Syndicate content

رحلات لم تكتمل: لوحات هلن زغيب تلتقط هواجس ما بعد الربيع العربي

Aida Haddad's picture
هذه المدونة متوفرة باللغات التالية: English
يهمس لها صمت الليل بأسراره. 

تحضن جسد طفل غرق في البحر المتوسط، وآخر دفنته الثلوج، وآخر نثرت أشلاءه القنابل، وآخر تعرض للاستغلال بكافة أشكاله لأن طفولته عاجزة عن ردع وحشية تجار الحروب. 

تمزج ألوان قوس القزح بدموع القهر والمأساة، وترسم غياب الأطفال في أعمالها الفنية، ومن خلال ريشتها، تتصدى لقضايا تنموية معقدة ومتداخلة.

تشير دراسة أعدتها مجموعة البنك الدولي الى أن اكثر من 15 مليون شخص اضطروا الى الفرار من أماكن عيشهم نتيجة لأعمال العنف السائدة في بعض دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مما أدى الى ظهور أكبر أزمة لاجئين في العالم منذ الحرب العالمية الثانية. كما تشير الدراسة الى ان معظم الذين اضطروا للنزوح لجأوا الى دول مجاورة تعاني من أوضاع اقتصادية هشة مما يزيد من وطأة الوضع وتفاقم المأساة. والنساء والأطفال دائما هم أكثر شرائح المجتمع عرضة للمعاناة ودفع ثمن ويلات الحروب. وهذا ما تحدس به لوحات الرسامة هلن زغيب. 

نظم البرنامج الفني لمجموعة البنك الدولي، بالشراكة مع مكتب نائب الرئيس لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، معرضا لأعمال الرسامة هلن زغيب، في المبنى الرئيسي للبنك من 18 يناير إلى 16 فبراير تحت عنوان: الربيع العربي\ رحلات غير مكتملة، يجسد الشعور بالأمل والكرامة التي سادت أجواء الربيع العربي عام 2011، وانكسار الحلم في جوف الحروب والهجرة القسرية بعد فترة وجيزة.

وبهذه المناسبة، جرى لقاء حوار مع هلن زغيب يوم الثلاثاء 6 فبراير / شباط، استكشفت خلاله الرسامة الأفكار والمشاعر التي سعت إلى تجسيدها. كما شاركت جوليانا بيوندو من البرنامج الفني في البنك الدولي أفكارها واسترشدت بالمناقشة. واسترجع بعض الحاضرين قصصا مماثلة من وحي اللوحات، مؤكدين أنه لا يمكن بناء جدران تفصل القلوب عندما تكون المعاناة مشتركة تتخطى المكان والزمان ...

كيف تحول توق الربيع العربي الى الحرية والسلام والعدالة الى نقيضه؟ 

تلمح سلسلة أعمال هلن الربيع العربي\ رحلات غير مكتملة إلى الجواب ربما من خلال هذا التباين الصارخ بين ألوان فنها، وظلمة الواقع، اذ تستخدم في معظم أعمالها طلاء الغواش وهو مزيج من الأكريليك والألوان المائية يبرز حيوية وصخب الألوان، تسعى به الى تلوين هذه الهوة المظلمة التي تتسع باستمرار. تقول: "أنا رسامة، ولكن المأساة كبيرة لا تتحملها أحيانا اللوحة"، في إشارة إلى المجسدات التي صنعتها باستخدام وسائل الإعلام المختلطة.

"أتكلم بصوت النساء والأطفال الذين لا صوت لهم"، الضحايا البريئة للعنف والتشريد القسري. "من قبيل الصدفة فقط أن يولد طفل هناك وليس في أي مكان آخر آمن، محروما من حقه في استرداد طفولته، فكيف أنسى؟ يرد في ذهني كتاب الدكتور سووس الشهير "أوه، كل هذه الأماكن التي ستذهب اليها"، وأتساءل، ما هي الأماكن التي سيذهب إليها هؤلاء الأطفال؟ "

يعكس العديد من لوحات سلسلة الربيع العربي\ رحلات لم تكتمل هواجس وهموم النساء، والتي قد تعبر عنها هلن من خلال امرأة واحدة، في الوقت الذي توحي فيه المجسدات الفنية الى معاناة الأطفال وموتهم: خيمة صاخبة بالألوان تدعوهم الى اللعب، ولكنها تبقى صامتة ومهجورة، فردات لأحذية صغيرة ملونة هي كل ما تبقى منهم.

احدى مجسدات هلن الفنية تتناول ظاهرة مألوفة في الدول النامية، هي علكة التشكلتس، ترمز من خلالها الى الأطفال المشردين واللاجئين الذين يجبرون على العيش في شوارع لا ترحم ليبيعوا التشكلتس، لا شيء يحميهم من تقلبات الطقس أو قسوة الذين ينظمون عملهم ويتاجرون بهم. عمل فني يفضح الوضع اللانساني لهؤلاء الأطفال والنساء، ويختصر القضايا التنموية المستعصية مثل التشرد، والعنف ضد النساء والاطفال، وعمالة الأطفال، واستغلال المغلوبين على أمرهم، وتهميش اللاجئين أينما كانوا، وهذه قضايا كلها في صميم عمل مجموعة البنك الدولي.

مجسد آخر من أعمالها عبارة عن طاولة طعام في غاية الأناقة والذوق، ولكن الصحون الخزفية مصنوعة من رسومات وقصاصات جرائد عن المآسي الدائرة، "أسجل عدد الناس الذين يموتون، حتى لا تصير قلوبنا حصينة ويصير هذا الرعب اليومي أمرا عاديا."
 
وتوحي العديد من لوحاتها التي تركز على نساء يرتدين العباءات السوداء، أو المطرزة بالزهور والخط العربي أو بقصاصات الجرائد، بأوضاع النساء في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وكأنها تحدق في الجمهور متسائلة: "أين كنت في كل هذا؟" وفي لوحة "الخروج من الربيع العربي، 2013"، نرى امرأة ارتد رأسها وعنقها الى الخلف تعبيرا عن مدى عذابها، ولكن صراخها يتحول إلى كرمة معقودة من الزهور. هل هي مكبلة ومنسية، أم أنها مثل العنقاء، قابلة للحياة والتجدد المستمر؟ 

ويبقى السؤال: ما هي هذه الرحلات غير المكتملة ما بعد الربيع العربي؟ أمزيد من الغوص في المستنقعات، أم انبعاث من الرماد؟

أضف تعليقا جديدا