نشر في أصوات

السياسة الصناعية تدفع مسار التنويع الاقتصادي: شواهد مبكرة من المملكة العربية السعودية

الصفحة متوفرة باللغة:
السياسة الصناعية تدفع مسار التنويع الاقتصادي: شواهد مبكرة من المملكة العربية السعودية التنويع الاقتصادي تحت المجهر: دروس من السعودية في قياس أثر السياسات الصناعية | © Shutterstock.com

تواجه كثير من الاقتصادات الغنية بالموارد نفس التحدي الهيكلي: كيف تُرسي اقتصاداً متنوعاً عندما تهيمن عائدات السلع الأولية على الإنفاق الحكومي والاستثمار على مدى أجيال؟ لقد برزت السياسة الصناعية بوصفها استجابةً عامة لهذه الإشكالية، إذ تعتمد على تدخلات موجَّهة تستهدف تنشيط قطاعات جديدة وإدماج المنتجين المحليين في سلاسل القيمة العالمية. غير أن السؤال يبقى: هل تُجدي هذه السياسات فعلاً؟ وكيف تعرف الحكومات إن كانت خياراتها تُحقق الأثر المنشود؟ تمنح المملكة العربية السعودية فرصة نادرة لدراسة هذا التحدي ورصد تداعياته أولاً بأول.

التحدّي

مع هيمنة الهيدروكربونات (النفط ومشتقاته) على نحو 60% من الإيرادات الحكومية في عام 2024، كشف اعتماد المملكة العربية السعودية على النفط عن مخاطر اقتصادية مزدوجة: تقلبات أسعار السلع الأولية من جهة، والآثار الهيكلية للمرض الهولندي (اعتماد البلدان المصدرة للنفط أو الغاز الطبيعي على مصدر واحد للدخل) من جهة أخرى. وفي مواجهة هذا الواقع، أطلقت المملكة عام 2016 أجندة تنويع طموحة في إطار رؤية 2030، موظِّفةً السياسة الصناعية على نطاق واسع عبر تدخلات حكومية موجَّهة، تستهدف إعادة تشكيل بنية النشاط الاقتصادي بتوجيه الدعم بصورة انتقائية نحو قطاعات بعينها.

غير أن الشواهد المنهجية على خريطة هذه التدخلات كانت شبه معدومة، فضلاً عن غياب أي تقييم لآثارها الفعلية. وفي غياب هذه البيانات، أصبح من العسير تحديد ما ينجح منها، وما يستدعي المراجعة، وأين تستوجب المسارات تصحيحاً وتعديلاً.

النهج

تسعى ورقة العمل الجديدة إلى سد هذه الفجوة، من خلال الجمع بين ثلاثة مناهج متكاملة ومتضافرة.

  1. اعتمدت الدراسة على قاعدة بيانات للسياسة الصناعية مبنية على تقنيات التعلم الآلي، لرسم خريطة شاملة لنطاق نشاط السياسة الصناعية في المملكة العربية السعودية وأدواتها وتركيزها القطاعي.
  2. تم تطبيق أساليب تحديد فروق معينة داخل فروق أخرى على بيانات قاعدة بيانات الأمم المتحدة الإحصائية لتجارة السلع الأساسية للفترة 2019-2023، لقياس أثر تدخلات السياسة الصناعية على الصادرات.
  3. تمت الاستعانة بقاعدة بيانات أوربيس Orbis على مستوى الشركات للفترة 2010-2022، لرصد آثار تدخلات السياسة الصناعية على أداء الشركات في السنوات التالية للتطبيق، شاملةً معدلات التشغيل والاستثمار الرأسمالي والأرباح.
  4. هذه الأساليب مجتمعةً تنتج صورة متعددة الطبقات، تمتد من أنماط سياسات الاقتصادي الكلي وصولاً إلى استجابات فرادى الشركات.

أبرز ما كشفت عنه الدراسة

اتسمت السياسة الصناعية في المملكة العربية السعودية بحجم طموح ومسار متجدد التطور. وقد شهد نشاط هذه السياسات قفزة ملحوظة في الفترة 2018-2020، متجاوزاً المتوسطَين الخليجي والعالمي (الشكل 1). ويتسم دليل العمل المستخدم بالشمول، مع ثقل نسبي واضح في الأدوات الموجهة نحو الاستثمار (الشكل 2). كما ارتقى الاستهداف القطاعي عبر سلسلة القيمة، منتقلاً من الحديد والصلب والمواد الكيميائية عام 2010 إلى المركبات والأثاث والسلع الاستهلاكية بحلول عام 2022 (الشكل 3).

الشكل 1: مسار السياسة الصناعية — المملكة العربية السعودية مقارنةً بمتوسط دول مجلس التعاون الخليجي والمتوسط العالمي

Image

المصدر: يانغ وتشاثا 2026

الشكل 2: السياسة الصناعية للمملكة العربية السعودية وفق أدوات السياسة

Image

 

المصدر: يانغ وتشاثا 2026

الشكل 3: تطور السياسة الصناعية على مستوى القطاعات الصناعية

Image

المصدر: يانغ وتشاثا 2026

 

لم يُرصد خلال الفترة محل الدراسة أي أثر يُذكر على الصادرات (الشكل 4). ولم تتحقق بعد مكاسب تنويع الصادرات. غير أن ذلك لا يُشكّل بالضرورة حكماً نهائياً على السياسات المتبعة، إذ إن التحول الهيكلي مسار يستلزم وقتاً طويلاً، وخمس سنوات مدة ليست كبيرة لقياس تحولات بهذا الحجم. غير أن غياب الإشارات التصديرية المبكرة يستوجب المتابعة والرصد، ويؤكد أن التقييم المستمر أكثر جدوى من الاكتفاء بصورة آنية عابرة.

الشكل 4: دراسة أثر السياسة الصناعية في المملكة العربية السعودية على الصادرات

Image

المصدر: يانغ وتشاثا 2026

 

وفيما يتعلق بنواتج أداء الشركات المحلية، يبرز التكيف المبكر بوضوح. إذ ترتبط السياسة الصناعية بانخفاض في عدد الشركات النشطة خلال أول سنتين إلى ثلاث سنوات من التنفيذ، مما يشير إلى حدوث تحولات في هيكل الشركات. كما ترتبط متطلبات المحتوى المحلي باستجابات إيجابية في التشغيل، بالتوازي مع تراجع الاستثمار الرأسمالي، في حين ترتبط إعانات الدعم المحلية بانخفاضات مؤقتة في الأرباح.

الشكل 5: تأثير متطلبات المحتوى المحلي على مستوى الشركات على التشغيل ورأس المال والأرباح

Image

المصدر: يانغ وتشاثا 2026

تعكس هذه النتائج ديناميكيات التكيف على المدى القصير، لا زيادة الإنتاجية الأعمق التي تسعى السياسة الصناعية في جوهرها إلى تحقيقها. وينبغي قراءتها بوصفها دليلاً مبكراً على المرحلة التي بلغها مسار التحول حتى الآن.

دلالات هذه النتائج على صعيد السياسات

يتضح من هذا التحليل درسان بالغا الأهمية، تجدر الإفادة منهما في المملكة العربية السعودية وسائر بلدان العالم.

  1. التصميم بالغ الأهمية بقدر أهمية الحجم ونطاق العمل. حين يتدفق الدعم العام نحو الشركات القائمة المهيمنة أو الأدنى إنتاجية، فإنه يخنق الضغط التنافسي الذي يُحرّك نمو الإنتاجية. والدعم المشروط بالأداء والمحدد بآجال زمنية أجدر بأن يُحفّز بناء قدرات حقيقية ومستدامة. والسؤال الجوهري ليس كم يُنفَق، بل لمن يُوجَّه وبأي شروط.
  2. لا يمكن للسياسة الصناعية أن تعمل بمعزل عن غيرها. بل تتوقف فاعليتها إلى حد بعيد على منظومة السياسات المحيطة بها؛ إذ تتشابك المهارات والبنية التحتية وإمكانية الحصول على التمويل وجودة البيئة التنظيمية لتحدد ما إذا كانت الشركات قادرة على اغتنام الفرص المتاحة. ومعالجة قيد واحد دون الالتفات إلى القيود الأخرى تنتهي في الغالب إلى امتثال مؤقت، لا إلى التحول الهيكلي الذي يتطلبه النمو المستدام.

الأثر يتجاوز نطاق المملكة

تواجه الاقتصادات الغنية بالموارد حول العالم تحديات تنويع متشابهة، وتستعين بأدوات سياسية متقاربة، والأسئلة التي تطرحها هذه الورقة على المملكة العربية السعودية هي ذاتها التي ينبغي لتلك الحكومات أن تطرحها على نفسها. ويوفر المنهج التحليلي المطروح هنا، الذي يجمع بين قواعد بيانات السياسات القائمة على التعلم الآلي وبيانات التجارة والبيانات الدقيقة الجزئية على مستوى الشركات، نموذجاً قابلاً للتطبيق لبناء قاعدة الأدلة والشواهد التي تحتاجها الحكومات لتكييف سياساتها أولاً بأول وفي الوقت المناسب.

لكن لعل أبرز ما يكشفه هذا البحث هو القيمة الجوهرية للتقييم ذاته. فالحكومات التي تُطلق السياسة الصناعية على نطاق واسع دون امتلاك القدرة على قياس آثارها إنما تسير في طريق غير واضح المعالم. وبناء منظومة تقييمية موازية للسياسات ليس هامشاً يمكن تأجيله، بل هو حجر الأساس الذي يقوم عليه نجاح مسيرة التحول، وأولوية لا تحيد عنها أي حكومة معنية بتفعيل دور السياسة الصناعية على نحو جاد على أرض الواقع.


جاسمين شاكري

مديرة قطاع الممارسات العالمية للاقتصاد الكلي والتجارة والاستثمار، البنك الدولي

محمد خداداد شذة

كبير الاقتصاديين في قطاع السياسة الاقتصادية في البنك الدولي

انضم إلى النقاش

محتوى هذا الحقل سيظل خاصاً بك ولن يتم عرضه للعامة
الأحرف المتبقية: 1000