ما الذي نتعلمه من فوز الجزائر بكأس أمم أفريقيا لتحقيق التنمية الاقتصادية؟

|

الصفحة متوفرة باللغة

الصورة
Africa Cup 2019

في 19 يوليو/تموز، فازت الجزائر بنسخة 2019 من بطولة كأس الأمم الأفريقية لكرة القدم. يأتي تتويج الجزائر وسط تحوُّلات سياسية كاسحة فجَّرتها تظاهرات شعبية واسعة في الأشهر القليلة الماضية يقودها شباب يطالبون بتغيير جذري. لقد وحَّدت إمكانية التحول السياسي الجزائريين وألهمت المنتخب الوطني الحماس. تلك العزيمة والروح المثابرة التي تحلَّى بها فريق البطولة يجب على الأرجح محاكاتها في شتَّى قطاعات المجتمع إذا أرادت الجزائر أن تحقق الإصلاحات الاقتصادية اللازمة لتوفير فرص عمل جيدة لقوتها العاملة التي تتمتع بنصيب وافر من التعليم.

إن نموذج التنمية الذي تتبعه الجزائر تسبب بخيبة أمل قوة عاملة تتميز بصغر أعمارها وحظها الوافر من التعليم والمشاركة المتزايدة للنساء فيها، وتصبو إلى تمكينها اقتصاديا هذا النموذج عالق في مرحلة انتقالية للتحول من اقتصاد خاضع لسيطرة أجهزة الدولة يوفر الدعم وفرص العمل في القطاع العام إلى اقتصاد السوق. لقد أدَّت عقود من هيمنة الدولة مع سلسلة من عمليات التحرر إلى تفشِّي رأسمالية المحسوبية والمحاباة التي أصبحت فيها العلاقات والمعارف السياسية أهم كثيرا من الجدارة وحسْن الأداء. ويجعل ذلك من الصعب على معظم الجزائريين فهم كيف يمكن للأسواق أن تصب في مصلحة التنمية.

يمكن للجزائر استخلاص أربعة دورس من كرة القدم لتجديد نموذجها الاقتصادي وتنميتها الاقتصادية. 

 

 

 

الدرس الأول أن كرة القدم تظهر أهمية دور المنافسة وقوة عوامل السوق. ففي الكثير من القطاعات في الجزائر، يجري التحكُّم في الأسعار، والدولة أو الاحتكارات الخاصة هي القوة المهيمنة ، وهو ما يكبح قدرة الجزائريين الموهوبين على إحداث تحوُّل جوهري في اقتصاد بلادهم، ويُنفِّر الاستثمار الأجنبي. ومع تناقص عائدات النفط والغاز، بات من المستحيل تقريبا الحفاظ على الاقتصاد الذي تهيمن عليه الدولة. في الواقع، تعد كرة القدم مثالا واضحا يُبيِّن كيف أن آليات السوق تعمل كمصفاة لكشف المواهب وإثابتهم على أساس الأداء وبعيدا عن المحاباة.  ولكي تعمل الأسواق بشكل جيد، يجب أن تقل الحواجز أمام الدخول إليها وأن تتيح إمكانية الفشل. وبلغة الاقتصاد يجب أن تتسم بالتنافسية. ففرق كرة القدم التي تعجز عن إبدال اللاعبين الذين لم يعد بوسعهم تقديم أداء جيد تُمنى بالفشل.  وبالمثل، فإن الاقتصادات التي تحقق فيها الشركات القائمة دخلا بدون جهد تفتقر إلى الديناميكية والقدرة على خلق فرص عمل ووظائف جيدة. 

والدرس الثاني هو أهمية استقطاب المواهب. ففي أقل من عام، استطاع المنتخب الجزائري لكرة القدم بقيادة المدرب جمال بلماضي تجميع أفضل الجزائريين الذين يلعبون في الجزائر ودولاً أخرى  مثل المملكة المتحدة وفرنسا والبرتغال وإسبانيا وتركيا وإيطاليا وتونس والسعودية وقطر وأمريكا الشمالية. وتعاني الجزائر شأنها شأن البلدان النامية الأخرى من نزيف العقول وهجرة

الكفاءات على نطاق واسع. لقد استثمرت الجزائر بكثافة في التعليم منذ استقلالها عن فرنسا في 1962، ولكن كثيرا من أولئك الخريجين الحاصلين على مستويات تعليمية رفيعة--ومعظمهم من النساء-- يسافرون إلى الخارج بحثا عن فرص أفضل. وينبغي للحكومة الجزائرية أن تقتدي بالمنتخب الوطني لكرة القدم، وأن تعمل على تهيئة بيئة تسعى إلى تحديد واجتذاب الجزائريين الموهوبين سواء كانوا يعيشون في الوطن أو في الخارج.  ومن شأن تسخير ذوي المواهب من أبناء الوطن ومن يعيشون في الشتات إذا ما اقترن بزيادة انفتاح الأسواق أن يساعد على زيادة الإنتاجية والنمو الاقتصادي الذي هبط معدله دون 2% سنويا، وهو مستوى يعادل ثلث ما يتطلبه خلق وظائف تكفي لاستيعاب القادمين الجدد. كما أن استقطاب المغتربين الجزائريين سيتيح اندماجهم في البلاد باستخدام شبكات التواصل ورؤوس الأموال لهؤلاء المغتربين الذين تربطهم بالوطن الأم وشائج وأواصر قوية. 

ويتعلق الدرس الثالث بأهمية الدور المحوري للمديرين. ويُجسِّد المدرب بلماضي القيادة التي تتسم بالإنصاف والمثابرة مع المهارات الفنية والإستراتيجية المطلوبة لتحويل مجموعة من المواهب الفردية إلى فريق متميز ذي قدرات فائقة.  في بلدان نامية كثيرة مثل الجزائر لا يتم اختيار المديرين بالشكل الملائم أو لا يجري تمكينهم للقيام بدور قيادي. ولتحقيق نهوض باقتصادها، يتعين على الجزائر، وكما فعلت بفريقها لكرة القدم، أن تختار المديرين في القطاعين العام والخاص وتودع الثقة فيهم على أساس الجدارة والاستحقاق، لا على أساس المعارف والمحاباة ، وأن تمنحهم حرية العمل والتصرف والاستقلالية في اتخاذ القرارات واختيار ذوي المواهب وإثابتهم. فالمديرون الأكفاء الذين يتمتعون بصلاحيات وقدرات كافية يعمدون إلى إبدال نهج الحوكمة التقليدي من القمة إلى القاعدة على مستوى الشركات بآخر من القاعدة إلى القمة، قادرٍ على الاستجابة بسرعة أكبر وبشكل أفضل، وإضافة زخم للنمو الاقتصادي.

 

 

والدرس الأخير الذي يمكن استخلاصه من كرة القدم هو أهمية الحَكَم.  فالحَكم الكفؤ المستقل برأيه ضروري لسلامة المنافسة وإنصافها. وفي الاقتصاد، فإن الحكام هم الجهات التنظيمية المحايدة التي يمكنها الإشراف على قطاع ما مثل الاتصالات السلكية واللاسلكية أو في حالة سلطات المنافسة على الاقتصاد ككل. والتنظيم ضروري للحفاظ على حرية الأسواق والحيلولة دون الاحتكار. ويمكن تفادي أي ردود فعل شعبية مناهضة لفتح الأسواق إذا كان الناس يثقون في جهاز تنظيمي يتمتع بقدرات إنفاذ ملائمة تكفي أن يصبح ضامنا لمنافسة منصفة مفعمة بالحيوية. ويمكن للتكنولوجيا أيضا أن تسهم بدور في هذا مثلما تفعل في كرة القدم. فتقنية حكَم الفيديو المساعد الجديدة تتيح للحكم مراجعة اللعب لتقييم ما إذا كان قراره الأولى صائبا أم لا. وعلاوة على كفاءته واستقلاليته، تجعله عملية المراجعة الجديدة خاضعا للمساءلة. والحال كذلك بالنسبة للقائمين على الجهاز التنظيمي، إذ يجب أن يتحلوا بالشفافية في قراراتهم، وهو ما يجعلهم خاضعين للمساءلة أمام الجمهور.

أمام الجزائر فرصة فريدة لإجراء إصلاحات جريئة وإحداث تحوُّل جوهري للاقتصاد، حيث لديها المواهب الفردية، وما تحتاج إليه هو الإرادة السياسية  لاجتذاب المديرين الموهوبين وتمكينهم عن طريق تدعيم حوكمة الشركات والجهاز التنظيمي لجعل أدائه مُبدِعا خلاقا ومنصفا، ويمكنها أن تقتدي بفريقها الكروي البطل ليكون مصدر إلهام لها.

انضم إلى النقاش