نشر في أصوات

إدارة المياه: السبيل لتوفير الطعام وخلق فرص العمل في المستقبل

الصفحة متوفرة باللغة:
إدارة المياه: السبيل لتوفير الطعام وخلق فرص العمل في المستقبل مزارع في دلتا نهر ميكونغ بفييتنام يستخدم مضخة مياه وأجهزة استشعار ترصد مستويات المياه وترسل البيانات إلى هاتفه، لتحسين ري محاصيل الأرز التي تستهلك الكثير من المياه. مصدر الصورة: Linh Pham/ البنك الدولي.

بحلول عام 2050، سيحتاج 10 مليارات شخص إلى الغذاء، فيما سيبحث مئات الملايين عن وظائف أفضل وسبل أكثر استقراراً لكسب العيش. والمياه هي السبيل لتحقيق هاتين الغايتين، فإدارة المياه على نحو أكثر ذكاءً يمكن أن تدعم النظم الغذائية لزيادة الإنتاج على نحو أكثر استدامة، بالتوازي مع خلق فرص العمل ورفع الدخل وتحفيز النمو الاقتصادي الشامل.

وللوهلة الأولى، قد يبدو الأمر مجرد أزمة شح في المياه. غير أن الأدلة والشواهد تكشف عن تحدٍّ أعمق وأوسع، وفي الوقت نفسه فرصة حقيقية، تتمحور حول كيفية إدارة المياه لدعم إنتاج الغذاء وخلق فرص العمل والوظائف وتحقيق النمو.

ومما لا شك فيه أن الزراعة العالمية واحدة من أعظم منجزات البشرية، إذ تُطعم مليارات الأفواه كل يوم. بيد أنه مع تنامي أعداد السكان بنحو 200 ألف شخص يومياً، واشتداد وطأة الإجهاد المائي الناجم عن تغير المناخ، يبرز تساؤل جوهري: هل نستطيع الحفاظ على إنتاج الغذاء مع دعم سبل كسب العيش وتحقيق النمو الاقتصادي في آنٍ واحد؟

إن التحدي الحقيقي لا يكمن في حجم المياه المتاحة، بل في التفاوت الصارخ في طريقة استخدامها لإنتاج الغذاء حول العالم. فبعض المناطق تُهدر ثروتها المائية الوفيرة دون استثمار، فتُعيق بذلك النمو وتضيّق فرص العمل وتقلل الدخل. في المقابل، تواصل مناطق أخرى إنتاج الغذاء عبر استنزاف موارد مائية شحيحة أصلاً، بل إنها تُصدّر أحياناً محاصيل لا تقوى بيئتها على استدامتها.

وهذا الخلل ليس قدراً محتوماً، بل هو انعكاس لخيارات تخص السياسات والاستثمارات، وفي الإمكان معالجته.

تبدأ الإجابة من طريقة إدارتنا للمياه، إذ يُظهر تقرير "التغذية والازدهار" الصادر عن مجموعة البنك الدولي أن الإدارة الأكثر ذكاءً للمياه في قطاع الزراعة تمثل ركيزة محورية في مواجهة هذا التحدي.

تنطلق البلدان من نقاط بداية متباينة تبايناً حاداً في ما يخص المياه وإنتاج الغذاء؛ فبعضها يمتلك ثروات مائية وافرة وإمكانات زراعية لم تُستثمر بعد، في حين يعاني بعضها الآخر من وطأة إجهاد مائي حاد، ويسعى إلى توظيف كل قطرة ماء بأعلى قدر ممكن من الكفاءة.

وتعتمد بعض البلدان على الواردات الغذائية كإستراتيجية اقتصادية مقصودة، في حين يجد بعضها الآخر نفسه رهين الاستيراد لا باختيار، بل بفعل الضرورة، إذ تكبّله البنية التحتية المتهالكة والإمكانات الزراعية المُهدرة. وثمة بلدان أخرى تتربع في مصافّ المصدرين الكبار الذين يرسمون ملامح الأسواق العالمية.

ولهذه الفوارق أهميتها البالغة. فالمضي قُدُماً لا يعني وصفة واحدة تصلح للجميع، بل يعني تحقيق اتساق أعمق بين المياه وإنتاج الغذاء والأولويات الاقتصادية، على نحو يلائم واقع كل بلد وخصوصيته وسياقه.

وفي المناطق التي يتذبذب فيها هطول الأمطار وتشحّ موثوقيتها، يمكن للري المستدام أن يزيد من إنتاج الغلة بصورة كبيرة، بل قد يتجاوز مضاعفتها في أحيان كثيرة. ويُضاف إلى ذلك قدرته على خلق ما لا يقل عن 245 مليون وظيفة حول العالم، ولا سيما في البلدان التي لا تزال فيها الزراعة عماد سبل كسب العيش.

الإدارة الرشيدة للمياه: قاطرة للوظائف والنمو، بل وتسهم في وفرة الغذاء.

يستلزم تحويل هذه الإمكانات إلى نتائج ملموسة ثلاثة تحولات جوهرية.

أولاً: تعزيز التنسيق والقيادة. تتعامل البلدان التي نجحت في تحويل منظومات المياه الزراعية مع المياه باعتبارها قضية إستراتيجية، إذ تجمع قطاعات الزراعة والبيئة والتمويل ومؤسسات المياه والمجتمع الأوسع حول رؤية مشتركة وموحّدة.

ثانياً: توجيه الحوافز والخدمات نحو تحسين الأداء. كثيراً ما يكافئ الإنفاق العام الإفراط في استهلاك الموارد أو يقف عند حدود البنية التحتية دون أن يتجاوزها. والفرصة المتاحة هي التركيز على تقديم خدمات موثوقة مع تحديد مساءلة واضحة عن النتائج. فمع السياسات والأطر التنظيمية الملائمة، تستطيع الحكومات جذب مشاركة القطاع الخاص وتوسيع نطاق الاستثمارات وتحقيق مكاسب حقيقية للمزارعين.

ثالثاً: توظيف البيانات والتكنولوجيا في توجيه القرارات. لا تزال كثير من القرارات تُتخذ في ظل معلومات منقوصة. وتوسيع نطاق بيانات الأقمار الاصطناعية والأدوات الرقمية والأنظمة المفتوحة كفيل بتحسين التخطيط وتعزيز المساءلة وترشيد استخدام المياه.

تتشكّل هذه التحولات فعلاً في بلدان شتى حول العالم. ففي الأردن، تكشف الشراكات بين القطاعين العام والخاص، على سبيل المثال لا الحصر، محطة السمراء لمعالجة مياه الصرف، كيف يمكن لعقود الامتياز طويلة الأمد أن تستقطب الاستثمار الخاص وتزيد في الوقت ذاته من توافر المياه المعالجة للري وسائر الاستخدامات الإنتاجية. وفي نيجيريا، عزّز مشروع تحويل إدارة الري ممارسات الري الذكي، فضلاً عن المساهمة في توسيع رقعة الأراضي المروية، محققاً إنتاجاً زراعياً يكفي لإطعام ما يقرب من مليون نسمة، في مقدمتهم الأسر الزراعية والمجتمعات الريفية. أما في تركيا، فيعمل مشروع تحديث الري على استبدال قنوات الري المفتوحة القائمة لتحل محلها شبكات أنابيب مدفونة تحت الأرض تحدّ من الفاقد المائي وتصون المياه الجوفية.

واللافت أن مبادرة "التغذية والازدهار" توثق وترصد كثيراً من هذه الحلول، وتكشف كيف تُوسِّع البلدان نطاق الري بصورة مستدامة حيثما تتوفر المياه، وتُعزِّز إنتاجية المياه حيثما تشحّ، وتستقطب رأس المال الخاص عبر سياسات أكثر قوة وشراكات راسخة وهادفة وآليات فاعلة للمشاركة في تحمل المخاطر.

وتتخطى المنافع حدود الزراعة وحدها، لتمتد إلى آفاق أرحب وأعمق أثراً.

ولهذا تُطلق مجموعة البنك الدولي مبادرة "المياه للمستقبل" – بوصفها تحركاً إستراتيجياً طموحاً يستهدف تحويل المياه من مصدر للمخاطر إلى محرّك لخلق فرص العمل وتعزيز النمو وبناء القدرة على الصمود.

ولا يقتصر إطعام الأجيال القادمة على زيادة الإنتاج فحسب، بل اتخاذ خيارات أكثر ذكاءً وأجدى في الحاضر.

وحين تتكامل المياه والغذاء والاستثمار في منظومة واحدة، تستطيع البلدان تحقيق الأمن الغذائي وخلق فرص العمل ودعم النمو على كوكب صالح للعيش.


غوانغز تشين

نائب رئيس البنك الدولي لشؤون البنية التحتية

انضم إلى النقاش

محتوى هذا الحقل سيظل خاصاً بك ولن يتم عرضه للعامة
الأحرف المتبقية: 1000