نشر في أصوات

الغذاء لعمال المستقبل: أدلة وشواهد ترسم ملامح أجندة التغذية المدرسية والوظائف في الأردن

الصفحة متوفرة باللغة:
الغذاء لعمال المستقبل: أدلة وشواهد ترسم ملامح أجندة التغذية المدرسية والوظائف في الأردن البرنامج الوطني للتغذية المدرسية في الأردن يُعزّز تنمية رأس المال البشري للأطفال، مُولِّداً في الوقت ذاته فرص عمل عبر منظومات الغذاء المحلية وقنوات تقديم الخدمات. حقوق النشر: البنك الدولي

تواجه الاقتصادات النامية تحدي التشغيل على جبهتين في آنٍ واحد: توسيع فرص العمل في الوقت الحاضر، وبناء قوة عاملة أكثر صحةً وكفاءةً في المستقبل. وتأتي الاستثمارات في التعليم والتغذية كأولوية قصوى لتحقيق هذين الهدفين معاً. هذه الاستثمارات تُرسي أسس الإنتاجية طويلة الأمد للأطفال، وتخلق في الوقت ذاته فرصاً اقتصادية آنية، لا سيما للمرأة.

وتجدر الإشارة إلى أن برامج التغذية المدرسية تمثل جزءاً أصيلاً في هذه الأولويات وتتلاقى معها في نقطة واحدة. وهي تُطبَّق اليوم في أكثر من 100 بلد، وقد أثبتت جدارتها في تحسين الالتحاق بالمدارس ورفع مستوى التعلم. غير أن طاقتها الكامنة تمتد إلى آفاق أرحب؛ فحين يُحكَم تصميمها، تصبح أداةً فاعلة لتعزيز تنمية رأس المال البشري للأطفال، ومحركاً لخلق فرص العمل عبر منظومات الغذاء المحلية وقنوات تقديم الخدمات.

هدفان للتغذية المدرسية: تغذية سليمة للأطفال وخلق فرص العمل

يكشف البرنامج الوطني للتغذية المدرسية في الأردن كيف يمكن السير في هذين المسارين معاً دون تعارض. ويرتكز البرنامج على نموذج بسيط وقابل للتوسع، يحصل بموجبه الأطفال على قطعتي تمر يومياً، وهي وجبة خفيفة طويلة الصلاحية يسهل إنتاجها بكميات كبيرة وتوزيعها على امتداد المملكة. وتوفر هذه القطع الطاقة اللازمة وتلبي الاحتياجات التشغيلية، وإن كانت قيمتها الغذائية تبقى في حدودٍ متواضعة.

وحتى يتسنى تعزيز التنوع الغذائي مع خلق فرص اقتصادية للنساء، أدخل الأردن طريقة جديدة "للوجبات الصحية" جنبا إلى جنب مع البرنامج الحالي. فابتداء من عام 2022، قام برنامج الأغذية العالمي (WFP)، جنبا إلى جنب مع وزارة التعليم والجمعية الملكية للتوعية الصحية، بطرح هذا النهج تدريجياً. في الوقت نفسه استمرت معظم المدارس في استلام التمور المعبأة. وفي المدارس المشاركة في البرنامج، يحصل الطلاب على وجبات خفيفة طازجة أربعة أيام في الأسبوع، مع شرائط التمر يوماً واحداً في الأسبوع. والوجبات الجديدة تحتوي على سعرات حرارية مساوية لما تحتويه التمور، ولكنها أقل في السكريات وأعلى في البروتين. يتم الحصول عليها من المنتجين المحليين والمخابز ويتم تجميعها وتعبئتها في مطابخ تديرها وتعمل بها نساء محليات على مستوى المجتمع المحلي، مما يربط بين تحسين التغذية وخلق فرص العمل المحلية.

جدير الاعتبار أن هذا التحول أوجد فرصة لتقييم الآثار بدقة. فقد أجرى فريق العمل التابع لنائب مجموعة البنك الدولي لشؤون اقتصاديات التنمية ومكتب التقييم التابع لبرنامج الأغذية العالمي تجربة عشوائية في 473 مدرسة لفحص كيفية تأثير الوجبات الصحية على تغذية الأطفال وانتظامهم في الدراسة وتعلمهم ونواتج تشغيل النساء.

ما أظهرته الأدلة والشواهد

تناول هذا التقييم بالفحص الآثار على مسارين متميزين: النواتج بالنسبة للأطفال، والتأثير على معدلات التشغيل بالنسبة للنساء.

تكشف البيانات أن الأطفال الذين يتلقون وجبات صحية يتمتعون بأنظمة غذائية أكثر تنوعاً، وينفقون 8% أقل على الوجبات الخفيفة السكرية والدهنية في المدرسة، كما يمارسون نشاطاً بدنياً أكثر حيوية، ويواظبون على الحضور يوماً إضافياً في السنة. وقد حظيت هذه الوجبات الصحية بإقبال واسع من الطلاب، مما عزز التحول نحو القائمة الغذائية الجديدة. وكانت الآثار الإيجابية على النشاط البدني أكثر وضوحاً في صفوف الأولاد، وهم الفئة الأعلى عرضةً لخطر السمنة وتراجع المستوى التحصيلي في المراحل الدراسية اللاحقة. وتكشف هذه النتائج مجتمعةً عن القدرة الحقيقية للوجبات المدرسية الصحية على تشكيل عادات الأكل والحركة منذ سن مبكرة، بوصفها استجابةً عملية لزيادة ظاهرة السمنة لدى الأطفال وانتشار أنماط الحياة الخاملة (ورقة عمل للبنك الدولي). وتُسهم هذه المكاسب في تأسيس قوة عاملة مستقبلية أفضل صحةً وأعلى إنتاجية.

Image

ملاحظة: أعد المؤلفون إنفو غرافيك باستخدام تشات جي بي تي.

ووفق تقرير برنامج الأغذية العالمي، فإن النساء العاملات في المطابخ المجتمعية استفادت، إذ رفع البرنامج دخولهن وعزّز ثقتهن للانخراط في سوق العمل مدفوع الأجر، وساهم في تحسين رضاهن العام عن الحياة، فضلاً عن تغيير نظرة الأسرة إلى دخل المرأة، وتكتسب هذه المكاسب دلالة بالغة في سياق تُصنَّف فيه مشاركة المرأة في سوق العمل بوصفها من أدنى المعدلات عالمياً، إذ لا تتجاوز 14%، وفق بيانات البنك الدولي، كما تنسجم مع الشواهد العالمية على الفوائد الأشمل للمشاركة الاقتصادية للمرأة. وتكشف هذه النتائج عن مكاسب حقيقية تتحقق من مشاركة المرأة في سوق العمل وخلق فرص عمل محلية.

التعلم والتكيف والتوسع

أسهمت قوة الأدلة والشواهد إسهاماً مباشراً في توجيه قرارات التوسع على المستوى الوطني. وانطلاقاً من نتائج التقييم، تعاون فريق التعليم في البنك الدولي بالأردن مع وزارة التربية والتعليم والشركاء المحليين لتوسيع نموذج التغذية المدرسية ليشمل مخيمات اللاجئين، حيث تبلغ الاحتياجات ذروتها. ويُموِّل الصندوق الاستئماني للنزوح القسري، بدعم من حكومة هولندا، توصيل وجبات مغذية يومية لأكثر من 74 ألف طالب في إطار مشروع تحديث التعليم والمهارات والإصلاحات الإدارية "مسار".

يستهدف هذا التوسع تلبية الاحتياجات الآنية والتغلب على تحديات التنمية بعيدة المدى التي يعاني منها الأطفال اللاجئون. وقد انطلق في مطلع العام الدراسي 2025-2026، ليُركّز على المخيمات والمجتمعات الهشة والأكثر احتياجاً، ولا سيما محافظتَي المفرق وإربد ومخيمَي الأزرق والزعتري، حيث يكابد الأطفال عبئاً مزدوجاً بين سوء التغذية والسمنة، جراء شح التنوع الغذائي.

ويواصل النموذج الموسَّع تحقيق فوائد ومنافع متعددة تمتد عبر قطاعات شتى. فبفضل أثره المزدوج، يرسّخ هذا النموذج التغذية المدرسية بوصفها استثماراً في رأس المال البشري وتدخلاً داعماً لفرص العمل في آنٍ واحد، إذ يلبي احتياجات التشغيل الآنية ويُحصّن القوى العاملة لتكون أكثر قوة في المستقبل. وتُتيح المطابخ المجتمعية للمرأة وظائف مستقرة ودخلاً ثابتاً وفرصاً لتنمية المهارات، فيما تُعزز الوجبات المدرسية المتوازنة طاقة الأطفال وترفع معدلات حضورهم ومواظبتهم على الدراسة. واقتضى التوسع تكييف سلاسل الإمداد والقوائم الغذائية والخدمات اللوجستية لمراعاة السياقات ذات الصلة، غير أن التصميم الجوهري وآثاره الموثقة ظلّا راسخَين دون تغيير.

وتكشف هذه التجربة كيف يمكن الاستعانة بالأدلة والشواهد عند صنع القرار المتعلق بالبرامج والمشاريع والعمليات. فمن خلال مبادرة التعلم والتكيف والتوسع التي أطلقها فريق الأثر الإنمائي في البنك الدولي، تعاونت فرق البحث وموظفي العمليات والشركاء الحكوميون لضمان توجيه نتائج التقييم لتصميم البرامج وتمويلها وتنفيذها بصورة آنية ومتواصلة.

استشراف المستقبل

مع اتساع نطاق البرنامج، أضحت الاستدامة شاغلاً محورياً على صعيد السياسات. ولا يكتفي التقييم بتحديد سمات التصميم الكفيلة بتحقيق النتائج، بل يكشف أيضاً التكلفة اللازمة للحفاظ عليها على المدى البعيد. واستجابةً لذلك، تشمل التمويلات الإضافية مساعدة فنية لدعم الحكومة الأردنية في صياغة إستراتيجية تمويل مستدامة، تكفل صون برامج التغذية المدرسية الفعّالة وتوسيعها في ظل القيود الواقعية على المالية العامة.

هذا وتكشف تجربة الأردن كيف يمكن لبرامج التغذية المدرسية أن تحقق أثراً على بُعدين متميزين ومتكاملين في آن واحد: تعزيز صحة الأطفال وتحصيلهم المعرفي بوصفهما ركيزةً للإنتاجية في المستقبل، وخلق فرص عمل فورية للمرأة. وبإبقاء هذين المسارين حاضرَين بوضوح في مرحلتَي التصميم والتقييم، يُثبت البرنامج أن الاستثمار في التعليم والتغذية قادر على الإسهام مباشرةً في أجندة التشغيل الأشمل. والدرس المستخلص للبلدان التي تعاني من ضغوط تكبل المالية العامة هو تجربة عملية بامتياز: الاستثمار في الأنشطة التي تبني رأس المال البشري وتوسّع الفرص الاقتصادية في وقت واحد.

تم إجراء تقييم أثر برنامج الوجبات المدرسية في الأردن في إطار شراكة بين البنك الدولي وبرنامج الأغذية العالمي. ويضم فريق التقييم كلاً من: جوناس هيرمان، وروشني خينشا، ولينا خريص، وفلورنس كونديليس، وفونج لا، وبينيديتا ليرفا، وسيمون لومبارديني، وهانا أوكات، وخيرات أومارجاليف.


انضم إلى النقاش

محتوى هذا الحقل سيظل خاصاً بك ولن يتم عرضه للعامة
الأحرف المتبقية: 1000