هذه المدونة هي السابعة ضمن سلسلة مقالات هذا العام لطلاب الدكتوراه عن سوق العمل.
في كل عام ، يموت آلاف الأشخاص أثناء انتظار زراعة الأعضاء. والمعوقات الرئيسية ليست التكنولوجيا أو الخبرة الطبية: ففي العديد من البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، من الممكن زرع الأعضاء من الناحية التقنية (الفنية المتخصصة)، غير أن الأعضاء المتبرع بها المتاحة أقل بكثير من الحاجة. لماذا؟ في تونس، توصلت أبحاثنا إلى أن الناس غالبا ما يفتقرون إلى المعرفة الأساسية حول أساليب وممارسات التبرع بالأعضاء، ويفتقرون إلى الثقة في المؤسسات المسؤولة، ويشعرون بالقلق بشأن الاتجار بالأعضاء والمحظورات الدينية، وهي مخاوف لا أساس لها من الصحة لأن الإسلام يشجع بشدة على التبرع بالأعضاء.
قد لا تكون التغييرات في السياسات هي الحل الصائب دائماً. ففي عام 1991، أدخلت تونس "الموافقة المفترضة"، على غرار العديد من البلدان الأوروبية، التي شهدت زيادات كبيرة في التبرع بالأعضاء بعد أن جعلت التبرع بالأعضاء الخيار الافتراضي. لكن الموافقة المفترضة لا تنجح إلا في المجتمعات التي تتمتع بقدر كبير من الثقة في المؤسسات: ففي تونس، توقع المسؤولون رد فعل شعبي عنيف، وفي التطبيق العملي، يطلبون دائماً موافقة الأسرة عندما تكون خيارات ووصايا المتوفى غير واضحة. ومما يؤسف له أن معدلات رفض الأسر لا تزال مرتفعة. هذا الوضع يجعل تونس تواجه مأزقاً يتمثل في عدم التوازن بين الطلب على الأعضاء والمتاح منها لأن الطلب يفوق العرض بكثير.
نظراً لانخفاض مستويات الوعي والثقة، افترضنا أن الخبراء المحليين سيكونون في أفضل وضع لنشر الوعي بالتبرع بالأعضاء وتعزيز الثقة في المؤسسات الطبية. وتطرح دراسة عن السوق وهذا التخصص قمت بإعدادها سؤالاً عمّا إذا كان التدخل التوعوي الذي يقوده الخبراء يمكن أن يغيّر آراء الشباب ونمط تفكيرهم بشأن التبرع بالأعضاء. والأهم من ذلك، هل يمكن أن يغيّر السلوك بالفعل، بما يؤدي إلى زيادة التسجيل كمتبرعين بالأعضاء؟
التدخل التوعوي
بالتعاون مع المركز الوطني لتشجيع زراعة الأعضاء في تونس، قمنا بتصميم أنشطة توعوية وتقييمها من خلال تجربة عشوائية مضبوطة في إحدى الجامعات التونسية، وشمل ذلك تسجيل 980 طالباً جامعياً في ربيع 2025. وكان هذا الإجراء عشوائياً على مستوى الفصل الدراسي، واستغرق حوالي 30 دقيقة إجمالاً، وتضمن 3 عناصر أساسية:
- شهادة أحد المرضى: مقطع فيديو قصير لأحد المتعافين من عملية زراعة قلب من ريف مدينة باجة.
- جلسة توعوية بقيادة خبراء: حضر أطباء وفنيون إلى الفصول الدراسية لشرح الإجراءات الطبية والإطار القانوني في تونس، وكذلك الأحكام الشرعية المؤيدة للتبرع بالأعضاء.
- جلسة أسئلة وأجوبة: تتيح للمشاركين التعبير عن شكوكهم وطرح الأسئلة على الخبراء.
قمنا بجمع معلومات أساسية تفصيلية (معلومات خط الأساس) قبل القيام بهذا التدخل التوعوي، وتضمن ذلك مقاييس بشأن الشبكة الاجتماعية للطلاب لاختبار أي تداعيات أو آثار. وتؤكد البيانات الأساسية نجاح عملية الاختيار العشوائي. وكان التحدي الرئيسي الذي واجهناه هو قياس السلوك الحقيقي: ففي تونس، يمكن للبالغين الإعلان رسمياً عن رغبتهم في التبرع بالأعضاء بإضافة كلمة "متبرع" إلى بطاقة هويتهم الوطنية، لكن لا يوجد سجل للمتبرعين متاح للجمهور. وبفضل التعاون مع جهاز الشرطة الفنية والعلمية المتخصصة في تونس، تمكنا من طرح وقياس التغييرات في بطاقة الهوية في الحرم الجامعي لمدة يومين بعد هذا التدخل التوعوي.
ما النتائج الرئيسية للتجربة؟
نجاح النشاط التوعوي:
- زيادة تسجيل المانحين. سجّل 11 طالباً من المجموعة التجريبية (المشمولة بالدراسة)، مقابل 3 طلاب فقط في المجموعة الضابطة، وهو ما يعني زيادة قدرها 1.8 نقطة مئوية (الشكل 1، اللوحة أ). وهذا يعني أيضاً أن التسجيل بين أفراد المجموعة التجريبية زاد بأكثر من الضعف مقارنةً بالمجموعة الضابطة.
- تطور المعرفة وتحسينها وارتفاع الثقة في المؤسسات ـ أهم وأبرز الآليات: نستخدم مسحاً تفصيلياً شاملاً لتقييم الآليات المحتملة، كما نقوم بتجميع البنود المختلفة في مؤشرات على النحو المحدد في خطة التحليل المسبق. وقد سجل الطلاب الذين شملتهم الدراسة درجات أعلى بمقدار 1.1 و0.8 انحراف معياري على مستوى المعرفة الطبية والقانونية. وزادت الثقة في المؤسسات بالفعل بمقدار 0.7 انحراف معياري (الشكل 1، اللوحة ب).
تراجع المفاهيم الدينية الخاطئة: أصبح المشاركون أكثر احتمالاً لمعرفة أن الإسلام يشجع على التبرع. ومع ذلك، فإن آلية "المعتقدات الدينية" أقل قوة ولا تصمد أمام التصحيحات لاختبار العديد من الفرضيات (الشكل 1، اللوحة ب).
اللوحة أ. الآثار التقديرية للتدخل التوعوي على تغيير بيانات بطاقة الهوية
حسب الموافقة المتوقعة للأسرة عند خط الأساس
(مستوى المعلومات الأساسية) وبالنسبة للعينة بأكملها.
اللوحة ب. الآثار التقديرية للتدخل التوعوي
على النواتج الثانوية مجمعة في مؤشرات
ملاحظات: تشير *** و * إلى وجود دلالة إحصائية عند مستويي 1% و 10% على التوالي
أهمية الأسرة
من أبرز النتائج التي توصلت إليها هذه الدراسة دور الأسرة. ولأغراض تحليل عدم التجانس، وضعنا مؤشراً لموافقة الأسرة المتوقعة بناءً على توقعات الطلاب عند خط الأساس، ومستوى تعليم الوالدين ومهنتهما (فالآباء الذين يعملون في المهن الطبية هم أكثر ميلاً لدعم التبرع بالأعضاء). وكان الطلاب الذين من المرجح أن توافق أسرهم على التبرع بالأعضاء أكثر احتمالاً بنسبة 7.4 نقطة مئوية لتغيير بيانات بطاقات هويتهم بعد النشاط التوعوي. أما الذين لا توافق أسرهم، فلم يكن للنشاط التوعوي أثر يُذكر.
على الرغم من ضرورة توخي الحذر عند استخلاص استنتاجات سببية بناءً على هذه النتيجة، فإن هذا النمط يتسق مع الأدلة والشواهد النوعية التي تشير إلى أن التبرع بالأعضاء لا يُنظر إليه على أنه قرار فردي في تونس، بل هو قرار أسري. وتؤيد نتائج تحليل عدم التجانس الإضافية التي خلصنا إليها هذا التفسير: فآثار التدخل على تسجيل المتبرعين بالأعضاء مدفوعة في المقام الأول بسلوكيات الرجال، الذين قد يواجهون قيوداً أقل ناجمة عن المواقف الأسرية مقارنةً بالشابات والنساء. ولكي تكون السياسات الرامية إلى زيادة التبرع بالأعضاء فعّالة، يجب الإقرار والاعتراف بدور ديناميكيات الأسرة التي تشكّل قرارات الشباب والتعاطي مع هذه الديناميكيات.
قوة الأقران
كشفت بيانات شبكتنا عن نمط آخر مثير للاهتمام: كان الطلاب الذين حضروا الجلسة جنباً إلى جنب مع أصدقائهم أكثر احتمالاً للتسجيل كمتبرعين بالأعضاء. ومع ذلك، لم نجد أي آثار غير مباشرة كبيرة على الطلاب الذين لم يحضروا. وهذا يشير إلى أن مجرد معرفة شخص حضر الجلسة التوعوية ليس كافياً - فدور الخبير في نقل المعلومات التوعوية الصحيحة يبدو أمراً بالغ الأهمية. ومع ذلك، يبدو أن التجربة المشتركة لحضور الجلسة التوعوية مع الأصدقاء تزيد من التأثير، مما يبرز أهمية السياق الاجتماعي في تشكيل التغيير السلوكي.
الآثار المترتبة على السياسات
يتسم هذا التدخل التوعوي بفاعلية التكلفة، لا سيما عند المقارنة بالتدخلات والعلاجات البديلة مثل غسيل الكلى الذي - إذا كان مجديا من الناحية الطبية - يكون باهظ التكلفة على النظم الصحية ومؤلماً للمرضى. وبالتالي فالسؤال هو: ما الذي يمكن لواضعي السياسات استخلاصه أيضاً من دراستنا؟
- أهمية الأصوات الموثوق بها والداعمة: يمكن للتدخلات التي يقودها خبراء طبيون أن تبني الثقة في المؤسسات، وسيُحدث ذلك أثراً مباشراً على السلوكيات.
- أهمية أخذ ديناميكيات الأسرة في الاعتبار: ففي السياقات غير الغربية، قد يحتاج الشباب إلى موافقة والديهم للتسجيل كمتبرعين بالأعضاء بعد الوفاة. وبالتالي، فإن توسيع نطاق التواصل وأنشطة التوعية ليشمل الآباء والأجيال الأكبر سناً يمكن أن يزيد من أثر التدخل التوعوي. ومن المرجح أن تنطبق هذه النتيجة على قرارات أخرى تتجاوز التبرع بالأعضاء.
- الاستفادة من ديناميكيات الأقران كلما أمكن: الطلاب الذين حضروا جلسة التدخل التوعوي مع أصدقائهم أكثر احتمالاً لأن يصبحوا متبرعين بالأعضاء. يشير ذلك إلى أن هيكلة وتنظيم التدخلات التوعوية بحيث يحضر الأشخاص مع مجموعة تمنحهم الدعم الاجتماعي يمكن أن يعظّم الآثار المرجوة.
أبرز النقاط والعمل المستقبلي
زرع الأعضاء ينقذ الأرواح، ولكن لا يتحقق ذلك إلا إذا أصبح عدد كافٍ من الناس متبرعين. وتشير دراستنا إلى أن التدخلات التوعوية التي يقودها الخبراء والمراعية للسياق العام يمكن أن تُحدث أثراً حتى عندما تكون مستويات الوعي والثقة في المؤسسات منخفضة بشكل عام. ويتميز التدخل التوعوي المقترح بفاعلية التكلفة، مما يجعله خياراً واقعياً على مستوى السياسات في العديد من البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل.
تستند النتائج التي توصلنا إليها إلى شباب في جامعة تونسية واحدة. ويتعين أن يختبر العمل المستقبلي أيضاً ما إذا كان توسيع نطاق هذا النهج خارج الجامعات ممكناً. والسؤال الذي سيظل مفتوحاً هو: هل التأثيرات على المعرفة والثقة ستستمر على المدى الطويل؟ ستسلط دراسة تالية أخرى لأغراض المتابعة في وقت لاحق من هذا العام الضوء على مدى الاستمرارية، وقد حددنا جولة ثانية من التجربة - فترقبوا ما سنصل إليه!
كريستينا سارة هاوزر هي باحثة في مرحلة ما بعد الدكتوراه في كلية كارلو ألبرتو Collegio Carlo Alberto في تورينو بإيطاليا. وقد حصلت على درجة الدكتوراه في الاقتصاد من معهد الجامعة الأوروبية في عام 2025.
لم تكن هذه الدراسة البحثية ممكنة إلا بفضل الدعم الفكري والعملي من المركز الوطني للنهوض بزرع الأعضاء في تونس. ونود أن نعرب عن امتناننا للمركز ، وخاصة للدكتورة بثينة زناد، والدكتورة إيناس جعفر، وخدوجة بن نكيسة، ومجدة الشواشي. كما نخص بالشكر ليلى التريكي، وسناء مامي، وإيمان بوحستين، ولمياء بن فضيلة، وإمناء شاهد، وأعضاء هيئة التدريس في جامعة جنوب البحر الأبيض المتوسط.
انضم إلى النقاش