نشر في أصوات

رحلة التجارة العالمية بين الصعود والهبوط

الصفحة متوفرة باللغة:
رحلة التجارة العالمية بين الصعود والهبوط على الرغم من التقلبات الحادة التي شهدتها التجارة العالمية في السنوات الأخيرة، فقد أثبتت قدرتها الكبيرة على الصمود. | © Shutterstock.com

أثبتت التجارة العالمية قدرتها على الصمود رغم تصاعد النزعة الحمائية والتوترات الجيوسياسية، مدعومة بالتكامل الإقليمي والاتفاقيات التجارية الجديدة.

بعد عقود من التوسع المطرد الذي أسهم في تعزيز النمو العالمي وانتشال الملايين من براثن الفقر، يتعرض النظام الذي يدعم التجارة العابرة للحدود لضغوطٍ شديدة. وحتى قبل ظهور التوترات التجارية بين الأقطاب الاقتصادية الكبرى في وقت سابق من هذا العام، كانت التدابير المقيدة للتجارة قد وصلت إلى مستويات غير مسبوقة. واليوم، أدى مزيج من اضطرابات سلاسل الإمداد إبَّان تفشي الجائحة، وعودة النزعة الحمائية، وتصاعد التوترات الجيوسياسية إلى إيجاد بيئة أكثر غموضاً للتجارة العالمية.

ومع ذلك، فقد أثبت نمو التجارة قدرتها الملحوظة على الصمود حتى الآن هذا العام. وفي الوقت نفسه، أدركت العديد من البلدان الحاجة إلى تعميق التكامل فيما بينها، وأبرمت اتفاقيات تجارية جديدة، لا سيما بين اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية التي تواصل سعيها لأداء دور أكثر فاعلية في تشكيل مستقبل التجارة العالمية.

تزايد القيود

تراكمت القيود على مدى عشر سنوات، وزادت حدتها من خلال فرض زيادات كبيرة في التعريفات الجمركية وإجراءات انتقامية في الاقتصادات الكبرى في الأشهر الأخيرة. وعلى إثر ذلك، ظلت التعريفات الجمركية وحالة عدم اليقين أعلى بكثير من معاييرها التاريخية. ووفقاً لتقرير الإنذار التجاري العالمي، وصل عدد القيود التجارية الجديدة إلى مستوياتٍ قياسيةٍ خلال الفترة 2023–2025، مما أدى إلى عكس مسار عقود من التحرير التدريجي للتجارة.

وفي الأشهر العشرة الأولى فقط من عام 2025، فُرِضَ أكثر من 2500 قيد تجاري حول العالم، وهو ما يمثل ما يقرب من خمسة أضعاف العدد في نفس الفترة من عام 2015 (الشكل 1). وعلى الرغم من إلغاء بعض هذه الإجراءات لاحقاً ووجود مفاوضات جديدة قيد التنفيذ، تستمر الشركات في مواجهة أجواء مضطربة تتسم بزيادة حالة عدم اليقين المتعلقة بالسياسات، وضغوطٍ على سلاسل الإمداد، وتهديدات مستمرة بفرض حواجز جديدة. وقد بلغ متوسط حالة عدم اليقين بشأن سياسات التجارة العالمية في عشرينيات القرن الحالي نحو خمسة أضعاف مستوياته المُسجلة في العقد الأول منه.

 

يتعرض النظام التجاري متعدد الأطراف نفسه لضغوط كبيرة؛ إذ لا تزال آلية تسوية المنازعات التابعة لمنظمة التجارة العالمية مُعطَّلة، فيما تباطأ التقدم نحو إصلاحات أوسع نطاقاً. وتراجع الإقبال على إبرام اتفاقيات تجارية شاملة بشكل ملحوظ، إذ لم توقَّع سوى نحو ست اتفاقيات سنوياً خلال الفترة من 2020 إلى 2024، أي أقل من نصف وتيرة العقد الأول من القرن الحالي، في حين يبدو أن الاتجاه نحو فرض القيود لا يتوقف (الشكل 2).

وقد حدثت هذه التطورات في ظل تزايد حالات الاستياء العام. ويُعتقد الآن على نطاق واسع أن العولمة أسهمت في توزيع المنافع والمزايا بشكل غير متكافئ وأتاحت انتهاج ممارسات غير عادلة. وقد أدّت هذه التصورات إلى إثارة ردود أفعال عنيفة أضعفت التأييد السياسي للتجارة المفتوحة وزادت من حالة عدم اليقين. ولا يُستغرب أن يتزامن ضعف التجارة طويل الأمد مع تباطؤ واضح في الاستثمار.


التجارة العالمية القادرة على الصمود

على الرغم مما سبق، أثبتت التجارة العالمية قدرة كبيرة على الصمود هذا العام. ففي عام 2025، توسعت أحجام تجارة السلع العالمية بمعدل شهري بلغ متوسطه 4.7% حتى شهر أغسطس/آب، وهو تسارع كبير مقارنة بمتوسط بلغ 2.7% في عام 2024 وانتعاش قوي بعد انكماش بنسبة 0.7% في عام 2023 (الشكل 3). وقد تجنبت تجارة السلع الانكماش الحاد الذي أعرب الكثيرون عن مخاوفهم بشأن حدوثه مطلع هذا العام. 

 

قامت الشركات بتكييف سلاسل الإمداد للاستفادة من الأفضليات التجارية القائمة، وبناء مخزونات كافية تمكنها من التعامل مع حالة عدم اليقين السائدة، مما قلل من انتقال التكاليف المرتفعة إلى المستهلكين. أما تجارة الخدمات - التي بقيت بمعزل إلى حد كبير عن الزيادات الأخيرة في تكاليف التجارة - فقد ظلت قويةً، لا سيما في قطاع خدمات الأعمال والمعلومات.

وعلى الرغم من ذلك، تشير المؤشرات الرئيسية إلى فقدان الزخم في التجارة العالمية. وتظهر المسوحات الاستقصائية لطلبيات التصدير الجديدة تراجع الطلب الخارجي، مع تلاشي الدَفعَة المؤقتة للواردات المُعَجًّلة التي سبقت رفع الرسوم الجمركية في أبريل/نيسان وأغسطس/آب. ويبين مؤشر مديري المشتريات للصناعات التحويلية العالمية أن طلبيات التصدير الجديدة تراجعت مرة أخرى إلى منطقة الانكماش في أبريل/نيسان، بعد انتعاش قصير شهدته في مارس/آذار 2025.

الاقتصادات النامية: اندماج أوسع في التجارة العالمية وتَعرُضٌ أكبر للمخاطر

أصبحت اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية اليوم أكثر اندماجاً في التجارة العالمية مقارنة ببداية القرن الحادي والعشرين. وخلال العقد الماضي، استحوذت هذه الاقتصادات على نحو 40% من التجارة العالمية، بعدما كانت لا تتجاوز 25% في مطلع القرن الحالي. وبين عامي 2000 و2024، تضاعفت التجارة العالمية في السلع والخدمات أربع مرات تقريباً، وساهمت الاقتصادات الصاعدة والنامية بأكثر من 40% من هذا النمو.

وباتت اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية تتبادل التجارة فيما بينها بوتيرة متزايدة. فاعتباراً من عام 2024، تصدّر نحو 60% من هذه الاقتصادات إلى اقتصادات مماثلة أكثر مما تصدره إلى اقتصاداتٍ متقدمة، مقارنة بنحو 28% فقط في عام 2000. وقد تفوقت صادراتها السلعية إلى اقتصاداتٍ مماثلة بشكل مستمر على نظيراتها إلى الاقتصادات المتقدمة. وبهذه الروابط المتعمقة  داخل اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية، أصبحت دعامةً رئيسيةً لنظام التجارة العالمي.

تجدد الزخم في الاتفاقيات التجارية

عاد الزخم هذا العام إلى المفاوضات الثنائية والإقليمية للمرة الأولى في عشرينيات القرن الحالي. وتم توقيع أكثر من اثنتي عشرة اتفاقية، ومن المرجح أن يرتفع العدد الإجمالي بحلول ديسمبر/كانون الأول، ليعادل تقريباً ضعف متوسط العدد السنوي المسجل خلال الفترة 2020-2024 وأعلى من متوسط العقد الثاني من القرن الحالي. وتتجه الحكومات إلى تنويع شركائها، وتقوية سلاسل الإمداد الإقليمية، والحد من التأثر بالتجزؤ العالمي.

وتواصل الاتفاقية الشاملة والتدريجية للشراكة عبر المحيط الهادئ توسعها، مما يجذب أعضاء جدداً ويستقطب طلبات انضمامٍ جديدة. ومنذ دخولها حيز التنفيذ في عام 2019 بتوقيع 22 بلداً، توسعت منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية لتشمل 55 بلداً، مما يجعلها أكبر منطقة للتجارة الحرة في العالم من حيث عدد البلدان المشاركة. وللمنطقة هدفٌ طموحٌ يتمثل في إنشاء سوقٍ قاريةٍ واحدة للسلع والخدمات.

وفي الوقت نفسه، وقع الاتحاد الأوروبي اتفاقيات مع كتلة "ميركوسور" التجارية والمكسيك وإندونيسيا وأحرز تقدماً في المفاوضات مع الهند، كما أبرمت بلدان منطقة التجارة الحرة الأوروبية اتفاقياتٍ جديدة مع العديد من الأسواق الصاعدة، وقامت الصين ورابطة أمم جنوب شرق آسيا بتحديث اتفاقية التجارة الحرة بينهما، بينما قامت الولايات المتحدة بإبرام صفقاتٍ انتقائية بهدف إعادة التوازن في العلاقات التجارية واستعادة الثقة بين الشركاء الرئيسيين.

ويتسم الدافع وراء تجدد هذا الزخم بالوضوح. فمع إعادة تشكيل سلاسل القيمة العالمية، يمكن لاتفاقيات التجارة التفضيلية أن تسهم في تأمين الوصول إلى الأسواق، وتعزيز القدرة التنافسية، بالإضافة إلى جذب الاستثمارات. وفي الواقع، أثبتت التجارة بين البلدان الأعضاء في الاتفاقيات الإقليمية أنها أكثر قدرة على الصمود مقارنة بالتجارة خارج هذه الاتفاقيات.

ولا تزال هناك تحديات قائمة. فبعض الاتفاقيات لم يتم التصديق عليها بعد، كما أن التأخر في تنفيذ بعضها الآخر أدى إلى إبطاء تحقيق التقدم الملموس. وقد يؤدي تداخل الالتزامات وتعقيدات قواعد المنشأ إلى الحد من الاستخدام الفعَّال للأفضليات التجارية، مما يسفر عنه تشابك شديد في قواعد التجارة. كما أن انتشار المعايير المتباينة يهدد بزيادة تجزؤ النظام متعدد الأطراف. غير أن تجدد التوجه نحو تحقيق التكامل الإقليمي يؤكد على حقيقة رئيسية، ألا وهي أن البلدان لا تتراجع عن التجارة، بل تكيّف أوضاعها مع المشهد العالمي المتغيّر.

أولويات السياسات بالنسبة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية

في هذه البيئة التي تتسم بعدم اليقين، يتعين على اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية انتهاجَ سياساتٍ تسهم في تدعيم تكاملها وتعزيز قدرتها على الصمود. وفي هذا السياق، تبرز أربع أولويات رئيسية نبينها أدناه.

تعزيز التكامل: بدلاً من اللجوء إلى السياسات الحمائية الانتقامية، ينبغي على اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية تعزيز تعاونها مع الشركاء الراغبين. وتؤكد المبادرات الإقليمية الأخيرة الإمكانيات الكبيرة لتحقيق ذلك. فإذا نُفِّذت تدابير منطقة التجارة الحرة الأفريقية لتيسير التجارة وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر بالكامل، فقد تزيد صادرات أفريقيا بأكثر من 30% ويتضاعف حجم التجارة البينية الإقليمية بحلول عام 2035. وبالمثل، في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، فإن خفض تكاليف التجارة وتحرير قواعد المنشأ في إطار الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة يمكن أن يؤدي إلى يزيد التجارة بين أعضائها الخمسة عشر بنسبة 12% ورفع مستويات الدخل الحقيقي بنسبة 2.5% بحلول عام 2035. وتوفر اتفاقيات التجارة العميقة— التي تتناول حواجز السياسات الداخلية إلى جانب التعريفات الجمركية— مكاسب أكبر.

خفض تكاليف التجارة وتحسين الأوضاع المحلية: لا تزال تكاليف التجارة غير الجمركية، بما في ذلك الإجراءات البيروقراطية والصعوبات اللوجستية وغيرها، مرتفعة بشكلٍ ملحوظٍ في اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية، بما يعادل تعريفات جمركية تزيد بنحو 50 نقطة مئوية مقارنةً بمثيلتها في الاقتصادات المتقدمة. ويمكن أن تسهم الاستثمارات في النقل والموانئ والبنية التحتية الرقمية في تضييق هذه الفجوات، في حين أن الإصلاحات الرامية إلى رفع كفاءة إجراءات الجمارك والخدمات اللوجستية والامتثال التنظيمي يمكن أن تحقق مكاسب سريعة. كذلك يؤدي خفض تكاليف التجارة مباشرةً إلى تعزيز القدرة التنافسية وزيادة مستويات الدخل الحقيقي.

توظيف السياسات الصناعية بشكل إستراتيجي مع تنويع الأنشطة: تشهد السياسات الصناعية عودة إلى المشهد، لكن اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية بحاجة إلى تطبيقها بحكمة. ويجب أن تكون الإجراءات التدخلية محددة الأهداف، وشفافة، ومرتبطة بإطار زمني واضح، ومتوافقة مع قواعد منظمة التجارة العالمية. وعندما تكون هذه السياسات جيدة التصميم، يمكنها أن تسهم في تعزيز التعلم، وتشجيع الابتكار، وتوفير الوظائف دون الإخلال بآليات السوق. وينبغي أن تراعي السياسات أيضاً النموَ السريع في تجارة الخدمات، ولا سيما في مجالات الخدمات الرقمية، وخدمات الأعمال، والخدمات المعلوماتية.

بين عامي 2005 و2023، زادت قيمة تجارة الخدمات بأكثر من ثلاثة أضعاف (الشكل 4). ولاغتنام هذه الفرص، ينبغي على اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية الاستثمار في رأس المال البشري والبنية التحتية الرقمية، بما يضمن اكتساب العمال المهارات التي يتطلبها الاقتصاد القائم على الخدمات.

 

تعزيز نظام تجاري متعدد الأطراف قائم على القواعد: لدى اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية مصلحة في إحياء نظام تجاري متعدد الأطراف قائم على القواعد وقابل للتنبؤ. فقد أدى انخفاض تكاليف التجارة المرتبط بإصلاحات منظمة التجارة العالمية بين عامي 1995 و2020 إلى نمو إجمالي الناتج المحلي العالمي بنحو 7%، وبأكثر من 30% في البلدان منخفضة الدخل.  وتواصل المؤسسات متعددة الأطراف تعزيز الحوار للتخفيف من حالة عدم اليقين المحيطة بسياسات التجارة والاستثمار.

 

التجارة الدولية محرك حيوي دائم الأثر

على مدى عقود، ظلّت التجارة الدولية محركاً رئيسياً للتقدم في اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية، إذ أسهمت في تعزيز نمو الناتج والإنتاجية، وخفض معدلات الفقر، وتمكين هذه الاقتصادات من الصعود في سلاسل القيمة. كما لعبت دوراً محورياً في نشر المعرفة وتعميق اندماجها في شبكات الإنتاج العالمية.

شهد نظام التجارة العالمي في السنوات الأخيرة تقلباتٍ حادة بفعل النزعة الحمائية، وصدمات الجائحة، والانقسامات الجيوسياسية. ولم يعد مناخ التجارة مواتياً للنمو التقليدي القائم على الصادرات كما كان في السابق. ومع ذلك، أثبتت التجارة قدرة لافتة على الصمود، إذ تُبرم حالياً اتفاقيات جديدة، وتُعاد هيكلة سلاسل القيمة، ويعاد ضبط السياسات التجارية لتواكب المخاطر والحقائق الراهنة.

وحتى في ظل هذه التحولات، تظل منافع الانفتاح التجاري واضحة لا لبس فيها. وبالنسبة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية، فإن استمرار الانخراط في التجارة العالمية ليس مجرد إستراتيجية تنموية، بل هو ضرورة حتمية. ومن خلال الاستثمار في تعزيز القدرة التنافسية، وتقوية الروابط الإقليمية والعالمية، والحفاظ على أنظمة مفتوحة وقابلة للتنبؤ، يمكن لهذه الاقتصادات تحويل المشهد المضطرب في الوقت الحاضر إلى أساسٍ للانطلاق نحو تحقيق نمو اقتصادي مستدام في المستقبل.

 

هذه المدونة هي مقالة سبق نشرها على موقع الكتاب السنوي لاتحاد بيرن، ونُشرت لأول مرة في 9 ديسمبر/كانون الأول 2025 


أيهان كوسى

نائب رئيس الخبراء الاقتصاديين بمجموعة البنك الدولي ومدير مجموعة آفاق اقتصاديات التنمية

ألين مولابديك

خبير اقتصادي في الممارسات العالمية للاقتصاد الكلي والتجارة والاستثمار بالبنك الدولي

انضم إلى النقاش

محتوى هذا الحقل سيظل خاصاً بك ولن يتم عرضه للعامة
الأحرف المتبقية: 1000