيسية جعل حقول (خانات) النوع الاجتماعي إلزامية، وتحسين بروتوكولات تبادل البيانات، وإنشاء لوحات بيانات أولية لمتابعة الأداء. على سبيل المثال، يعد تفعيل نظام تسجيل الشركات في تونس مع الحقول الإلزامية الخاصة بالنوع وربط السجلات التجارية والمدنية ونشر لوحات البيانات خطوات ضرورية للمضي قدماً. وفي سريلانكا، تعمل الجهات المعنية على إلزام المؤسسات المالية المرخص لها بجمع بيانات مصنفة حسب النوع فيما يتعلق بشكاوى العملاء، وتحسين دقة البيانات المالية، وتوحيد حقول النوع في السجلات العقارية. وفي إندونيسيا، يتم تشجيع تحسين صفحات تسجيل الأراضي عبر الإنترنت من خلال تضمين معلومات متعلقة بالنوع ونشر تقارير تفصيلية عن النوع في الوثائق الداخلية والخارجية المتعلقة بخدمات وبرامج الأراضي. كذلك، يُوصى بتطبيق برامج تدريبية مستهدفة للعاملين بشأن قضايا النوع الاجتماعي، ودمج مؤشرات النوع بشكل منهجي لتحليل ومتابعة الشكاوى والنزاعات المتعلقة بالأراضي. أما في مدغشقر، فيوصى بالإسراع في نشر النظام الجديد لتسجيل الشركات كأولوية، وتسريع رقمنة وتكامل أنظمة معلومات الأراضي والضرائب والائتمان لتحسين توافر البيانات وإمكانية التشغيل البيني.
إن إبراز المرأة في البيانات الإدارية يسهم في إطلاق إمكاناتها الاقتصادية ودفع عجلة الرخاء المشترك. وذلك لأن تحسين البيانات يخلق نتائج أفضل للجميع. وبدوره، يؤكد البنك الدولي استعداده لدعم البلدان عبر تقديم دراسات تشخيصية، ووضع خارطة طريق من أجل العمل، وتقديم مساعدة مصممة لدعم التنفيذ.
انضم إلى النقاش