تواجه الدول الصغيرة مجموعة فريدة من التحديات الاقتصادية، وغالباً ما يُستهان بحجم هذه التحديات وتأثيرها. فصِغر حجمها، وطبيعة جغرافيتها، وانكشافها أمام العوامل الخارجية، تجعلها عرضةً لصدمات قد تكون—سواء كانت مناخية أو اقتصادية أو جيوسياسية—أشد وقعاً وأطول أثراً مما هي عليه في اقتصادات أكبر.
وعلى مستوى الشركات الصغيرة، قد يكفي إعصار واحد، أو ارتفاع مفاجئ في أسعار الوقود المستورد، أو تراجع في قطاع السياحة، ليقوّض في غضون أيام ما استغرق بناؤه أشهراً من الاستثمار وتحقيق الدخل.
وعندما ضرب إعصار ميليسا، وهو أحد أقوى الأعاصير المسجلة، دولة جامايكا وتم اعتبار هذا الإعصار عاصفة من الفئة 5 في أكتوبر/تشرين 2025، تم إغلاق الطرق والموانئ واختفت حجوزات السياحة بين عشية وضحاها. كما أُجبرت الشركات على إغلاق أبوابها، وتعرضت الوظائف والدخل في قطاعات متعددة لمخاطر مفاجئة. والأحداث التي غالباً ما تُوصَف بأنها «عالية المخاطر» في الدول الصغيرة هي في الحقيقة تعبير عن تعرّض هذه الدول لمخاطر هيكلية تحدثها قوى تقع إلى حدّ كبير خارج نطاق سيطرتها.
تعاني الدول الصغيرة من منظومة متشابكة من القيود، تشمل العزلة الجغرافية، وضآلة عدد السكان، والاعتماد على الواردات، وضيق القاعدة الاقتصادية، مما يُضيّق آفاق الإنتاج ويُقلّص وفورات الحجم ويرفع تكاليف ممارسة الأعمال. وكثيراً ما تتضاعف هذه التحديات تحت وطأة صدمات متكررة، تتراوح بين الكوارث المناخية وتقلبات الطلب الخارجي، فتُكبّل الاستثمار الخاص وتُبطئ مسيرة خلق فرص العمل المستدامة. غير أن الهشاشة ليست قدراً محتوماً؛ إذ يمكن بدعم مُركَّز وحلول مُصمَّمة خصيصاً وآليات تنفيذ فعّالة، تحويل هذه القيود إلى آفاق للنمو وخلق فرص العمل.
لقد رسّخت عقود من التعاون وتضافر الجهود مع الدول الصغيرة - بما في ذلك عبر منتدى الدول الصغيرة، الذي ترأسه حكومة بليز حالياً - درساً محورياً لا يقبل الجدل ألا وهو وجود نموذج موحد للتنمية لا يجدي نفعاً فكل دولة لها ظروفها الخاصة. ومن هنا تستجيب إستراتيجية الدول الصغيرة الجديدة لمجموعة البنك الدولي لهذا الواقع بوضوح، إذ تقوم على ثلاثة مبادئ يُعزّز بعضها بعضاً: الانتقائية، والتمايز، والكفاءة، وكلها تصبّ في خدمة غاية واحدة: خلق فرص عمل ووظائف مستدامة.
الانتقائية: التركيز على الأولويات وإتقان التنفيذ
يركز المبدأ الأول، الانتقائية، على 6 "مبادرات رئيسية" ذات أولوية: الصحة، وتوفير خدمات الربط، والطاقة، والبنية التحتية القادرة على الصمود، والاستدامة المالية، ودعم الشركات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة. توفر هذه المجالات أكبر إمكانات لإطلاق الاستثمار الخاص، وتعزيز الشركات، وتوسيع خلق فرص على مستوى الدول الصغيرة.
تتمثل الخطوة الأولى في سبيل خلق وظائف أكثر وأفضل في إجراء دراسات تشخيصية واضحة. وتحدد سلسلة جديدة من تقارير النمو والوظائف على المستوى القطري أكثر القيود التي تعوق جهود التشغيل التي يقوده القطاع الخاص في كل بلد. وقامت تونغا بتجربة هذا النهج، مع عمل مماثل يجري حاليا في بربادوس وساموا وسيشيل وغينيا - بيساو وليسوتو وموريشيوس. ومن خلال وضع خلق الوظائف وفرص العمل على رأس الأولويات والتركيز على عناصر الدعم الأكثر تأثيراً، تساعد هذه الدراسات التشخيصية الحكومات والشركاء على الانتقال بسرعة أكبر من من مرحلة التصور إلى العمل على أرض الواقع.
يقدّم قطاع الصحة مثالاً واضحاً على الانتقائية في التطبيق. ففي منطقة المحيط الهادئ، وبدلاً من تكرار أنظمة الرعاية الصحية التخصصية مرتفعة التكلفة في كل دولة جزرية صغيرة، يجري العمل من أجل التطوير والتقدم في فيجي لتصبح مركزاً طبياً إقليمياً.
وترتبط كيريباتي وتونغا وتوفالو بهذا المركز عبر منصات محسّنة للرعاية الصحية عن بُعد وأنظمة إحالة عابرة للحدود. ومن خلال هذا الاستثمار الانتقائي، تُبنى الأدوات وتٌقام البنية التحتية وبرامج التدريب الإقليمية مرة واحدة، ثم تتشاركها الدول، بما يساهم في خفض التكاليف وتوسيع نطاق الوصول إلى الخدمات الصحية وتعزيز فرص العمل في هذا القطاع.
التمايز: حلول مصممة لتناسب السياق الخاصة بكل دولة
تتباين الدول الصغيرة تبايناً واسعاً في قيودها وقدراتها وفرصها. فمحركات خلق فرص العمل في اقتصاد ساحلي كبير تختلف اختلافاً جوهرياً عمّا ينجح في دولة نائية صغيرة للغاية. ومن هنا تبرز الحاجة الماسة إلى التمايز. وتضبط هذه الإستراتيجية الدعم المقدَّم وفق خصوصية كل دولة وسياقها، لضمان تناغم التدخلات مع الواقع المحلي والمزايا النسبية لكل منها.
في بليز، الدولة الجزرية الصغيرة النامية المنخفضة الساحلية، يُجسّد برنامج المدن الزرقاء وما بعدها هذا النهج بوضوح. إذ يعمل البرنامج على تعزيز الإدارة الساحلية وتحسين إمدادات المياه والحدّ من التلوث الذي يهدد مصائد الأسماك والشعاب المرجانية، مما يُسهم في حماية اقتصاد أزرق يُدرّ أكثر من مليار دولار سنوياً ويوفر فرص عمل في قطاعات السياحة والصيد والصناعات البحرية.
ويعني التمايز أيضاً إطلاق التمويل الخاص في الأسواق التي نادراً ما يتدفق إليها رأس المال التجاري. ففي كثير من الدول الصغيرة، تتجنب البنوك المحلية الإقراض للشركات الصغيرة خشية المخاطر، فيما يُحجم المستثمرون الدوليون عن الاستثمار فيها بحذر شديد. وفي بوتسوانا، البلد النامي غير الساحلي، أسهمت مؤسسة التمويل الدولية في تجاوز هذا التحدي بتطوير أول مشروع للطاقة الشمسية على نطاق المرافق في البلاد دون الحاجة إلى ضمان سيادي. وأدى المشروع إلى إشراك بنك محلي في الصفقة عبر تمويل ثنائي العملة، وقد تم جذب استثمارات بلغت 80 مليون دولار. وبالتوازي مع ذلك، يموّل البنك الدولي تعزيز شبكة الكهرباء وأول نظام لتخزين الطاقة بالبطاريات على نطاق المرافق، بهدف تيسير إدماج مشروعات الطاقة الشمسية في الشبكة العمومية. وقد نتج عن ذلك ليس محطة للطاقة الشمسية فحسب، بل نموذج قابل للتكرار يُثبت كيف يمكن لإطلاق التمويل الخاص أن يفتح الآفاق في الأسواق ويخلق فرص العمل.
الكفاءة والإنجاز على نطاق واسع
تصبّ الانتقائية والتمايز في نهاية المطاف في خدمة هدف مشترك يتمثل في تحقيق قدر أكبر من الكفاءة والإنجاز على نطاق واسع. وتعني الكفاءة التحرك بوتيرة أسرع، والحد من التشتت، وضمان أن يحقق كل دولار أقصى أثر ممكن—لا سيما في أوقات الأزمات.
وفي العام الماضي وحده، وافقت مجموعة البنك الدولي على التزامات وضمانات جديدة قياسية بقيمة 3.3 مليار دولار للدول الصغيرة. وأتاحت أدوات من قبيل دليل أدوات التأهب للأزمات والتصدي لها تقديم مساعدة سريعة لفانواتو وغرينادا وسانت فنسنت وجزر غرينادين، مما أعان الحكومات على حماية الشركات وفرص العمل خلال المرحلة الحرجة التي أعقبت الصدمة، قبل أن تتحول الاضطرابات المؤقتة إلى خسائر دائمة. وبتوجيه التمويل توجيهاً إستراتيجياً، تستهدف هذه الإستراتيجية جذب الاستثمار الخاص الذي كثيراً ما يتجاوز الدول الصغيرة، ومضاعفة أثره حيث تشتد الحاجة إليه أكثر.
إن الدول الصغيرة ليس لديها خيار تغيير حجمها أو موقعها الجغرافي، غير أن بمقدورها إقامة اقتصادات تخلق فرص العمل والوظائف، وتُوفر الدخل والكرامة، وتُعزز القدرة على الصمود في مواجهة الصدمات المقبلة. لقد انطلق تنفيذ إستراتيجية الدول الصغيرة فعلياً عبر أطر الشراكة القُطرية لمجموعة البنك الدولي، بالتعاون الوثيق مع الحكومات والشركاء. وبالنسبة لأصحاب الشركات الصغيرة في هذه الدول، يُمكن أن يؤدي التنفيذ الفعلي لهذه الإستراتيجية إلى سبل كسب عيش أكثر استقراراً، وآفاق أرحب، ومستقبل اقتصادي أكثر صلابة وقدرة على الصمود في مواجهة الأزمات والصدمات.
انضم إلى النقاش