يفقد العالم قرابة 5 ملايين طفل كل عام، بمعدل 9 أرواح كل دقيقة. وفي كل يوم، تلقى نحو 700 امرأة حتفها جراء مضاعفات الحمل والولادة، 90% منهن في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل. والمأساة الحقيقية أن معظم هذه الوفيات كان يمكن تفاديها.
تجدر الإشارة إلى أن سد هذه الفجوة يقع في صميم طموح مجموعة البنك الدولي لتوفير الخدمات الصحية لنحو 1.5 مليار شخص بحلول عام 2030. غير أن بلوغ هذا الهدف يستلزم تركيزاً شديداً على الفئات الأكثر هشاشة وضعفاً واحتياجاً والأولى بالرعاية: النساء والأطفال والمراهقين في أشد بلدان العالم فقراً.
ولهذا كان لافتاً ومبشراً خلال اجتماعات الربيع الأخيرة لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي أن يلتقي هذا الحشد الواسع من قادة حكومات البلدان الشريكة، والجهات المانحة السيادية، والمؤسسات الخيرية، والقطاع الخاص، ومنظمات المجتمع المدني، تحت سقف واحد لتجديد دعمهم لصندوق التمويل العالمي من أجل خدمة النساء والأطفال والمراهقين. وفي اليوم الأول من جولة الاستثمار للسنوات 2026-2030، أعلنت هذه الجهات مجتمعةً عن تعهدات تجاوزت 800 مليون دولار لدعم صحة الأم والطفل.
لقد جمعني هذه الأسبوع في أكرا بغانا لقاءات مع وزراء الصحة والمالية من أنحاء غرب أفريقيا ووسطها، لبحث سُبل توفير خدمات صحية أفضل إلى 200 مليون شخص.
هذا الجهد يأتي في إطار مبادرة "Fit to Prosper" التي تعني الجاهزية للرخاء. هذه المبادرة تمثل نهجاً إقليمياً لبلوغ هدف يتمثل في تمكين 1.5 مليار شخص من الحصول على خدمات صحية جيدة وميسورة التكلفة بحلول عام 2030 من خلال التركيز على تعزيز خدمات الخطوط الأمامية، وتأمين التمويل المستدام، والمرونة في تقديم الخدمات لتلبية الاحتياجات الصحية للسكان مهما كانت الصعاب.
وفي هذا الصدد شدد الوزراء على إمكانية تعزيز أهداف الصحة والتغذية والسيادة الصحية في ظل محدودية حيز الإنفاق المتاح في المالية العامة، معتبرين الرعاية الصحية ليس دافعاً لتحقيق النواتج الصحية فحسب، بل لدعم رأس المال البشري وخلق فرص العمل والازدهار والرخاء والأمن الصحي أيضاً.
دوافع الاستثمار في صندوق التمويل العالمي في هذه اللحظة الفارقة
تم إنشاء صندوق التمويل العالمي عام 2015 ليكون المنصة التمويلية العالمية الوحيدة المخصصة للنساء والأطفال والمراهقين. غير أن ما يميزه ليس المشاريع والبرامج التي يمولها فحسب، بل الطريقة التي يتعاون بها مع مجموعة البنك الدولي لتحويل التمويل إلى نتائج ملموسة على نطاق واسع.
الجدير بالاعتبار أن كل دولار من منح صندوق التمويل العالمي يساهم في جذب نحو 7 دولارات من تمويل مجموعة البنك الدولي. ويعمل الصندوق عبر الأنظمة الوطنية، وعلى نحو يراعي سياقات ومقتضيات الموازنة العامة والخطط الحكومية، ويأتي ذلك في إطار من التعاون وتضافر الجهود مع الحكومات التي تتولى زمام القيادة، بالإضافة إلى حشد جهود الشركاء خلف إستراتيجية موحدة. ويضطلع المجتمع المدني والمجتمعات المحلية والشباب بدور محوري طوال المسيرة، إذ يقودون المساعي الرامية إلى تأصيل المساءلة، ويكفلون إيصال الخدمات إلى أبعد نقطة، مع التركيز بشدة على النساء والأطفال والمراهقين الذين يصعب الوصول إليهم.
إن النتائج واضحة وجلية للعيان. فالبلدان التي يدعمها الصندوق وسّعت نطاق الوصول إلى الخدمات الصحية الأساسية، وحققت نتائج أفضل للنساء والأطفال والمراهقين بوتيرة أسرع مما حققته البلدان المماثلة.
وفي إطار إستراتيجية التحول 2030 التي يتبعها الصندوق، تنصبّ جهود الشراكة على ثلاثة محاور: تأمين تمويل أكثر ذكاءً وفاعلية حتى تستطيع البلدان تعظيم أثر كل دولار يُنفق على النساء والأطفال والمراهقين، وتوسيع نطاق التدخلات التي ثبتت فعاليتها ونجاحها، لا سيما من حيث التكلفة وتحقيق القيمة مقابل المال، للقضاء على وفيات الأمهات والأطفال التي يمكن تفاديها، وتعزيز أنظمة الرعاية الصحية الأولية لتكون قادرة على الصمود أمام الصدمات وتسريع مسيرة البلدان نحو الاعتماد على الذات وتعظيم الاستفادة من الموارد الذاتية.
وفي إطار تضافر الجهود والتنسيق الوثيق مع مجموعة البنك الدولي، يعمل الصندوق على تحديد الحلول الأكثر أثراً في الحدّ من وفيات الأمهات والأطفال وتعميمها، لتتمكن البلدان من البناء على ما أثبت نجاحه والمضي قدماً. ويكشف هذا التوافق والتآزر وتضافر الجهود عن قدرة الشراكة على مساعدتنا في بلوغ المستهدف المتمثل في توفير خدمات رعاية صحية جيدة لنحو 1.5 مليار شخص بحلول عام 2030.
ومما لا شك فيه أن المخاطر حقيقية، والتقدم ليس مضموناً. غير أن الفرصة قائمة بالقدر ذاته. والاستثمار في صندوق التمويل العالمي سيُمكّن البلدان من توسيع نطاق حصول مئات الملايين على رعاية صحية منقذة للحياة، ويُقرّبنا من تحقيق الهدف المتمثل في القضاء على وفيات الأمهات والأطفال التي يمكن تفاديها.
انضم إلى النقاش