فتحت المنصات الرقمية آفاقاً واسعة لفرص العمل الجديدة، خصوصاً في البلدان النامية. وتشير أحدث التقديرات إلى أن مئات الملايين من الأشخاص حول العالم يعملون عبر منصات إلكترونية، مع استبعاد الخدمات القائمة على الموقع مثل خدمات النقل عبر تطبيقات التكنولوجيا (مثل أوبر) أو توصيل الطعام.
إن خلف هذه الأرقام قصص إنسانية متنوعة. ففي جنوب أفريقيا، تمكنت امرأة كانت تبحث عن عمل لأربع سنوات من تأمين دخلها عبر كتابة مقالات ومدونات للعملاء على المنصات الرقمية، فوصلت كلماتها إلى قراء في الولايات المتحدة والهند والمملكة المتحدة، ونجحت في تكوين مصدر رزق من خلال الإبداع والمثابرة. وفي فيتنام، استفاد مطور برمجيات يبلغ من العمر 30 عاماً من تخصصه في علوم الكمبيوتر للعمل بشكل مستقل على منصات متعددة عالمياً، محققاً دخلاً سنوياً يصل إلى نحو 40 ألف دولار، وهو أعلى بكثير من أجور سوق العمل المحلي. أما في المكسيك، فقد ذكر سائقو أوبر أنهم يحصلون على دخل يعادل ثلاثة إلى أربعة أضعاف الحد الأدنى للأجور الرسمية (162 دولاراً في عام 2018)، وذلك بعد خصم تكاليف استئجار المركبات، رغم أن هذا المبلغ يتطلب العمل لمدة 11 ساعة يومياً دون أي حماية عمالية.
تسلط هذه السرديات والقصص الضوء على الفرص والتحديات التي يمكن أن تظهر من خلال العمل عبر المنصات الرقمية. فمن المهام الصغرى إلى تطوير التطبيقات، ومن كتابة الإعلانات إلى خدمات النقل عبر تكنولوجيا المعلومات (مثل أوبر)، تربط المنصات الناس بالطلب المحلي والعالمي. وفي البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، يمكن للمنصات أيضا أن تساعد في تنظيم المهن التي يتم عادة تنفيذها بشكل غير رسمي. علاوة على ذلك، تساعد المنصات في البلدان النامية الشركات المتوسطة والصغيرة على الوصول إلى المواهب المتخصصة حسب الحاجة، مما يساعدها على أن تصبح أكثر إنتاجية.
مبررات التنظيم
ما تغفله هذه القصص ببساطة هو المخاطر وعدم الاستقرار الملازم للوظائف القائمة على المنصات، والتحديات التي تواجه صانعي السياسات الذين يعملون تحت ضغوط تطالبنهم بتحسين ظروف العمل في أسواق العمالة الرقمية.
واللافت أن إدارة الخوارزميات والقوى السوقية المركزة يمكن أن تسهم في تعرض العمال لمخاطر التمييز والفصل التعسفي وعدم وضوح برامج التعويضات والمزايا. ويواجه العمال وضعاً وظيفياً غير واضح ورواتب غير مستقرة وساعات عمل طويلة، وغالبا ما يعملون في مناطق وولايات لا تنظم قانوناً العمل عبر المنصات وبالتالي لا تضمن لهم الوصول إلى مزايا مثل التأمين الصحي أو الإجازات المدفوعة. ومع اتجاه المزيد من الشركات الرسمية نحو المنصات لتوظيف العمال وتقديم الخدمات، يزيد القلق من أن المنصات غير المنظمة قد تستبدل علاقات العمل المنظمة والواضحة والخاضعة للضرائب واللجوء إلى علاقات غير مقننة. وفي الوقت ذاته، تتطلب مجموعة كبيرة ومتنوعة من الوظائف المتاحة عبر المنصات تخطيطاً تنظيمياً دقيقاً (انظر الشكل 1)، مع اختلاف مستويات المهارات والتعرض المخاطر.
الشكل 1: أنواع الوظائف المختلفة عبر المنصات الرقمية
تتنوع أساليب تنظيم عمل المنصات
اعتمدت بعض الولايات والمناطق والبلدان نهجاً يُصنّف العمالة عبر المنصات كأصحاب أعمال حرة، وهو وضع تنظيمي قد يكون غير مكتمل التنظيم أو ضعيف التنظيم، مما يجعله غير مناسب غالباً للعمال الأكثر احتياجاً. ومن ناحية أخرى، أُعيد تصنيف بعض العمال كموظفين تابعين لجهة محددة بدوام كامل، ليصبحوا مستحقين قانوناً للحصول على الحقوق المرتبطة بذلك. ويؤدي هذا النهج عادةً إلى زيادة ملحوظة في تكلفة الوحدة من الإنتاج مقابل العمل المبذول، وذلك بطرق قد تتوافق أو لا تتوافق مع الأسواق التي تستهدفها هذه المنصات. وبشكل عام، يمكن للتنظيم الذي يتيح مزايا سخية أن يعود بالفائدة على العمال ولكنه قد يحول دون خلق فرص العمل، مما يجعل هذا النهج أكثر فاعلية عندما تتوفر بدائل للتوظيف الرسمي خارج إطار الاقتصاد الرقمي، وهو أمر غير شائع في البلدان النامية.
انتهجت بعض البلدان سبيلاً ثالثاً يتمثل في تصميم لوائح تنظيمية مخصصة لعمال المنصات. وبيّن تقييم حديث أجراه الزميلان هاتاياما وماج سويزتاك جهوداً تشريعية مشتركة تشمل الشفافية في التعامل مع الخوارزميات، وحقوق حماية البيانات، وشفافية المدفوعات، والحماية من الفصل التعسفي. وتؤكد هذه الخيارات مجتمعة الحاجة إلى تحقيق توازن بين الحماية والتطبيق العملي، بما يكفل حصول عمال المنصات على الحقوق الأساسية دون انتهاك القواعد والاشتراطات والقوانين المعمول بها في البلد المعني وتنفيذها على أرض الواقع.
صياغة ضوابط ولوائح تنظيمية صحيحة من البداية
في ورقة مناقشة صدرت مؤخراً، طرحنا مجموعة من المبادئ التوجيهية التي تهدف إلى صياغة لوائح تنظيمية للعمل ترتكز على نموذج من القاعدة إلى القمة وتعكس الواقع الاقتصادي للبلدان منخفضة ومتوسطة الدخل.
تواجه الحكومات، خاصة في البلدان النامية، فرصة غير مسبوقة لتطوير لوائح تنظيمية ذكية تراعي السياق وتستند إلى البيانات، بدءاً من المستوى الأدنى. وعلى خلاف المنشآت والشركات العاملة خارج الاقتصاد الرسمي، يمكن تتبع المنصات نظراً لاستخدامها للبنية التحتية الرقمية وأنظمة الدفع الرسمية وإنتاجها لبيانات غنية حول المعاملات وساعات العمل وأداء العاملين. وينبغي للحكومات الاستفادة من هذه المزايا لتعزيز التنظيم وفعالية تنفيذ اللوائح والقوانين. إلا أن أي خطأ في وضع اللوائح التنظيمية قد يؤدي إلى اختفاء الوظائف بشكل تام من هذه البلدان والمناطق. من هنا، يعد تبني نهج تدريجي ومرن أمراً ضرورياً.
ويجب أن يقوم هذا النهج أيضاً على أدلة وشواهد دامغة وصارمة. وعلى الرغم من الحاجة إلى المزيد من الدراسات لفهم تأثير الضوابط واللوائح المختلفة على عمال المنصات، فإن بعض الأفكار بدأت بالتبلور. فعلى سبيل المثال، كان للحد الأدنى للأجور تأثيرات متفاوتة على المنصات الرقمية، ولم يسهم بالضرورة في زيادة دخل العاملين، وذلك فقاً لما أظهرت مراجعتنا الأخيرة للشواهد والأدلة التي توصلنا إليها.
إلى جانب تنظيم العمل بشكل مباشر، ينبغي على الجهات التنظيمية أن تأخذ في الاعتبار كيف يمكن أن يؤثر تنظيم أسواق المنتجات على رفاهة العمال – وذلك كما ناقشنا في مدونة سابقة من هذه السلسلة. وتكشف الأدلة والشواهد أن بعض المنصات الفردية تتمتع بسلطة سوقية كبيرة على بعض قطاعات سوق العمل، حيث تسيطر على الأسعار وظروف العمل وإمكانية الوصول إلى الخدمات والسوق. وفي مثل هذه الأسواق، يمكن للمنصات أن تتكيف مع اللوائح التنظيمية الجديدة دون المساس بعدد الوظائف، كما يمكن لتنظيم أسواق المنتجات، الذي يستهدف قواعد الدخول إلى السوق، أو تركيز السوق، أو هياكل التسعير، أن يكمل تنظيم العمل بصورة فعالة لتحسين رفاهة العمال.
تستطيع مراصد سوق العمل لعب دور حيوي في توجيه اللوائح التنظيمية الجديدة مع الوقت. ومع متابعة اتجاهات الأجور وساعات العمل وسلوك المنصات والتركيبة الديموغرافية للعمال، تسهم هذه المراصد في تمكين واضعي السياسات من كشف المخاطر مبكراً وتعديل اللوائح التنظيمية تدريجياً بطريقة عملية. وعلى الحكومات أيضاً أن تكفل حق العاملين عبر المنصات في التعليق على المقترحات التنظيمية الجديدة، وأن توفر لهم وسيلة للمشاركة في الحوار الاجتماعي، من خلال حماية حقهم في تكوين الجمعيات والنقابات حتى لو كانوا متباعدين جغرافياً.
إن القرارات التي تتخذها البلدان حالياً سترسم مستقبل التوظيف الرقمي. والعمل عبر المنصات لا يمثل مجرد اتجاه جديد في سوق العمل، بل هو اختبار لنموذج التنظيم الديناميكي والمتكامل الذي ركزت عليه هذه السلسلة من المدونات: نظام يتكيف مع الظروف المتغيرة، ويربط بين مختلف المجالات المؤسسية، ويحقق نتائج أفضل للعمال والشركات على حد سواء.
تناولت هذه المدونة، الثالثة في سلسلة من المقالات، موضوع تنظيم أسواق العمل ومنتجاتها، مستندةً إلى ورقة مناقشة صدرت حديثاً بعنوان "تنظيم العمل القائم على المنصات في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل: نهج مناسب للسياق". وعرضت المدونة الأولى نتائج مراجعة 199 دراسة حول تنظيم أسواق العمل والمنتجات، في حين قدمت المدونة الثانية نهجاً جديداً للسياسات التنظيمية، مستنداً إلى ورقة مناقشة حديثة.
انضم إلى النقاش