نشر في أصوات

اقتصاديات كوكب صالح للعيش: 5 أساسيات يجب أن يعرفها واضعو السياسات وقادة الأعمال والتنمية

الصفحة متوفرة باللغة:
اقتصاديات كوكب صالح للعيش: 5 أساسيات يجب أن يعرفها واضعو السياسات وقادة الأعمال والتنمية مُزارعة في إثيوبيا. بعدسة: كايا روز /Connect4Climate.

على مدى عقود، افترض واضعو السياسات أن الرخاء يتحقق من خلال إقامة البنية التحتية، وتعبئة القوى العاملة، وإنشاء الأنظمة المالية لتحفيز الاستثمار، بينما اعتُبرت الطبيعة زاخرة بالثروات والموارد المجانية. ومع ذلك، ظلّ التقدم الاقتصادي يعتمد دائماً على الأصول الطبيعية للأرض: التربة الخصبة التي تقوم عليها الحضارات، والمياه النظيفة التي تحافظ على الصحة والإنتاجية، والغابات التي توفر المواد الأساسية. لكن ماذا يحدث عندما تصبح الموارد الطبيعية والخدمات التي تقدمها نادرة؟

يكشف تقرير جديد أصدره البنك الدولي بعنوان "دفع عجلة التنمية: اقتصاديات كوكب صالح للعيش فيه" أن سلامة الأرض والهواء والمياه اليوم تشكّل أساس الرخاء بقدر ما تشكّله الطرق والوظائف والتمويل. كما يُبين التقرير أن أكثر من 90% من سكان العالم يعيشون في أراضٍ متدهورة أو يستنشقون هواءً ملوثاً أو يعتمدون على موارد مائية تعاني من الإجهاد، وأن نحو 40% من إجمالي فرص العمل يعتمد بشكل مباشر على الطبيعة. ولهذا يتيح الاستثمار في الطبيعة فرصةً لاستعادة التوازن، وتوفير الوظائف، وبدء حقبة جديدة من الرخاء.


وفيما يلي نستعرض 5 أساسيات تضمنها تقرير "دفع عجلة التنمية" والتي يجب أن يعرفها جميع واضعي السياسات والرؤساء التنفيذيين والمتخصصين في مجال العمل الإنمائي.

1.  إننا نُحمّل الطبيعة ما لا تحتمل

توجد اليوم وفرة من الشواهد والأدلة التي تثبت أن النشاط البشري قد تسبب في تغيير عميق في الغلاف الحيوي، وهي الطبقة الرقيقة من سطح الأرض التي تدعم جميع أشكال الحياة، مما أعاد تشكيل النظم الإيكولوجية الطبيعية وتدهورها. 

وتجاوز العالم أيضاً ستةً من "حدود تحمُّل الكوكب" التسعة، وهي الحدود المحددة علمياً لأنظمة الأرض التي تحافظ على صلاحية الكوكب للحياة. فقبل 150 عاماً فقط، كانت الثدييات البرية تشكل نحو نصف الكتلة الحيوية على الأرض. أما اليوم، فلم تعد تشكل سوى 5% وهي نسبة آخذة في التناقص، في حين يشكل البشر وماشيتهم نسبة صادمة تبلغ 95% من الكتلة الحيوية. 

Image

 

2. دفع عجلة التنمية يتطلب أكثر من التمويل 

تواجه العديد من المجتمعات الأشد فقراً في العالم تدهوراً بيئياً خطيراً قبل أن تتمكن حتى من تحسين مستويات معيشتها. ولم يعد النموذج التقليدي القائل بأن التلوث شر لا بد منه لتحقيق التصنيع صالحاً اليوم، إذ إن كثيراً من البلدان الأكثر تضرراً لم تدخل بعد مرحلة التصنيع. وفي البلدان منخفضة الدخل، يواجه 80% من السكان ثلاثة أخطار متزامنة، وهي: تدهور الأراضي، وتلوث الهواء، والإجهاد المائي. فبينما يؤدي تدهور الأراضي إلى تقويض الأمن الغذائي وسبل كسب العيش، يتسبب تلوث الهواء في خفض إنتاجية العمالة وزيادة الأعباء الصحية، في حين يهدد الإجهاد المائي قطاعات الصحة والزراعة وتوليد الطاقة. ويتطلب سدُ الفجوة الإنمائية أكثر من مجرد توفير التمويل، بل يحتاج إلى حلولٍ متكاملة تعالج مشكلتي الفقر والتدهور البيئي في آن واحد.

Image

 

3. الغابات تؤدي دوراً محورياً كبنية تحتية اقتصادية 

الغابات هي أكثر من مجرد بالوعات كربون أو ملاذات للتنوع البيولوجي؛ إنها محركات أساسية للدورة المائية. فهي تضخ الرطوبة في الغلاف الجوي، وتنظم أنماط هطول الأمطار، وتخزن المياه في التربة. وعندما تتدهور الغابات، ينخفض معدل هطول الأمطار، وتشتد موجات الجفاف، وتتأثر الاقتصادات بشكل سلبي. 

ويكشف تقرير دفع عجلة التنمية أن فقدان الأمطار الناجم عن إزالة الغابات يكلف العالم أكثر من 15 مليار دولار سنوياً، في حين يؤدي انخفاض رطوبة التربة إلى خسائر زراعية بقيمة 379 مليار دولار، أي ما يعادل نحو 8% من إجمالي الناتج المحلي الزراعي العالمي. وتجدر الملاحظة أن قدرة الغابات الطبيعية على التخفيف من آثار الجفاف تزيد على ضعف تأثير المزارع الشجرية، غير أن قيمتها الاقتصادية يتم تقديرها بأقل بكثير مما تستحق. 

وتساند الأراضي الطبيعية السليمة أيضاً خدمات النظم الإيكولوجية الحيوية- من التلقيح إلى مكافحة الآفات - التي تحفظ للاقتصادات قدرتها على الصمود. ويُعد الاستثمار في الغابات التي تخضع لإدارة جيدة والأراضي الطبيعية الغنية بالتنوع البيولوجي وثيقةَ تأمين ذكية لتحقيق الرخاء في المستقبل.

Image

 

4. الكفاءة: أحد المحركات غير المرئية للاستدامة

يُشكّل انعدام الكفاءة رياحاً معاكسة تعوق الاستخدام الأمثل للأراضي والهواء والمياه. فعلى المستوى العالمي، يُفقد أو يُهدر سنوياً نحو ثلث إجمالي الأغذية المُنتَجة. كما أن أكثر من نصف الأسمدة النيتروجينية المُضافة لا تغذي المحاصيل على الإطلاق، بل تؤدي إلى تلوث الماء والهواء. أما شبكات المياه فتفقد قرابة 30% من إمداداتها، أي ما يعادل نصف المياه المتدفقة في نهر الغانج، نتيجة التسربات أو الاستهلاك غير المرخص أو أخطاء القياس. 

Image

 

ويؤدي سد هذه الفجوات إلى تحقيق مكاسب هائلة. فعلى مدى العقد الماضي، عوضت مكاسب الكفاءة نحو 50% من الزيادة في استخدامات المياه، و60% من الزيادة في تلوث الهواء، و70% من الزيادة في استخدامات الأراضي الناتجة عن النمو الاقتصادي.

غير أن الكفاءة وحدها لها حدودها، والانتقال إلى نماذج أكثر دائرية وتجديدية سيكون عاملاً أساسياً لاستدامة المكاسب مع توسع الاقتصادات.

 

5. الكوكب الصالح للعيش يمكنه حماية سبل كسب العيش وتوفير الوظائف  

يمكن للظروف البيئية أن تحدد شكل الوظائف كماً وكيفاً في جميع أنحاء العالم. وتدعم الموارد الطبيعية، مثل التربة الخصبة، ومصائد الأسماك السليمة، والغابات النابضة بالحياة، سبل كسب العيش لمئات الملايين من الناس في مجالات الزراعة ومصائد الأسماك والسياحة. في المقابل، يؤدي تلوث الهواء والماء إلى خفض الإنتاجية والأجور، والتخلي عن العمالة الماهرة، وضعف القدرة على المنافسة. ووفقاً لبعض التقديرات، يؤدي تلوث الهواء إلى فقدان 1.2 مليار يوم عمل سنوياً.  

وما يبعث على التفاؤل أن دفع عجلة التنمية على كوكب صالح للعيش ليس ممكناً فحسب، بل هو الخيار الاقتصادي الأكثر ذكاء. فمن شأن التحول إلى اقتصاد أكثر نظافة وتجدداً أن يفتح آفاقاً للمزيد من الفرص وتحقيق عوائد كبيرة. كما يمكن للاستثمار في القطاعات الأقل تلويثاً أن يوفر، في المتوسط، وظائف أكثر لكل مليون دولار مُستثمر مقارنة بالقطاعات الأكثر تلويثاً.  

Image

 

ويمكن أن يؤدي الاستخدام الأكثر ذكاءً للأسمدة إلى زيادة الغلة وفي الوقت نفسه الحد من التلوث، مما يحقق منافع تفوق التكاليف بنحو 25 مرة. ويمكن لأنظمة مكافحة تلوث الهواء القائمة على السوق أن تحقق قيمة استثنائية: ففي بعض البيئات يمكن أن يحقق كل دولار مُستثمَر عائداً يصل إلى 215 دولاراً من المنافع. كما أن الحلول الرخيصة مثل أقراص الكلًور لتنقية المياه يمكن أن تنقذ طفلاً واحداً من كل أربعة أطفال يفقدون حياتهم بسبب الأمراض المنقولة بالمياه.

 

وحتى يتسنى خلق هذه الوظائف وفتح الآفاق للفرص الاقتصادية، هناك ثلاثة مبادئ عامة أساسية يجب التركيز عليها:

  • أولاً، الاستثمار في تحسين المعلومات لتمكين المواطنين وتحسين أساليب رصد المشكلات والتعامل معها.
  • ثانياً، تعزيز التنسيق لتفعيل السياسات عبر مختلف القطاعات بشكل متكامل لا متعارض. 
  • ثالثاً، بناء ثقافة التقييم، بحيث تتضمن أنشطة الاختبار والتعلم والتكيف المواكبة للتنفيذ، لأن التعلم أفضل من التخمين.

 

وعند تطبيق هذه المبادئ، يمكن للبلدان تفادي أخطاء الإصلاحات التي تتجاهل الترابط بين الأرض والمياه والهواء والإنسان، ورسم مسار نحو مستقبل صالح للعيش. 


ريتشارد دمانيا

رئيس الخبراء الاقتصاديين، مجموعة قطاعات الممارسات العالمية للتنمية المستدامة

جيسون روس

خبير اقتصادي أول، البنك الدولي

انضم إلى النقاش

محتوى هذا الحقل سيظل خاصاً بك ولن يتم عرضه للعامة
الأحرف المتبقية: 1000