تنقل السفن الجزء الأكبر من السلع المتداولة بين البلدان. ويتيح النقل البحري منخفض التكلفة للبلدان استيراد السلع الأساسية، مثل المواد الغذائية والملابس والأدوية، وتصدير منتجاتها المميزة بشكل تنافسي. وللحفاظ على انخفاض تكاليف النقل، قمنا بتحليل كيف يمكن للشحن الأكثر كفاءة في استخدام الطاقة أن يدعم السفن للتحول إلى مصادر جديدة للطاقة منخفضة التكلفة.
في السنوات الأخيرة، ركز الخطاب العام حول التحول الطاقي في قطاع النقل البحري بشكل كبير على الوقود البديل. ويبرز بحث سريع في وسائل الإعلام المتخصصة لهذه الصناعة أن معظم التغطيات تناولت الوقود الأخضر، مثل الوقود الحيوي والوقود الهيدروجيني والغاز الطبيعي المسال، حيث اعتُبِرت بدائل للوقود المعتمد على النفط مثل زيوت الوقود الثقيلة ونواتج التقطير. أما كفاءة الطاقة، فلم تحظَ إلا بنسبة تقل عن الثلث في تقارير التحول الطاقي.
هل يغفل العالم المزايا الكبيرة الممكنة لخفض الانبعاثات وتقليل التكاليف على مستوى القطاع الذي ينقل يومياً ما بين 70% و80% من التجارة العالمية؟
إعادة تسليط الضوء على كفاءة استخدام الطاقة في السفن
في تقريرنا الأخير الصادر بعنوان "أسس تعظيم كفاءة استخدام الطاقة في عمليات الشحن"، سعينا للإجابة على هذا السؤال من خلال وضع نماذج توضّح كيف يمكن لزيادة كفاءة استخدام الطاقة أن تؤثر على قطاع النقل البحري خلال الأعوام القادمة.
لقد كانت النتائج لافتة: في عام 2030، يمكن خفض ما يقارب 40% من انبعاثات السفن من خلال تحسين كفاءة استخدام الطاقة فقط. وهذا يعني أن تعظيم كفاءة استخدام الطاقة وحده سيكون كافياً لتحقيق مستهدفات المنظمة البحرية الدولية المتمثلة في خفض الانبعاثات بنسبة تتراوح بين 20-30% بحلول 2030. تمثل هذه النتائج أخباراً سارة ليس فقط للمهتمين بتغير المناخ، بل أيضاً للمجتمعات المعرضة للمخاطر التي تعيش بالقرب من الموانئ والتي تعاني من تلوث الهواء الناتج عن حركة السفن.
الجدير بالذكر أن أكثر من نصف تدابير كفاءة استخدام الطاقة تتم بتكلفة سلبية، أي أنها تغطي النفقات الخاصة بها. كما أن الوفورات المالية الناتجة عن تقليل استهلاك الطاقة كافية لتغطية تكاليف تركيب أنظمة الدفع المدعومة بالرياح (مثل الأشرعة الدوارة في ناقلات السلع السائبة) أو خفض سرعة السفن الناقلة للحاويات، بل وغالباً ما تزيد هذه الوفورات على تلك التكلفة.
كل هذا يجعل كفاءة استخدام الطاقة العنصر الأمثل المُكمل لأنواع الوقود البديلة. فمن خلال هذا التكامل وهذه الجهود، يمكن دفع التحول الطاقي في عمليات الشحن، مما يتيح فرصة سوقية كبيرة للبلدان النامية مثل جنوب أفريقيا وكولومبيا والمغرب. وتشير التقديرات إلى إمكانية توفير ما يصل إلى 220 مليار دولار أمريكي سنوياً من خلال التحول من الوقود الأحفوري إلى الوقود الأخضر. ولذلك، فإن تدابير كفاءة استخدام الطاقة لا تقتصر على خفض فاتورة الوقود للسفن الجديدة أو المعدلة التي تعمل بالميثانول أو الأمونيا الخضراء، بل تمتد لتشمل السفن الحالية التي ما زالت تعتمد على زيت الوقود، من خلال خفض استهلاك الوقود.
أنظمة الدفع (المراوح) المدعومة بالرياح يمكن أن تجعل السفن أكثر كفاءة في استهلاك الوقود
لماذا لا يزال من الصعب تحقيق كفاءة استخدام الطاقة؟
النواتج الاقتصادية إيجابية، والمنافع البيئية كبيرة. ومع ذلك، على الرغم من وضوح فاعلية التكلفة وإمكانية الحد من الانبعاثات، لماذا لا نزال بعيدين عن تحقيق أقصى مستويات كفاءة الطاقة في قطاع الشحن؟
على الرغم من بساطة الإجابة، فإن الحلول معقدة. ففي قطاع الشحن، هناك العديد من العراقيل التي تعوق تبني تدابير كفاءة استخدام الطاقة على نطاق واسع. هذه العراقيل قد تكون اقتصادية أو سلوكية أو تنظيمية. ومن الناحية الاقتصادية، يجب على مالكي السفن الاستثمار في تدابير مثل تصاميم مراوح موفرة للوقود. وعادة ما يتحمل مستأجر السفينة تكاليف الوقود، وهو الطرف التجاري الذي يؤجر السفينة لفترة طويلة. ومع ذلك، فإن تكلفة الإيجار، أو الاستئجار، لا تتضمن علاوات كافية لاسترداد تكاليف الاستثمار في كفاءة الطاقة، مما يقلل من الحافز لهذا الاستثمار.
تضافر الجهود لزيادة خفض الطاقة في عمليات الشحن
سيكون التغلب على هذه العقبات مفتاحاً لتحقيق المزايا الاقتصادية والبيئية الكاملة الممكنة من خلال زيادة كفاءة استخدام الطاقة في عمليات الشحن. ويتطلب التغلب على هذه العقبات "تكاتف الجميع وتضافر الجهود"—ابتداءً من واضعي السياسات ووصولاً إلى الجهات الفاعلة في الصناعة، ومن الموانئ إلى مؤسسات التمويل.
يمكن لواضعي السياسات القيام بدور محوري في تعزيز معايير الأداء لتحسين كفاءة استخدام الطاقة على مستوى التشغيل ومن الناحية الفنية. كما يمكن لهذه الصناعة مواصلة دعم المشاريع الإرشادية الواعدة التي تؤكد أن النقل البحري الموفّر للطاقة يمكن تحقيقه، بل ويحقق فوائد ملموسة. كما تؤدي الموانئ دوراً جوهرياً في تطبيق الحلول الرقمية التي تساهم في تحديد المواعيد المناسبة لرسو السفن في الموانئ، مما يتيح للسفن الوصول أثناء توفر الرصيف المناسب لتحميل البضائع أو تفريغها. وأخيراً، يجب على مؤسسات التمويل استكشاف أدوات مبتكرة تسمح بتوزيع فوائد ومنافع وفورات الوقود بشكل عادل، خاصة عند عدم انتقال هذه الفوائد والمنافع بالكامل إلى مالك الأصل (مالك السفينة).
تتمثل مزايا خفض الوقود في عمليات الشحن في تحقيق مكاسب اقتصادية واجتماعية على المدى القصير والطويل. وأمام أصحاب المصلحة والأطراف المعنية في القطاع البحري فرصة استثنائية وفريدة لزيادة الكفاءة، وخفض التكاليف، وتحسين صحة ملايين البشر في الوقت نفسه. لقد حان الآن وقت العمل.
انضم إلى النقاش