نشر في أصوات

بناء مستقبل قادر على الصمود: تنسيق جهود الحماية الاجتماعية في مواجهة أزمات الساحل

الصفحة متوفرة باللغة:
بناء مستقبل قادر على الصمود: تنسيق جهود الحماية الاجتماعية في مواجهة أزمات الساحل جلسة توعية حول الممارسات الأسرية المتعلقة بتغذية الرضع وصغار الأطفال، والنظافة الصحية، والوقاية من الأمراض في قرية "متعلق المِدن" التابعة لمقاطعة سليبابي بموريتانيا. بعدسة: ريتشارد مبويت/برنامج الأغذية العالمي.

باتت الحاجة إلى بسط مظلة الحماية الاجتماعية في منطقة الساحل أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فلطالما عانت بلدان المنطقة من الفقر المدقع وعدم توظيف رأس المال البشري. واليوم، ومع تفاقم الأزمات والصدمات بسبب الصراع والهشاشة وتغير المناخ والطوارئ الصحية والاضطرابات الاقتصادية، يواجه الملايين دورة متصاعدة من الضعف وقابلية التأثر بالمخاطر. وبالنسبة للفئات الأكثر عرضة لهذه المخاطر، أصبح التكيف والتعافي وإعادة البناء بعد كل صدمة أكثر صعوبة وتكلفة، مما يهدد المكاسب التي تحققت بشق الأنفس في قطاعي الصحة والتعليم، وأيضاً في سبل كسب العيش.

وتعد الحماية الاجتماعية إحدى الأدوات الإستراتيجية والأكثر فاعلية من حيث التكلفة لمواجهة هذه التحديات المترابطة والمعقدة. وتظهر الشواهد المستمدة من منطقة الساحل وغيرها من المناطق أن الحماية الاجتماعية تمثل استثماراً مؤثراً في تعزيز القدرة على الصمود، وتنمية رأس المال البشري، وزيادة الإنتاجية، وتعزيز التماسك الاجتماعي. وفي أوقات الأزمات، تضمن الحماية الاجتماعية استمرار وصول المساعدة إلى الفئات الأكثر احتياجاً. علاوة على ذلك، تُعتبر قوة الأنظمة الوطنية ضرورةً لتلبية الاحتياجات المتغيرة أو المتزايدة، وحماية الفئات الأكثر احتياجاً، وبناء قدرتها على الصمود بشكل تدريجي، وفي نهاية المطاف الحد من تكاليف الاستجابات الإنسانية المتكررة، لا سيما في حالة الصدمات المتداخلة أو التي تحدث بشكل دوري.

وعلى الرغم من التقدم المحرز، لا تزال برامج شبكات الأمان الوطنية في بلدان الساحل تصل إلى أقل من شخص واحد من كل عشرة أشخاص، مما يقوّض قدرتها على معالجة الفقر وقابلية التأثر بالمخاطر، أو التوسع المؤقت خلال أوقات الأزمات. وعلاوة على ذلك، لا تتم إدارة جميع البرامج أو تمويلها بشكل كامل على المستوى الوطني، إذ لا يزال العديد منها يُمَوّّل من قبل مشروعات شركاء التنمية. وتخصص العديد من الحكومات موازنات محدودة لبرامج الحماية الاجتماعية، مما يؤدي إلى الاعتماد على التمويل الخارجي الذي يهدد استدامة هذه الإجراءات التدخلية الحيوية، فضلاً عن صعوبة التنبؤ بها. وفي الواقع، وبالرغم من أن البلدان قطعت شوطاً طويلاً في تطوير أنظمة الحماية الاجتماعية الوطنية — حتى في السياقات الهشة — فإن الحفاظ على هذا الزخم يُعتبر أمراً ضرورياً للتوسع في تنفيذ هذه الأنظمة وضمان استدامتها.

ويتطلب إطلاق الإمكانات التحويلية للحماية الاجتماعية في منطقة الساحل تنسيقاً قوياً بين جميع الجهات الفاعلة تحت قيادة وطنية. غير أن هناك تحدياً يكمن في تجزؤ المشهد، ومحدودية نطاق التغطية، وتَعدُد الجهات الفاعلة؛ مما يؤدي إلى حدوث فجوات وازدواجية في تقديم المساعدات. لكن اللافت أن الوزارات والهيئات الحكومية والجهات الفاعلة غير الحكومية وشركاء التنمية والمنصات الإقليمية تعمل جميعاً في وقت واحد، وفي كثير من الأحيان يحدث تداخل في الاختصاصات وتعارض في الأهداف. ويُبرز هذا التعقيد الحاجةَ إلى تنسيق فعّال للتعجيل بتحقيق الأثر المطلوب، وتعزيز الكفاءة والإنصاف، وضمان الاستجابات النوعية والسريعة للأزمات، بالإضافة إلى دعم تضافر الجهود على مستوى البرامج والقطاعات.

ولا يقف التنسيق في سياقات الأزمات عند ضبط إيقاع التنفيذ فقط، بل يشمل كذلك تخطيط الدعم وتقديمه على نحو يعزز أنظمة الحماية الاجتماعية الوطنية، مما يضمن قدرتها على تعزيز القدرة على الصمود بشكلٍ مستدامٍ على المدى الطويل. ويقتضي ذلك اتباع نهج استشرافي يلبي الاحتياجات الفورية بسرعةٍ وعلى نطاقٍ واسع، مع تعزيز قدرات النظام الوطني وتماسكها في المستقبل.

استجابة لهذه التحديات، قام البنك الدولي واليونيسف وبرنامج الأغذية العالمي بتحديد نُهُج عملية لتعزيز التنسيق على مستوى السياسات والبرامج وأنشطة التنفيذ في منطقة الساحل. وانطلاقاً من التعاون الوثيق في المنطقة، تهدف هذه الجهود إلى تعزيز تقديم الخدمات مع تقوية أنظمة الحماية الاجتماعية على نحو مستدام.

الاستثمار في بناء  قدرات القياديات الوطنية. تُعتبر القيادة الحكومية على جميع المستويات حجر الزاوية للتنسيق الفعّال، غير أن بناء قدرات القيادات يتطلب وقتاً والتزاماً، ناهيك عن توحيد جهود جميع الجهات الفاعلة لدعم إنشاء أو تعزيز آليات تنسيق وطنية ودون وطنية قوية تجمع ممثلي الحكومة ومؤسسات العمل الإنساني والحماية الاجتماعية، بالإضافة إلى ممثلي القطاعات المختلفة.

التوافق تحت رؤية وطنية مشتركة. تتيح أطر السياسات القوية تحديد أهداف مشتركة يمكن لجميع الجهات الفاعلة الاصطفاف خلفها. ويبدأ ذلك بتوحيد الدعم المقدم لمساعدة الحكومات على وضع سياساتٍ وإستراتيجيات وطنية للحماية الاجتماعية، وتنسيق الجهود بناءً على هذه الأسس المشتركة بمجرد أن تصبح قائمة. لكن الأمر لا يقف عند هذا؛ إذ إن دمج الحماية الاجتماعية في القطاعات ذات الصلة، مثل الزراعة والصحة والتعليم والتغذية وإدارة مخاطر الكوارث، يسهم أيضاً في تعزيز المزيد من الاتساق، والاستفادة من أوجه التآزر، ومعالجة الأسباب التي تؤدي إلى الضعف والهشاشة على نحو شامل.

تعزيز الثقة. يُعد تعزيز التفاهم المتبادل والتعلم من خلال النُهج والأساليب المختلفة أمراً بالغ الأهمية لتعزيز الشفافية وتقوية الدعم السياسي والجماهيري للحماية الاجتماعية. ويجب أن تقوم الجهات الفاعلة المختلفة بإيجاد أرضية لحل المشكلات وتحديد الأولويات، بما في ذلك من خلال الدراسات التشخيصية والمراجعات المشتركة على مستوى القطاعات. وحتى يتسنى سد جميع الفجوات والثغرات والوصول إلى صيغة مكتملة، يجب أن تُدمج الدروس المستفادة في إستراتيجيات وخطط الحكومة.

تجميع الموارد وتشجيع التمويل متعدد السنوات. يعزز تجميع الموارد الحيوية وضمان تقديم التمويل والمنافع لدعم الأولويات الوطنية الحدَ من الازدواجية والتجزؤ، كما يسهم في رفع مستوى الكفاءة والاتساق ودعم القيادة الوطنية. ويأتي التمويل متعدد السنوات القابل للتنبؤ مكملاً لذلك، حيث يسهم في دعم استمرار الاستثمارات في الأنظمة الوطنية وتعزيزها على المدى الطويل، بما في ذلك من خلال مخصصات الموازنات المحلية.

الاستثمار في الأنظمة المشتركة. يجب تعزيز أنظمة الحماية الاجتماعية الوطنية لكي تصبح مستدامة. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا عندما يضمن الشركاء توجيه الدعم إليها ومن خلالها والاستثمار في الأدوات المشتركة - من السجلات الاجتماعية إلى آليات الدفع والمتابعة - التي يمكن لجميع الجهات الفاعلة استخدامها والمساعدة في تعزيزها.

إنشاء برامج وطنية دائمة لشبكات الأمان الاجتماعي. تُعد البرامج الدائمة - مثل برنامج تكافل في موريتانيا - التي يمكن توسيع نطاقها في أثناء الصدمات والحفاظ على استدامتها على المدى الطويل، لا سيما تلك التي تتبنى طموحاً صريحاً لتحقيق التغطية الوطنية، أمراً بالغ الأهمية لتعزيز التقارب وتضافر الجهود ومنع تجزؤ العديد من المشروعات.

ومن خلال العمل الجماعي، يمكن تحقيق وعد الحماية الاجتماعية في منطقة الساحل. ويجب على الحكومات وضع الخطط وقيادة الأنظمة، مع مساندة الشركاء لها دون أن يحلوا محلها. ويتطلب سبيل المضي قدماً نحو المستقبل تحولاً جوهرياً في كيفية عمل الشركاء. هذا التحول يتمثل في إعطاء الأولوية للشعور بالمسؤولية الوطنية، ومواءمة الإجراءات التدخلية مع رؤية وطنية مشتركة، وتعزيز الأنظمة الوطنية التي تتسم بالتكيف والشمول والاستدامة. وبالعمل المشترك، يمكننا حماية الفئات الأكثر احتياجاً والأولى بالرعاية اليوم، وبناء مستقبل قادر على الصمود وقت حدوث الأزمات مهما كانت هذه الأزمات.


انضم إلى النقاش

محتوى هذا الحقل سيظل خاصاً بك ولن يتم عرضه للعامة
الأحرف المتبقية: 1000