ستة عشر ملياراً؛ هذا هو عدد مرات مشاهدة أغنية الأطفال الشهيرة سمكة القرش الصغيرة على يوتيوب. يتجاوز هذا الرقم ضعفي عدد سكان العالم. والتأمل في هذه الحقيقة يكشف أمراً ملفتاً: 5 من أصل 10 مقاطع فيديو الأكثر مشاهدة في تاريخ يوتيوب هي محتوى مخصص للأطفال الصغار. إنه ليس المطرب باد باني ( Bad Bunny) أو المغنية تايلور سويفت، بل أغنية سمكة القرش الصغيرة والحافلات ذات العجلات الدوارة. هذه الأرقام تكشف عن حقيقة مهمة؛ الطفولة المبكرة تعيد تشكيلها الشاشات، قبل فترة طويلة من دخول إنستغرام أو تيك توك إلى المعادلة.
نشر جوناثان هايدت، وهو عالم نفس في جامعة نيويورك، مؤخراً كتاب الجيل القلق، حيث يوثق ما يسميه "إعادة تشكيل الطفولة". ويطرح في نقاشه أن الفترة بين عامي 2010 و2015، مع انتشار الهواتف الذكية بشكل واسع، قد شهدت انهياراً ملحوظاً. وارتفعت معدلات الاكتئاب والقلق بين المراهقين بشكل ملحوظ. ويتطلب هذا الاتجاه إجراء المزيد من البحوث لفهم آلياته الكامنة، لكن الحكومات بدأت تتعامل مع الأمر بقلق: حيث حظرت 79 بلداً بالفعل استخدام الهواتف المحمولة في المدارس.
وإذا كان كل هذا الحديث يخص المراهقين، فما الوضع بالنسبة للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 0 و5 سنوات؟ هؤلاء الذين لا يمتلكون حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي، لكنهم يقضون بالفعل ساعات طويلة على يوتيوب أو يستخدمون الهواتف الذكية.
هذا ما سعينا لاستكشافه في التقرير الصادر بعنوان "الوقت الذي يقضيه الطفل أمام الشاشة في التعليم بمرحلة الطفولة المبكرة"، الذي صدر بمناسبة اليوم الدولي للتعليم. وأوضحت المناقشات التي أجريناها في ذلك اليوم أن هذا النقاش لم يُغلق بعد، ولكن هناك خطوات ينبغي اتخاذها الآن.
توصي منظمة الصحة العالمية بعدم تجاوز الوقت الذي يقضيه الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين سنتين وخمس سنوات ساعة واحدة أمام الشاشة يومياً. ففي ماليزيا، 91% من الأطفال في مرحلة رياض الأطفال يتخطون هذا الحد، وفي البرازيل 69%، والصين 67%، وكولومبيا 50%. هذه مشكلة تؤثر على العالم بأسره، وما أهميتها؟ لأن الدماغ خلال السنوات الخمس الأولى من العمر يقوم بتكوين مليون وصلة عصبية كل ثانية، ويتم بناء هذه الوصلات من خلال التفاعل: المحادثات، واللعب، والاستكشاف. لذا، السؤال ليس ما إذا كانت الشاشات “مفيدة” أم “ضارة”، بل ما المنافع البديلة التي تقدمها؟
توصل تحليل تجميعي شامل (meta-analysis) أجراه مادغان وآخرون، شمل 42 دراسة على 18,905 طفلاً، إلى وجود ارتباط واضح بين الوقت المستغرق أمام الشاشة وفقدان بعض الوظائف: زيادة الوقت الذي يقضيه الطفل أمام الشاشة تؤدي إلى انخفاض المفردات اللغوية. فالأطفال الذين يقضون أكثر من ساعتين يومياً أمام الشاشة يواجهون احتمالاً أعلى بنسبة 2.3 ضعفاً للإصابة بمشاكل في التركيز. ووفقاً لدراسة أجراها أكاسم وآخرون، فإن الضوء الأزرق الصادر من الشاشات يثبط حوالي 88% من الميلاتونين لدى الأطفال في مرحلة ما قبل المدرسة، مما يؤثر على جودة نومهم.
ما السبب الذي يدفعنا في نهاية المطاف إلى ترك الهاتف بيد الطفل؟
أوضحت فلورنسيا لوبيز بو، خبيرة الطفولة المبكرة بجامعة نيويورك، أن منطقة أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي تشهد إرسال 15% فقط من الأطفال بين عمر 0 إلى عامين إلى دور الحضانة، مقارنة بنحو 43% من الأطفال في بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وأضافت أن الجداول الزمنية لا تتماشى مع ساعات العمل، وأن المسافات طويلة والجودة متفاوتة. ومع تزايد انتشار الهواتف الذكية، قالت: “يؤدي ذلك إلى حدوث مزيج خطير يتمثل في استخدام الشاشات سواءً في الحافلة أو في المنزل أو حتى أثناء وضع الطفل في عربة الأطفال، حيث تصبح الأجهزة مثل الهواتف الذكية أو الأجهزة اللوحية بمثابة جليس الأطفال”.
المسؤولية لا تقع بالكامل على عاتق الآباء، فقد تم تصميم الشاشات على نحو لا يقاوم. لا يمكن لأي لعبة خشبية أن تنافس الخوارزميات الدقيقة التي تعتمدها المنصات الرقمية.
ما الحلول الناجحة
تشير العلوم السلوكية إلى بعض الأدلة. فكل عادة لدى أي طفل تنطوي على ثلاثة عناصر: الإشارة، والروتين، والمكافأة. فعادة وضع الطفل أمام الشاشة: تكون الإشارة هي الطفل القلق، ويكون الروتين هو تقديم الجهاز اللوحي، أما المكافأة فهي الحصول على الهدوء. وبينما لا يمكن التخلص من الإشارة أو المكافأة، يمكننا تغيير الروتين عبر اتباع هذه المبادئ:
- احرص على تجهيز بدائل مسبقة (مثل وضع أقلام التلوين في الحقيبة).
- صمم البيئة بوضع الشاشات في الأدراج والكتب على الطاولة.
- ابدأ بخطوة بسيطة عبر تخصيص وجبة واحدة هذا الأسبوع خالية من الشاشات.
- اجعل الأمر مبادرة جماعية ضمن مجتمعك.
هل الطريقة فعالة؟ بحسب 16 تجربة محكمة، تؤدي القراءة الحوارية – التي يدور فيها نقاش بين الكبار والأطفال أثناء القراءة – إلى تحسين كبير في المهارات التعبيرية للمفردات. ومن الناحية الإحصائية، يمثل التحسن فرقاً يعادل الانتقال من قول طفل "أريد ماءَ" إلى قول طفل آخر "أمي، أنا عطشان، هل يمكنك إعطائي بعض الماء"؟ هذه الطريقة بسيطة وغير مكلفة ولا تتطلب أي أدوات تقنية أو تكنولوجية وفعالة في أي لغة.
ما الذي يمكن للسلطات والجهات المعنية والمختصة والمدارس والآباء القيام به؟
أوضحت كلوديا لاغو، وكيلة وزارة التعليم في مرحلة الطفولة المبكرة في شيلي، بعبارات جلية أن المسؤولية تقع على عاتق الكبار. وقالت: “الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 0 و6 سنوات لا يتخذون قرار استخدام الشاشات، بل هذا قرار يصدر عن الكبار”. وشددت على أن الأمر لا يمكن أن يقتصر على الأسر وحدها.
ومن هنا يتعين على السلطات والجهات المعنية والمختصة وضع مبادئ توجيهية واضحة تستند إلى أدلة قوية، ودعم الأسر بحملات توعوية عامة تتجاوز التنبيهات البسيطة، حيث تقدم معلومات مفصلة عن عواقب التعرض المفرط للشاشات، ونصائح عملية حول تنظيم وقت الأطفال.
الهدف هنا بالنسبة للأمهات والآباء ومقدمي الرعاية هو تحقيق التوازن، وليس الحظر، وبالتالي يجب استبدال الاستخدام التلقائي للشاشات بوسائل بديلة تدريجية، وإنشاء مناطق وأوقات خالية من الشاشات، مع التأكيد على أن التغييرات البسيطة والمستدامة أكثر فاعلية من التحولات الجذرية. ويقدم التقرير أدوات عملية مثل نموذج خطة أسرية، وأداة لتقييم وقت الشاشة، ودليل أنشطة بديلة مصنفة وفقاً لحالات مختلفة.
ويمكن للمؤسسات التعليمية أن تضع نموذجاً للعادات الصحية، انطلاقاً من مرحلة رياض الأطفال، وتوجيه الأسر برسائل توعوية بسيطة ومتسقة. ويتمتع خبراء التربية والتعليم بفرصة فريدة لإظهار خيارات بديلة عملية وتهيئة بيئات يكون اللعب والحوار فيها هو القاعدة وليس الاستثناء.
وبالتزامن مع ذلك، يجب فرض تنظيم صارم على الصناعة الرقمية للحد من الممارسات التي تشجع الاستخدام المفرط، مثل التشغيل التلقائي المستمر والخوارزميات المصممة لجعل الأطفال "مدمنين للأجهزة الرقمية".
والحقيقة أن فرض حظر شامل على الشاشات قد لا يكون أمراً واقعياً، لكن التوازن هو السبيل. لن نقوم بحذف أغنية سمكة القرش الصغيرة من يوتيوب، لكن يمكننا ضمان ألا يكون هذا هو الشيء الوحيد الذي يبقى في ذاكرة أطفالنا عن طفولتهم.
استكشف الأدلة والشواهد الواردة في التقرير من خلال أداتنا التفاعلية (NotebookLM).
انضم إلى النقاش