نشر في أصوات

توظيف الذكاء الاصطناعي لتعزيز كفاءة وعدالة الرعاية الصحية في منطقة إفريقيا جنوب الصحراء

الصفحة متوفرة باللغة:
توظيف الذكاء الاصطناعي لتعزيز كفاءة وعدالة الرعاية الصحية في منطقة إفريقيا جنوب الصحراء يقدّم الذكاء الاصطناعي أدوات قوية من شأنها أن تُحسّن أنشطة تمويل الخدمات الصحية، لتُصبح أكثر كفاءة وإنصافاً وشفافية. حقوق الطبع والنشر: دومينيك شافيز/البنك الدولي

يمكن للذكاء الاصطناعي، إذا تم تطبيقه على نحو مسؤول، أن يسهم في تسريع وتيرة استثمارات القطاع الصحي في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء من خلال تعزيز الكفاءة والإنصاف والشفافية في تمويل الخدمات الصحية. وخلال المنتدى رفيع المستوى بشأن التغطية الصحية الشاملة الذي انعقد في طوكيو يوم 6 ديسمبر/كانون الأول 2025، أعلنت البلدان عن 15 ميثاقاً وطنياً للصحة، حيث يُعطي العديد منها الأولوية للتحول الرقمي واستخدام الأدوات الرقمية لتعزيز الأنظمة الصحية. تتجلى أهمية هذه الخطوات نظراً لاستمرار ضعف الاستثمار الصحي في المنطقة؛ ففي عام 2022، أنفقت الحكومات ما يعادل 2% فقط من إجمالي الناتج المحلي على الصحة (الشكل 1)، وهذا المعدل أقل من نصف المستهدف الطموح الذي يبلغ 5%، وأقل بكثير مقارنة بمناطق أخرى مثل أمريكا الشمالية (9%) وأوروبا وآسيا الوسطى (7%). 

الشكل 1: الإنفاق الحكومي العام المحلي على الصحة (كنسبة مئوية من إجمالي الناتج المحلي)

 

The World Bank

 

 

المصدر: البنك الدولي، مؤشرات التنمية العالمية

الفجوات التمويلية المستمرة

يشير تحليل أجراه البنك الدولي (2025) إلى أن تحقيق التغطية الصحية الشاملة يتطلب تخصيص 60 دولاراً أمريكياً للفرد في البلدان منخفضة الدخل، و90 دولاراً في البلدان المصنفة ضمن الشريحة الدنيا للبلدان متوسطة الدخل. وفي عام 2024، بلغ المعدل الوسيط لتمويل نصيب الفرد في البلدان منخفضة الدخل نحو 17 دولاراً أمريكياً من التمويل الصحي الحكومي ودعم المانحين خارج الموازنة، بينما بلغ المعدل نفسه في الشريحة الدنيا من البلدان متوسطة الدخل حوالي 47 دولاراً أمريكياً، مما يعكس فجوة تمويل تقدر بنحو 43 دولاراً لكل فرد. وعلى الرغم من هذه المعايير تعتبر عالمية، فإنها وثيقة الصلة بمنطقة أفريقيا جنوب الصحراء، حيث تنتمي معظم البلدان إلى هاتين الفئتين من فئات الدخل.

أسهم النقص المزمن في الاستثمار في الحد من إمكانية الوصول إلى الخدمات الأساسية، وارتفاع معدلات الأمراض التي يمكن الوقاية منها، والتسبب في أزمات مالية كبيرة للأسر المعيشية. وعلى الرغم من التزام إعلان أبوجا بتخصيص 15% على الأقل من الموازنات الوطنية للصحة، فإن معظم بلدان منطقة أفريقيا جنوب الصحراء لا تزال بعيدة عن تحقيق هذا المعيار؛ إذ لم يتجاوز متوسط الإنفاق 11% بحسب أحدث البيانات المتاحة لعام 2019. ويتفاقم هذا التحدي نتيجة تراجع التمويل الصحي المقدم من الجهات المانحة، وعدم ارتفاع الإنفاق المحلي بالوتيرة المطلوبة لسد الفجوة بشكل فعّال.

أهمية الذكاء الاصطناعي في تمويل الرعاية الصحية

يمثل توفير التمويل الصحي الفعّال ركيزة أساسية لبناء أنظمة صحية قادرة على الصمود وتحقيق التغطية الصحية الشاملة. كما يتيح الذكاء الاصطناعي أدوات قوية لتعزيز الوظائف الأساسية الثلاث للتمويل الصحي، ألا وهي تحصيل الإيرادات، وتجميع الموارد والأموال والمخاطر، والشراء.

1. يمكن أن يدعم الذكاء الاصطناعي إستراتيجيات زيادة الإيرادات

يمثل الذكاء الاصطناعي أداة فعالة تدعم عملية التخطيط وتخصيص الموارد في مجال التمويل الصحي، حيث يسهم في تحسين دقة التوقعات المستقبلية لاحتياجات التمويل الصحي مقارنةً بالنماذج الإحصائية التقليدية. وعلى الرغم من أن نماذج المحاكاة الخاصة بإصلاح السياسات مثل فرض ضرائب على خدمات الرعاية الصحية أو توسيع نطاق تغطية التأمين أو إعادة توجيه الدعم الحكومي على الوقود قد ظهرت منذ زمن طويل، فإن الذكاء الاصطناعي يعزز فاعلية تلك النماذج من خلال معالجة كميات ضخمة ومعقدة من البيانات وإصدار توقعات أسرع وأكثر تكيفاً. وتمكّن تلك القدرات الحكومات من التخطيط الإستراتيجي وتخصيص الموارد بكفاءة عالية. وبالإضافة إلى الدور الذي يلعبه في التخصيص، يدعم الذكاء الاصطناعي أيضاً تحسين الامتثال في إدارة الضرائب عبر الكشف عن الأنماط الشاذة وتعزيز إجراءات الإنفاذ.

تستخدم البنوك والمؤسسات المالية في نيجيريا تقنيات وأدوات الذكاء الاصطناعي لفهم المخاطر الائتمانية وإدارتها بشكل أدق، بالإضافة إلى التنبؤ بالتوجهات المالية المستقبلية. وبالمثل، تساهم هذه التقنيات والأدوات في تحسين عمليات تحصيل الإيرادات لصالح تمويل الرعاية الصحية. فعلى سبيل المثال، يمكن لشركات التأمين وهيئات شراء الخدمات الصحية تطبيق نماذج تنبؤية لتقدير إيرادات أقساط التأمين، وتحديد أنماط الاشتراكات المتأخرة أو المفقودة. ويمكن أن تساعد نماذج محاكاة السيناريوهات في اختبار القدرة على تحمل التقلبات في تدفقات الإيرادات في ظل التغيرات المختلفة في السياسات، مثل التعديلات في أسعار الأقساط أو هياكل الدعم، وضمان قدر أكبر من القدرة على التنبؤ والاستقرار.

2. استخدام الأموال في الأغراض الضرورية للغاية

يهدف نظام تجميع المخاطر إلى توفير الحماية المالية للأفراد وتعزيز مبدأ العدالة في الحصول على الخدمات الصحية. ويتيح الذكاء الاصطناعي قدرة متقدمة على تحليل البيانات المعقدة المرتبطة بالعوامل الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية والمعلومات الصحية، لتحديد الفئات الفقيرة أو الأكثر احتياجاً التي يمكن أن تحقق أكبر استفادة من الدعم المستهدف أو برامج التأمين الصحي. وبذلك يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في تصنيف السكان وفقاً للمخاطر والحالة الصحية والمؤشرات الاقتصادية، مما يتيح للحكومات توجيه المساندة لمن هم في أشد الاحتياج إليها. ووفقًا لتحليلات البنك الدولي، فإن تركيز واستهداف الدعم للفئات الأقل دخلاً يسهم في تعزيز العدالة في توزيع أموال الصناديق المشتركة.

يتيح دمج برامج صحة الأم والطفل المجانية في أنظمة التأمين الصحي الوطنية في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء فرصة لتعزيز العدالة والاستدامة. وفي حين أن الاستحقاق الشامل يضمن إتاحة الخدمات للجميع، فإنه غالباً ما يُرهق الموارد ويترك أشد الفئات عُرضة لمواجهة مخاطر المعوقات غير المعروفة. ويُعد استخدام الذكاء الاصطناعي وسيلة لإحداث تحوّل نوعي في هذا النهج عبر تمكين استهداف الدعم بصورة دقيقة وإيصاله إلى مستحقيه، والتنبؤ بالأسر المُعرضة لمخاطر الإنفاق الصحي الكارثي، وتحسين عملية تخصيص الموارد. ومن خلال دمج بيانات السجل الاجتماعي والمؤشرات الجغرافية وأنماط استخدام خدمات الرعاية الصحية، يمكن للأنظمة التي تستخدم الذكاء الاصطناعي أن تدعم الحكومات في الحفاظ على التغطية الشاملة مع التركيز على تقديم الخدمات لمن هم في أمس الحاجة إليها.

على سبيل المثال، أقام البنك الدولي شراكة مع حكومة توغو لتطوير آليات استهداف تقديم المساعدات النقدية في إطار جهود الاستجابة والتصدي لجائحة كورونا تحت مظلة منصة نوفيسي الرقمية للتصدي لصدمة جائحة كورونا، وبالتعاون مع جامعة كاليفورنيا في بيركلي، ومؤسسة Give Directly. ساهم هذا النهج في تجميع الأساليب المبتكرة لاستخدام بيانات الهواتف المحمولة وصور الأقمار الصناعية لتحديد الأسر الأكثر احتياجاً، وأدى ذلك إلى تحقيق معدلات دقة تتفوق بكثير على الطرق الجغرافية التقليدية. وأظهرت نتائج هذه الجهود - التي نُشرت في مجلة نيتشر عام 2022 - تحسناً كبيراً في إيصال الدعم إلى الفئات السكانية الأكثر احتياجاً. وقد ساهم هذا المشروع التجريبي في تقليل أخطاء الاستبعاد، وأتاح تقديم أوجه المساندة بشكل أسرع ودون تلامس، مما أسهم في تعزيز الجهود القائمة لتقوية أنظمة الحماية الاجتماعية في منطقة غرب أفريقيا.

3. ربط المدفوعات بالنتائج

يمكن للذكاء الاصطناعي تمكين الأنظمة الصحية من ربط المدفوعات مباشرةً بالنواتج المحققة بالنسبة للمرضى. فمن خلال تحليل النتائج الإكلينيكية (السريرية)، وتكاليف العلاج، وبيانات الصحة السكانية، يسهم الذكاء الاصطناعي في تتبع أداء مقدمي الخدمات، وتوجيه المدفوعات وفق الاحتياجات الحقيقية للمجتمعات، وأتمتة الحسابات المعقدة، وحتى اكتشاف أنماط الاحتيال المحتمل. وقد قام الباحثون باستخدام تقنية تعلم آلي تُعرف باسم "الغابات العشوائية" للتنبؤ بالمرافق الصحية والمستشفيات عالية المخاطر لإجراء أعمال المراجعة والتدقيق بشأنها في إطار برنامج التمويل القائم على الأداء في زامبيا، وقد تحققت معدلات دقة بلغت 88% وتم خفض تكاليف التحقق بنسبة الثلثين مقارنةً باستخدام العينات العشوائية، مما جعل أعمال المراجعة التدقيق أكثر ذكاءً وأقل تكلفة وأعلى كفاءة.

 

الشكل 2: تمويل صحي أكثر ذكاءً باستخدام تقنيات وأدوات الذكاء الاصطناعيThe World Bank

لتحقيق الاستفادة القصوى من الذكاء الاصطناعي في تمويل القطاع الصحي وتحقيق هدف توفير خدمات صحية جيدة وبتكلفة ميسورة لنحو 1.5 مليار شخص بحلول عام 2030، يتعين على حكومات بلدان منطقة أفريقيا جنوب الصحراء الاستثمار في البنية التحتية الرقمية وتحسين جودة البيانات وبناء قدرات القوى العاملة، مع ضمان استخدام الذكاء الاصطناعي على نحو أخلاقي ومسؤول. ويتيح تبني الذكاء الاصطناعي للحكومات فرصة تحسين الكفاءة والعدالة والشفافية في تمويل الخدمات الصحية، مما يضع الأساس لإطلاق أنظمة صحية أكثر قوة. وتعد مبادرة المهمة 300 من البنك الدولي، التي تستهدف إيصال الكهرباء إلى 300 مليون شخص بحلول عام 2030، خطوة محورية نحو التحول الرقمي.


انضم إلى النقاش

محتوى هذا الحقل سيظل خاصاً بك ولن يتم عرضه للعامة
الأحرف المتبقية: 1000