في المتوسط، يعمل ما بين نصف إلى ثلثي العاملين في البلدان النامية في قطاع الزراعة والغذاء، سواء في الزراعة أو عمليات التجهيز والتوزيع. ومع توقع ارتفاع الطلب على الغذاء بنسبة 30% بحلول عام 2050، نتيجة تغير أذواق المستهلكين في المناطق الحضرية جزئياً، فهل يمكن أن يصبح هذا القطاع مساراً سريعاً وموثوقاً للحصول على وظائف أفضل؟
في أكتوبر/تشرين الأول، أطلقت مجموعة البنك الدولي مبادرة تحويل القطاع الزراعي (AgriConnect) لمساعدة صغار المزارعين على الانتقال من زراعة الكفاف إلى زيادة الإنتاج وتحقيق فوائض. وتركز هذه المبادرة على بناء المنظومة الصحيحة والمناسبة عن طريق دعم منظمات المنتجين القوية، وتعزيز الروابط بالأسواق، وتحسين وصول المزارعين والشركات الصغيرة إلى التمويل والتكنولوجيا.
وقد يتطلّب تحويل هذا الجزء الذي طال تجاهله من الاقتصاد إلى مصدر لوظائف أفضل اتخاذ خيارات ومفاضلات صعبة. ولتوضيح ماهية هذه الخيارات، يركز التحليل المرتقب للبنك الدولي للعام 2026 حول الوظائف في قطاع الأغذية والزراعة على خمسة أسئلة رئيسية نستعرضها أدناه.
ما الذي نعرفه بشأن الوظائف في قطاع الزراعة والغذاء؟
لا يزال فهمنا للوظائف في هذا القطاع محدوداً على نحو يثير الاستغراب. فغالباً ما يُفترض، على سبيل المثال، أن الشباب يتجنبون الزراعة سواء كانت مربحة أم لا. ومع ذلك، فإن البيانات التي عرضتها إثيوبيا وكينيا ونيجيريا في مؤتمر عُقد مؤخراً ونظمه البنك الدولي وشبكة معاهد بحوث السياسات الزراعية في أفريقيا، وهي شبكة بحوث على مستوى القارة بأكملها، تشير إلى أن مشاركة الشباب في الزراعة تزداد مع زيادة استثمارات الحكومات في هذا القطاع.
ونظراً لأن معظم التحليلات تركز على العائدات من الأراضي وليس العمالة، فإن البيانات الدقيقة المتعلقة بالقوى العاملة في هذا القطاع تبدو غير كافية – من حيث الحجم، والأجور، وظروف العمل، وفئات الوظائف، ونوع الجنس والتركيبة العُمرية، وتوزيع الوظائف بين المناطق الجغرافية، وموقعها في المزارع وسلسلة القيمة الأوسع نطاقاً. كما أننا نحتاج إلى فهم كيفيةِ تطور هذه الوظائف مع نمو الاقتصادات.
ما هي الحلول الناجحة وكيف يمكن توسيع نطاقها؟
يتطلب إنتاج المزيد من الغذاء وإيصاله إلى المستهلكين تأسيس بنية أساسية قوية في المناطق الريفية، ووضع قواعد ولوائح واضحة، واعتماد إجراءات المشاركة في تحمل المخاطر، لاستقطاب الاستثمارات الخاصة للمزارع والصناعات الزراعية. ولكن، كيف يمكن جمع هذه الأولويات وترتيب تسلسل تنفيذها، خصوصاً في ظل نقص التمويل والقدرات؟
في جمهورية الكونغو الديمقراطية، أدت خدمات الإرشاد الزراعي وتوفير المستلزمات الزراعية، إلى جانب تجديد الطرق الريفية، إلى زيادة مباشرة في دخل صغار المزارعين. غير أن نماذج المحاكاة من إثيوبيا تشير إلى أن الاستثمارات في الصناعات الزراعية الصغيرة التي تصل إلى المزارعين من خلال أنشطة تجهيز المنتجات والخدمات اللوجستية والتجميع لها أثر أكبر على توفير الوظائف والحد من الفقر.
يتمثل أحد التحديات الأخرى في تحديد النماذج التي يمكن توسيع نطاقها فعلياً. ففي كينيا، حقق وكلاء المرحلة الأخيرة الذين يقومون بربط المزارعين بموردي المستلزمات الزراعية نتائج واعدة. وينطبق الأمر ذاته على الشركات الكبرى التي تمتلك خططاً لتجميع محاصيل العديد من صغار المزارعين، وكذلك على مجموعات المنتجين التي تعزز القوة التفاوضية للمزارعين، خاصةً في مناطق أمريكا اللاتينية. وغالباً ما يعتمد الاختلاف في الإمكانات على نوع المحاصيل.
ما هي مزايا التكنولوجيا وعيوبها؟
تسهم الميكنة في زيادة الإنتاجية والدخل، ويمكنها الوصول إلى صغار المزارعين من خلال خدمات الاستخدام المشترك - مثل استئجار مضخة متنقلة لبضع ساعات بدلاً من امتلاكها - بالإضافة إلى الأسواق التي توفر الآلات الزراعية بأسعار تناسب قطع الأراضي الصغيرة، مثل الجرارات ذات العجلتين في الهند. ويحدد السياق ما إذا كانت التكنولوجيا تقلل فرص العمل أو توفرها. فعندما تسهم الآلات في تسهيل عملية الزراعة أو الحصاد، يمكن للمزارعين توسيع نشاطهم أو تكثيفه، مما يؤدي إلى توظيف المزيد من العمال.
وفي البلدان الأكثر ثراءً، تتسارع وتيرة ميكنة بعض المهام مثل حصاد البساتين والحلب وتقطيع اللحوم. أما في البلدان منخفضة الدخل، حيث تظل الميكنة محدودة، فإن هذه المهام كثيفة العمالة لا تزال تشكّل المحرك الرئيس لنمو الوظائف. وينبغي أن تركز التدابير الحكومية على تعزيز الكفاءة مع ضمان استفادة صغار المزارعين والعمال في الوقت ذاته، ولا سيما في عصرنا الراهن الذي يعتمد على تطورات الذكاء الاصطناعي.
هل يمكن أن تكون الزراعة المستدامة إستراتيجية رابحة لتوفير الوظائف؟
تفرض الضغوط المناخية والبيئية ضرورة زيادة الإنتاج مع استخدام مساحات أقل من الأراضي والمياه، والحفاظ على سلامة التربة. ويُعرف هذا النهج باسم "التكثيف المستدام"، حيث ينطوي على تكاليف أولية مرتفعة، ومنحنى تعلم شديد الصعوبة، وتأخر في تحقيق المكاسب.
وفي سبعة بلدان أفريقية، غالباً ما كان التكثيف المستدام للنمو يعني المزيد من العمل وانخفاض العائد للأسر. بينما تُظهر دراسة أجريت حول زراعة الفول السوداني في غرب أفريقيا أنه أدى إلى تحقيق مكاسب في إنتاجية العمالة. وهناك حاجة إلى مزيد من الشواهد لفهم كيفية تأثير هذا التحول على الوظائف وما السياسات التي يمكن أن تحفز التكثيف المستدام.
ما أوجه النقص في المهارات التي ينبغي معالجتها؟
في نهاية المطاف، يتطلب ضمان نجاح المزيد من الأشخاص في قطاع الزراعة والصناعات الزراعية، شباباً وكباراً، امتلاكهم للمهارات المناسبة وقدرتهم على الوصول إلى التدريب اللازم. ويبدأ ذلك بتكوين صورة واضحة عن المهارات الناقصة ومواقع نقصها — سواء كان ذلك في المزارع أو خارجها — ومدى قدرة البرامج التدريبية والأدوات الإلكترونية المتاحة حالياً على سد هذه الفجوات بشكل فعال.
وتتناول دراسة عملية حول تطوير مهارات العاملين في قطاع الخدمات الغذائية في كينيا أساليب بسيطة لتقييم الفجوات بين المهارات المطلوبة وتلك التي يتم تدريسها حالياً. ويعتمد البرنامج على الدمج بين التعلم في القاعات الدراسية والخبرة العملية في مواقع العمل لتحسين المهارات الفنية والشخصية، وتعزيز الامتثال لمعايير سلامة الغذاء. وقد أسفر ذلك عن تحسين الرواتب وزيادة مستوى الرضا الوظيفي. وهناك حاجة إلى المزيد من هذا النوع من المبادرات.
انضم إلى النقاش