Syndicate content

المشي على خطى التاريخ - نحو الصندوق الاجتماعي للتنمية في العراق

Ghassan Alkhoja's picture
هذه المدونة متوفرة باللغات التالية: English
كانت الأمطار قد هطلت قبل بضعة أيام، فكانت أقدامنا تكاد تطفو على التربة اللينة التي أصبحت أسفنجية. ونحن نرى آثار أقدام الذئاب التي تجوب الأراضي ليلاً. كانت الشمس منخفضة في السماء، ونسيمٌ عليلٌ يهب في جميع الأنحاء. هناك صفاءٌ ينتشر في الهواء، كما لو أن التاريخ نفسه مطبوع في وعي هذه الأرض. هذه هي أوروك التي تبعد 300 كيلومتر جنوب بغداد، و 7000 سنة عن بداية الحضارة.

في العام الماضي، كتبت مدونة عن مشروع الصندوق الاجتماعي العراقي للتنمية، تحدثت فيها عن تاريخ العراق المجيد، وموارده الطبيعية الوفيرة، وتراثه الثقافي العميق، ورأس ماله البشري الهائل. كتبت عن مهد الحضارة والأنهار العظيمة، التي تجسدها مدينة أوروك، وهي من أقدم المدن في تاريخ الحضارات، يعتقد كثيرون أنها أعطت اسمها في العصر الحديث لهذا البلد "العراق". وذكرت التحديات العميقة التي تواجه شعب العراق. حيث أدت السنوات المتتالية من الصراع والعنف والنزوح إلى تآكل أو تدمير الكثير مما بناه سكان هذه الأرض. واليوم، سأكتب عن وعد التاريخ، وتفاؤل الحاضر، وإمكانات مستقبلٍ واعدٍ بدرجة أكبر.

في ديسمبر / كانون الأول 2017، كنت ضمن فريق من قطاع الحماية الاجتماعية في البنك الدولي اللذي زار محافظة المثنّى، وهي إحدى أكبر المحافظات في العراق مساحةً، وتسجل أعلى معدلٍ للفقر في البلد (قُدر بنحو 52.5% في 2012). التقينا بمسؤولين على جميع المستويات في المحافظة، وأجرينا ناقشاتٍ صريحة مع المواطنين حول التحديات التي تواجههم. وشملت هذه التحديات ارتفاع معدلات الفقر، وارتفاع معدلات البطالة (خاصة بين الشباب والنساء)، وضعف المحصلات على مستوى الصحة والتعليم، وانخفاض كبير في الإنتاج الزراعي، وغيرها.

الكثير من هذه التحديات لمسناها أيضاً خلال زيارتنا لقرية الذيل، التي تبعد بضعة كيلومترات عن أوروك. وتضم الذيل نحو 500 أسرة، تعتمد تقليدياً على الزراعة كمصدرٍ رئيسيٍ للنشاط الاقتصادي. بيد أن الوضع قد تراجع بدرجة كبيرة في السنوات الأخيرة، فتدفق نهر الفرات العظيم أصبح مجرى بسيط، وقد ارتفعت نتيجة لذلك مستويات ملوحة التربة. وتشهد المدارس ازدحاماً، حيث يبلغ متوسط عدد الطلاب فيها 60 طالباً في الصف الدراسي في مدرستين ابتدائيتين اثنتين فقط. وهناك عدد قليل من المراكز الصحية التي يمكن الوصول إليها، كما أن المياه الجارية متقطعة. وهنا أيضاً ترتفع البطالة، حيث تحول الشباب إلى العمل في القطاع العام وهو ما لم يعد متاحاً. أما العمالة النسائية فغير موجودة عملياً بسبب مزيج من قلة الفرص والقيود القانونية والأعراف الاجتماعية السائدة. ومع ذلك، فقد لمسنا من خلال أحاديثنا مع قادة المجتمع المحلي في الذيل، وخاصة المجموعات النسائية، قدراً كبيراً من التفاؤل، حيث أنهم يتطلعون إلى عراق جديد من سنوات من الصراع، هو العراق الذي هزم داعش وحرّر أرضه.

وكانت المجتمعات المحلية حريصة على التلاقي لتقييم احتياجاتها الجماعية، وبدء خططها للاضطلاع بالتنمية الاجتماعية والاقتصادية ذات الصلة بمجتمعها المحلي. ورأى هذه المجتمعات أن مشروع الصندوق الاجتماعي للتنمية سيتيح لها اتخاذ القرارات، وأنه بات بإمكان الحكومة الآن أن توفر لها الموارد اللازمة لاستعادة أمجاد الماضي. وهكذا تبدأ عملية إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، وهي خطوة حيوية لتجديد العقد الاجتماعي.


بينما كنا نسير في وقت لاحق في مدينة أوروك، شعرنا جميعاً بثقل التاريخ والمسؤولية الواقعة علينا الآن في العراق. رأينا الجدران التي لا تزال قائمة منذ 7000 سنة. رأينا بقايا الردهات التي جابها الملك جلجامش نفسه. في ملحمة جلجامش الشهيرة، يسعى الملك وراء سر الحياة الأبدية، ليكتشف لاحقاً أن الحياة الأبدية لا تتحقق إلا من خلال ترك الإنسان إرثاً من التنمية وراءه. إرث نسعى جميعاً لتحقيقه في عملنا في البنك الدولي.

أضف تعليقا جديدا