نشر في أصوات

حينما ندرك أن هناك من يرانا ويطلع علينا: الشفافية تحفز تحقيق النواتج في مجموعة البنك الدولي 

الصفحة متوفرة باللغة:
حينما ندرك أن هناك من يرانا ويطلع علينا: الشفافية تحفز تحقيق النواتج في مجموعة البنك الدولي  صورة: اجتماعات الربيع لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لعام 2025

تخيل خورخي لويس بورخيس ذات مرة وجود مكتبة شاسعة للغاية وتضم جميع الكتب التي سطرها الإنسان أو يمكن أن تُكتب. وهناك رجل يتجول في هذه المكتبة بحثا عن الحقيقة، لكنه يتوه وحيرته تزداد. وذات يوم يكتشف مرآة متصدعة خلف رف منسي ويرى نفسه في النهاية أمام هذه المرآة. هنا يدرك أن البصيرة الحقيقية تنبثق من التأمل الذاتي.

على غرار هذه القصة، فإن مرآة الشفافية تمكن مؤسسات التنمية ليس فقط من اكتشاف البيانات، بل أيضا من التوجه نحو المساءلة والمحاسبة الذاتية. ولهذا، تمثل الشفافية عنصراً محوريا في جميع أعمال وأنشطة مجموعة البنك الدولي.

في هذا الأسبوع، تمت الإشادة بهذه الجهود حيث احتل البنك الدولي مرتبة متصدرة على مؤشر الشفافية لمؤسسات التمويل الإنمائي والمعونات لعام 2025 الذي تصدره مؤسسة "انشر ما تموله"، وهي جهة رقابية مستقلة للإفصاح عن التمويل الإنمائي. ونحن لسنا رواداً في مجال الإقراض فحسب؛ لكننا متميزون في الشفافية، حيث حصلنا على درجة مثالية 30/30 في إدارة الأثر.

هذه الإشادة تشير إلى تحول أوسع نطاقاً في نهجنا إزاء التنمية نفسها.

الشفافية تشكل الخيارات

تعد بطاقة قياس الأداء المؤسسي الجديدة للبنك الدولي من بين الابتكارات المهمة التي تساهم في تعزيز شفافيتنا، وهي منصة مصممة ليس فقط للإفصاح عما نقوم به، ولكن أيضا لتغيير الطريقة التي نعمل بها.

تتيح بطاقة قياس الأداء نتائج مفصلة أولاً بأول بدءاً من المستهدفات وخطوط الأساس إلى النواتج الفعلية في مختلف البلدان وعلى مستوى محاور التركيز والمؤسسات. هذه البطاقة تفتح المجال كي يرى العالم بعين المنطق والعقل ما نقوم به من أعمال وأنشطة، مما يمكن الشركاء من رؤية ما ينجح ومحاكاته وطرح الأسئلة التي تتراءى لهم. والأهم من ذلك، أنها تمثل تحولاً نحو زيادة الشفافية والمساءلة المشتركة.

أدى هذا التحول إلى تحفيز أجندة الإصلاح التي تدعمها قيادة مجموعة البنك الدولي لا سيما وأن رؤية المجموعة المتمثلة في إيجاد مؤسسة أكثر مرونة واستجابة وخضوعاً للمساءلة قد وضعت الشفافية في صميم التميز على مستوى التشغيل والعمليات وجعلتها ضمن مبادئ تصميم المشاريع والبرامج.

في الاقتصاد السلوكي، يطلق على ذلك مصطلح "هندسة الاختيار"، وهو الإطار الدقيق الذي يتم من خلاله اتخاذ القرارات. ومن خلال إتاحة بيانات الأداء للجمهور، فإننا نحث الجمهور على "التفكر في النواتج". هذا التفكر يمثل استجابة سلوكية تدفع الأفراد إلى المواءمة التلقائية بين اختياراتهم وما يعرفون أنه سيكون مرئياً للجميع وخاضعاً لأحكامهم وللمقارنة مع الغير.

لذا، فإن الشفافية أكبر بكثير من مجرد جمع البيانات. إنها أداة لتغيير السلوكيات.

كيف تحدث الشفافية تحولاً فيما نقوم به

لا تتأثر المؤسسات بالحوافز وحدها فحسب، بل أيضا بعوامل أخرى تنشطها الشفافية:

  1. الهويّة والتطابق: نؤكد التزامنا بالحقيقة دون البحث عن إبراز جوانب الكمال.
  2. المعايير النموذجية: ما يتم الإفصاح عنه يساعد في وضع معيار مرجعي يجب أن يتبعه الآخرون. 
  3. الرؤية والوضوح: عندما تكون النتائج معلنة للجمهور، فإن السلوكيات والأفعال تكون الجانب الأبرز وليس النوايا. فالزملاء يتكيفون مع الواقع ويعدلون سلوكياتهم. ويطرح المديرون أسئلة مختلفة. وينتبه المواطنون إلى ذلك.

جدير بالاعتبار أن جوهر الأمور هو أن الأشياء المرئية هي التي لها قيمة ومحل تقدير. والشفافية محفز يتحول إلى دفعة قوية عندما تكون جزءاً لا يتجزأ في منظومة العمل.

إلى جانب التغييرات الداخلية، تمكن الشفافية أيضا الهيئات الأخرى بخلاف مؤسسات مجموعة البنك الدولي من أسباب القوة، مما يمكن المجتمعات المحلية والبلدان المتعاملة مع البنك الدولي والجهات الممولة المشتركة من التعامل مع البيانات، وتحدي الافتراضات، وصياغة الأولويات.

على أرض الواقع، يُترجم هذا إلى تبادل أطر الأثر قبل اتخاذ قرارات التمويل، وتوفير البيانات الأساسية قبل التنفيذ، وضمان الإفصاح عن المعلومات للمجتمعات المحلية على نحو موثوق. هذا يتعلق بإبراز “عناصر النجاح، والمستفيدين منها، وظروف هذه النجاح” ليس من الجانب الأكاديمي فحسب، ولكن كمبدأ يوجه الممارسات الرائدة.

الطريق إلى المستقبل

يعكس ترتيبنا المتميز بأعلى الدرجات على مؤشر الشفافية إحراز تقدم كبير، لذا ليس لدينا رفاهية الاختيار بين التراخي والجدية في العمل.

تأتي الشفافية في صلب ما نقوم به من أنشطة وأعمال ليس فقط على مستوى المنتجات السيادية، ولكن أيضا عند تعبئة رأس المال الخاص، وتتبع تمويل الأنشطة المناخية، وإشراك المجتمعات المحلية فيما نقوم به من برامج ومشاريع. وهذه التغييرات جزء لا يتجزأ من هدفنا المتمثل في جعل مجموعة البنك الدولي "بنكاً أفضل"، وأكثر خضوعاً للمساءلة، وأكثر اعتماداً على البيانات، ويحوز مزيداً من ثقة البلدان والجهات المتعاملة معنا والمجتمعات المحلية التي نخدمها.

لكن رغم كل ما نقوم به، لا تزال هناك فجوات وثغرات. فكما يشير مؤشر الشفافية، يمثل الإفصاح الدقيق عن تمويل الأنشطة المناخية المرحلة التالية. ونحن نمضي قدماً ونفعل المزيد من أجل هذا.  وقد التزمنا بنشر بيانات تمويل الأنشطة المناخية على مستوى مكونات المشروع بالنسبة لجميع المشاريع التي تمت الموافقة عليها بعد 1 أبريل/نيسان 2025.  وتتوفر بالفعل بيانات تفصيلية عن 30 مشروعاً للجمهور العام، وسيزيد هذا العدد في المستقبل. 

في عصر يشهد تحديات إنمائية هائلة وفجوات تمويلية كبيرة، فإن الثقة هي أغلى ما نملك. والشفافية ضرورية أيضا لاستعادة الثقة في المؤسسات.

حتى يتسنى جذب رؤوس الأموال، وبناء الأسواق، وتمكين المجتمعات المحلية من أسباب القوة، يجب أن نكون على استعداد لفتح دفاترنا، وعرض ما لدينا من أسباب منطقية تفسر ما نقوم به، والإفصاح عن مسيرتنا على نحو شفاف. هذا الإفصاح لا يشمل فقط إسهاماتنا ولكن أيضاً ما حققناه من أثر.

في نهاية المطاف، فإن الشفافية ليست مجرد مبدأ، بل أسلوب حياة لتحقيق أثر مستدام.


ليساندرو مارتن

مدير الدائرة المعنية بالنواتج بمكتب المدير المنتدب الأول في مجموعة البنك الدولي

انضم إلى النقاش

محتوى هذا الحقل سيظل خاصاً بك ولن يتم عرضه للعامة
الأحرف المتبقية: 1000