وهذا ليس حلماً بعيد المنال، بل هو الوعد الذي تحققه وسائل النقل الحديثة.
النقل هو العمود الفقري لاقتصادنا العالمي ومجتمعنا، إذ يربطنا بالفرص والأسواق والخدمات. ومع ذلك، فهو أحد أبرز مسببات تلوث الهواء، فضلاً عن الخسائر البشرية والاقتصادية الفادحة الناجمة عن حوادث المرور. كما أن ضعف الاستثمار في قطاع النقل يكلّف المليارات ويزيد من تفاقم عدم المساواة.
الطريق نحو المستقبل واضح: نحن بحاجة إلى الاستثمار في أنظمة نقل فعّالة وآمنة وشاملة للجميع وقادرة على الصمود. لكن الاستثمار وحده لا يكفي، إذ نحتاج أيضاً إلى وضوح الرؤية –من خلال قياس دقيق– لتحديد ما يلزم لتسريع الحلول الناجحة وتوسيع نطاقها، بما يضمن تعظيم فوائد استثماراتنا.
لقد ظل فهمنا للنقل العالمي لفترة طويلة أشبه بأحجية لم تكتمل صورتها بعد. فالبيانات تُجمع بمعزل عن بعضها البعض - حسب وسيلة النقل، أو المنطقة، أو حسب مشكلة محددة - مما يجعل من الصعب للغاية رؤية الصورة الكاملة. وهذا يعوق القدرة على توجيه الموارد حيثما تحقق أعلى عائد، ومساءلة أنفسنا، وتقديم صورة كاملة الأبعاد عن التقدم المُحرز. وبدون طريقة موحدة لتتبع المسار، يصعب معرفة ما إذا كنا نسير في الاتجاه الصحيح.
ولدينا فرصة استثنائية لإحداث تغيير حقيقي من خلال تعزيز فهمنا. ويساعد في توجيه هذه الجهود تقرير جديد أصدرته مبادرة النقل المستدام للجميع (SuM4All) بعنوان: «النقل المستدام بالأرقام: تتبع التقدم العالمي»، والذي يدعو إلى اعتماد إطار عالمي موحّد لتتبع الاستثمار في النقل، يرتكز على مجموعة مختصرة من المؤشرات عالية التأثير، بهدف وضع قطاع النقل على رأس أجندة التنمية، وتوجيه السياسات والتمويل، وضمان المساءلة.
خارطة طريق جديدة: تتبُّع الأمور المهمة
يقترح هذا التقرير إطاراً يمنح الأولوية لمجموعة محدودة من المؤشرات العالمية عالية الأثر، تتماشى مع ثمانية أهداف رئيسية مدعومة بثمانية مؤشرات مُقترحة، وهي: توفير الخدمات للجميع، والكفاءة، والسلامة، والنقل الأخضر، والتمويل، والمساواة بين الجنسين، والقدرة على الصمود، والوظائف. ويهدف هذا النهج إلى تجاوز مشكلة «تكدّس المؤشرات» والتركيز على النواتج التي يمكن لواضعي السياسات العمل على أساسها.
ومن خلال تتبع عدد محدد من مؤشرات النقل، سنتمكن من تقليل عمليات جمع البيانات ومعالجتها، مما يجعل عملية التتبع والإفصاح أكثر كفاءة واستدامة. ويساعد التركيز على عدد محدد من المؤشرات التي يسهل إدارتها على تعظيم الاستفادة من الموارد المخصصة لجمع البيانات وتحليلها، كما يساعد أيضاً في تقديم صورة كاملة الأبعاد عن التقدم المُحرز بمرور الوقت.
ويأتي هذا التقرير الجديد مكملاً للجهود الجارية التي تبذلها مبادرة "النقل المستدام للجميع" لسد الفجوات المستمرة في بيانات النقل من خلال اقتراح مؤشرات قوية ومنسقة تدعم المساءلة والاتساق مع المعايير العالمية. ويمكن أن يسهم هذا التقرير في تعزيز فهمنا وتقييمنا لمساهمة قطاع النقل في تحقيق التنمية المستدامة.
توصيات التقرير:
- اعتماد إطار موحد: يجب على الحكومات ووكالات الأمم المتحدة وشركاء التنمية أن تحشد جهودها للاتفاق على مجموعة مشتركة من المؤشرات وهيكل مؤسسي واضح للتتبع على المستويات العالمية والإقليمية والوطنية.
- الاستثمار في قدرات البيانات: دعم مكاتب الإحصاء الوطنية ووزارات النقل - لا سيما في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل - لجمع بيانات النقل وتحليلها وتبادلها. والتعامل مع بيانات النقل باعتبارها بنية تحتية حيوية، بالإضافة إلى الاستفادة من التكنولوجيات الجديدة مثل الذكاء الاصطناعي وصور الأقمار الصناعية لسد فجوات البيانات.
- إقامة شراكات في مجال البيانات: إشراك مقدمي خدمات النقل من القطاع الخاص، ومنصات الخدمات اللوجستية، والأوساط الأكاديمية، والمجتمع المدني لإطلاق مجموعات بيانات جديدة وتعزيز المساءلة.
- تحويل البيانات إلى عمل هادف: لا يقتصر الهدف النهائي على جمع الأرقام فحسب، بل أيضاً في استخدامها لتوجيه سياسات أفضل، واستثمارات أكثر ذكاءً، وإصلاحات أكثر فاعلية لتحسين الأحوال المعيشية للناس.
- تقنين الإفصاح: إعداد تحديثات منتظمة عن التقدم المُحرز، وإعداد تقرير مرحلي عالمي عن التقدم المُحرز في قطاع النقل المستدام للحفاظ على الزخم طوال الفترة 2026-2035.
10 سنوات لتحقيق الإنجازات
يمثل عقد الأمم المتحدة للنقل المستدام (2026-2035) فرصة سانحة لدمج القياس والسياسات والاستثمار في إطار واحد. فإذا استفدنا من هذه الفرصة ليس فقط في ضخ الاستثمارات، بل في توجيهها من خلال فهم أفضل، سنتمكّن من تحسين جودة الهواء، وجعل الطرق أكثر أماناً، وتحقيق تكافؤ الفرص للجميع.
ومن خلال خارطة واضحة والتزام مشترك بتتبع التقدم الذي أحرزناه وسد فجوة الاستثمار، يمكننا ضمان ألا يتخلف أحد عن الركب. والنقل الأخضر (المستدام والمراعي للبيئة)، هو تنمية ذكية. فلنجعل من هذا العقد من الزمان رحلة تحدث فرقاً ملموساً على أرض الواقع.
***
ساهمت كارولينا مونسالفي، وشكرانه مينوفي، وجوزفين إيرونغو، وماري فابيان في إعداد هذه المدونة.
انضم إلى النقاش