Syndicate content

أضف تعليقا جديدا

تونس وإيطاليا: هل تساعد التجارة الإقليمية في قطاع الكهرباء على استقرار المنطقة؟

Sameh Mobarek's picture
هذه المدونة متوفرة باللغات التالية: English | Français
 Anton Balazh l Shutterstock/NASAلم تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا قط مثل هذا الضغط على شبكات البنية التحتية المتقادمة مثلما يحدث اليوم، وأكثر هذه المشكلات وضوحًا اليوم هي الزيادة الهائلة في احتياجات الكهرباء. وتشير التقديرات إلى أن الطلب على الكهرباء في المنطقة سيزيد بنسبة 84% في 2020، وهذا سيتطلب زيادة إضافية مقدارها 135 غيغاواط واستثمارات بقيمة 450 مليار دولار. وأضحى السعي نحو نُهج جديدة لضمان الحصول على إمدادات كهرباء كافية وموثوقة في المنطقة أكثر إلحاحًا من ذي قبل.

وتتمثل إحدى الأدوات بالغة الأهمية لمواجهة هذا التحدي في زيادة التكامل الإقليمي بين شبكات الكهرباء لضمان الحصول على إمدادات كهرباء كافية ومستقرة على المدى الطويل.

ويعمل التكامل الإقليمي على تسهيل التجارة في الكهرباء والاستخدام الأكثر كفاءة لقدرات توليد الطاقة الكهربائية الحالية لتلبية الطلب المتزايد. ومن الممكن أن يعمل التكامل الإقليمي في المنطقة على تقليل الحاجة إلى قدرات إضافية لتوليد الطاقة الكهربائية من 135 غيغاواط إلى 102 غيغاواط، وهذا يمثل انخفاضاً هائلاً في قيمة الاستثمارات المطلوبة.

ومن الناحية الفنية، فإن الربط الكهربائي التام سيكتمل في المنطقة بحلول 2018 على أقصى تقدير، وذلك بمجرد استكمال إنشاء محطة الربط بين مصر والسعودية بقدرة 3 آلاف ميغاواط. وواقع الحال أن التبادل التجاري في مجال الكهرباء بين البلدان العربية محدود للغاية حيث يقل عن 2 % من قدرة المنطقة، بحسب التقديرات، وهذا يعني أن المنطقة العربية هي الأقل تكاملًا على مستوى العالم.

وهناك عدة أسباب لذلك، منها ضعف الاستثمارات في مجال توليد الطاقة الكهربائية في المنطقة وسط اضطرابات سياسية مستمرة في البلدان الرئيسية، مما أدى إلى تأخر هائل في بناء محطات جديدة وإنشاء معدات جديدة لنقل الكهرباء. وهناك أنماط متماثلة في الاستخدام اليومي والموسمي للطاقة في العديد من بلدان المنطقة تعمل على الحد من إمكانات التبادل التجاري.

وعلى الرغم من أن التعاون البيني على مستوى الإقليمي بين بلدان المنطقة كان محدودًا إلى حد ما، هناك فرصة لزيادة التعاون بين بلدان المنطقة ومنطقة أوروبا. وتشير الزيادة في قدرة توليد الكهرباء في جنوب أوروبا إلى مكاسب محتملة يمكن أن تتيحها التجارة الإقليمية في الكهرباء. على سبيل المثال، هناك ربط بين بلدان المغرب وأوروبا منذ أواخر التسعينيات من خلال خط بحري بقدرة 1400 ميغاواط بين المغرب وإسبانيا. وخمس الاستهلاك المحلي من الكهرباء في المغرب يأتي من إسبانيا، وهو ما خفض حاجة البلاد إلى بناء محطات توليد جديدة للوفاء بالاستهلاك المتزايد. واستفادت المغرب من تراجع الأسعار في إسبانيا نظرًا لأن محطات توليد الطاقة الإسبانية كانت تبحث عن أسواق جديدة لتسويق قدراتها المعطلة.

إيطاليا وتونس وفرصة التوصل إلى ترتيبات مماثلة.

شهدت السنوات القليلة الماضية ركودًا اقتصاديًا في أوروبا أدى إلى خفض الطلب على الكهرباء بصورة كبيرة، لا سيما في إيطاليا. وحقق برنامج إيطاليا لزيادة قدراتها على توليد الطاقة المتحددة نجاحًا كبيرًا إذ من المتوقع أن يفي هذا البرنامج بالمستهدف الخاص بالاتحاد الأوروبي البالغ 20 % من إنتاج الكهرباء من خلال الطاقة المتجددة في سنة 2020 وذلك قبل الموعد المحدد بعدة أعوام. وعملت مشروعات الطاقة المتجددة التي ظهرت في السنوات القليلة الماضية مع تراجع الطلب بسبب الركود الاقتصادي على تحويل إيطاليا إلى بلد يتمتع بفائض في إمدادات الكهرباء لأول مرة في تاريخها بعد الحرب.

وفي الوقت نفسه، اتجه توازن الطاقة في تونس إلى الاتجاه المعاكس. ومع تراجع الاحتياطيات المحلية للغاز في تونس، فهي بحاجة إلى تطوير وتوسيع نطاق مصادرها الخارجية الخاصة بإمدادات الطاقة. وجاءت فكرة الخط البحري لتوصيل الكهرباء بين تونس وإيطاليا قبل عدة سنوات مضت كوسيلة لتصدير طاقة كهربائية نظيفة مراعية للبيئة من تونس إلى إيطاليا. ومع اكتشاف جدوى توليد الكهرباء في تونس من خلال حرق الفحم وبناء محطات جديدة للغاز الطبيعي المسال لاستيراد الغاز بغرض توليد الكهرباء، تم إحياء فكرة هذا الخط البحري لاستغلال فائض الكهرباء بما يزيد على 40 ألف ميغاواط المولدة في إيطاليا من حرق الغاز ومن الطاقة المتجددة ونقل جزء منه إلى تونس. وسيسمح هذا الخط الذي تبلغ طاقته المبدئية 600 ميغاواط لتونس بتنويع مصادر استيراد الطاقة لديها، مع مرونة اكتشاف فروق سعرية (أو "هامش الربح الناتج عن بيع وحدة الطاقة من الكهرباء المولدة بالغاز") بين استيراد إما الغاز أو الكهرباء حسب الأسعار السائدة في السوق.

وتبين دراسة تم إجراؤها مؤخرًا حول الأثر الاقتصادي لهذا الربط المنافع التي لا تعود على تونس وإيطاليا فحسب، ولكن على بلدان أوروبية أخرى. فعلى سبيل المثال، من المتوقع أن تستفيد فرنسا من زيادة فرص تصدير الطاقة الكهربائية إلى شمال إيطاليا نظرًا لأن المزيد من الطاقة الكهربائية المولدة في جنوب إيطاليا سيذهب إلى تونس. ومن المتوقع أيضًا أن تستفيد ألمانيا وسويسرا على هذا النحو، على الأقل على المدى القصير.

ويُعتبر ذلك أحد الأسباب التي جعلت البنك الدولي يجدد جهوده الرامية إلى العمل مع تونس منذ 2014 في مجال المساعدة الفنية لتقييم الجدوى الاقتصادية للخط البحري الجديد مع إيطاليا. وقامت كل من الشركة التونسية للكهرباء والغاز وشركة تيرنا الإيطالية لنقل الكهرباء بإقامة مشروع مشترك لدراسة الجدوى الفنية والاقتصادية لهذا المشروع. ويعمل البنك الدولي حاليًا مع كلتا الشركتين على دراسة الجدوى المشار إليها وهيكل التمويل الخاص بهذا المشروع الأساسي.

وهناك جوانب تكامل قائمة في جميع أرجاء المنطقة مع إمكانات قوية لوجود سوق إقليمي عبر المناطق للكهرباء، لا سيما، بين بلدان مجلس التعاون الخليجي. ومن الممكن أن تتجاوز المنافع الإمدادات المستقرة للطاقة اللازمة لدفع قاطرة النمو الاقتصادي والتنمية. وتجدر الإشارة إلى أن التعاون في مجالي الفحم والحديد والصلب عمل على إرساء حجر الأساس للاتحاد الأوربي الذي أثبت أنه مصدر في غاية الأهمية لتحقيق الاستقرار لأوروبا على مدى الستين سنة الماضية. ومن الممكن أن تقوم التجارة الإقليمية في الطاقة بدور في وضع منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على مسار مماثل.