Syndicate content

الحقائق مقابل التصورات: محاولة لفهم انعدام المساواة في مصر

Paolo Verme's picture
هذه المدونة متوفرة باللغات التالية: English
أكثرت الصحافة المحلية والعالمية في تغطيتها للثورة المصرية في استخدام كلمة "التفاوت" لوصف أحد العوامل المثيرة للغضب والاستياء. هناك موضوعان أثارا جدلا شعبيا في المرحلة الأخيرة للتحول السياسي، وهما العدالة الاجتماعية والمساواة. وقد أشارتالصورة السائدة داخل مصر وخارجها قبل الثورة إلى أن غياب العدالة الاجتماعية والتوزيع غير العادل للموارد يمثلان ظاهرتين راسختين، بل إنهما ببساطة جزءٌ من المشهد الاجتماعي. ولكن ذلك ما لبث أن تغير بقيام الثورة، فثمة توقعات حالية بأن يضطلع القادة الجدد بتلبية المطالب الشعبية بتحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية.

الحقائق مقابل التصورات:  محاولة لفهم انعدام المساواة في مصرتتمثل أحد الجوانب المحيرة بشأن هوس الانشغال بانعدام المساواة في أن قياس التفاوت المالي في مصر من خلال الدراسات الاستقصائية للأسر المعيشية لا يتوافق فيما يبدو مع التصورات السائدة. فطبقا لكل من البنك الدولي والأرقام الحكومية الرسمية، تراجع معامل جيني (الذي يقيس عدم التكافؤ في توزيع الدخل) طوال العقد الماضي من 36.1 في المائة عام 2000 إلى 30.7 في المائة عام 2009 (البنك الدولي 2007 و 2011). علما بأنالرقم الأخير منخفض وفق المعايير الإقليمية والدولية ولا يعتبر رقما عاديا في حالة البلدان منخفضة الدخل التي تشهد فترات نمو سريعة. مرّت مصر بفترة نمو طويلة للغاية منذ أواخر الثمانينيات. وفي الفترة من 1996 إلى 2010، شهدت مصر نموا بأكثر من 5 في المائة،فضلا عن طفرات نمو بين عامي 2006 و2008  بما يتجاوز 7 في المائة (www.cbe.org.eg).

فكيف يمكن إذن تفسير هذا التناقض الصارخ بين الحقائق والتصورات عن التفاوت؟  هناك دراسة حديثة[1]  تتناول هذه المسألة من خلال إمعان النظر في الحقائق المتعلقة بالتفاوت باستخدام ثلاثة استقصاءات لمستويات دخل وإنفاق واستهلاك الأسرة المصرية (HIECSs) ومراجعة تصورات الناس لهذا التفاوت طبقا لاستقصائين لمؤسسة وورلد فاليوز سيرفي خلال العقدين السابقين على الثورة. وتشير نتائج هذه الدراسة إلى تفسير محتمل للتناقض بين الحقائق والتصورات. 

فماذا تقول هذه البيانات؟

بالإضافة إلى استقصاءات مستويات دخل وإنفاق واستهلاك الأسرة المصرية باعتبارها مؤشرات صالحة لقياس التفاوت بين الأسر المصرية التي خضعت للملاحظة، كشفت الدراسة أيضا أن التفاوت في الدخل لم يرتفع بين عامي 2000 و2009. ويتسق ذلك مع الدراسات السابقة والنتائج الأخرى المتعلقة برفاهية الأسرة.  ففي الفترة  بين عامي 2000 و 2009، كان التحسن في وضع الأسر الأكثر فقرا أفضل نسبيا من الأسر الأكثر ثراء، وهو ما يتسق مع تقليص فجوة التفاوت.ولكن هذه النتائج لا تتفق بوضوح مع الانطباع السائد عن الأسباب الجذرية للثورة المصرية. ومن المحتمل أن استقصاءاتدخل وإنفاق واستهلاك الأسرة المصرية لا تقيس مستويات الدخل العليا جيدا، وهو ما يفسر الانخفاض الملحوظ في معدل التفاوت. ومع هذا، لم تجد الدراسة أي دليل على عدم رصد مستويات الدخل العليا بصورة تامة، علاوة على أن توزيع الدخل في مصر لا يخرج عن النطاق المألوف عند مقارنتهبتوزيع الدخل في بلدان مماثلة.وبمعنى آخر، لا تكمن المشكلة في القياس لأن استقصاءات دخل وإنفاق واستهلاك الأسرة المصرية تؤدي الغرض منها بشكل فعال، وهي لا تقتصر على قياس الدخل المرتفع فحسب، بل هي أيضا أداة جيدة لقياس التفاوت بشكل عام.   

من ناحية أخرى، تتيح هذه الاستقصاءات أمْرين رئيسيين يمكن أن يساعدا في تفسير التناقض بين الحقائق والتصورات.   أولهما أن رفاهية الأسرة لم تتحسن بشكل عام خلال فترة النمو.وهذا يعني ضمنيا أن ثمار النمو لم تصل بعد إلى المواطنين كافة.ومن هنا، قد تقرأ الأسر عن النمو في الصحف ولكنها لا تشعر به في الواقع.  ومن شأن القراءة عن النمو ومتابعة أخباره أن يزيدا التوقعات والآمال في مستقبل أفضل، ولكن عدم الشعور بأي من ثمار هذا النمو يبدد تلك التوقعات ويُطيح بالآمال.   

ويتثمل الأمر الثاني في ازدياد التباين بين نمو إجمالي الناتج المحلي ورفاهية الأسرة بمرور الوقت. ويتضح ذلك في الشكل 1 الذي يقارن بين نمو إجمالي الناتج المحلي ونمو دخل وإنفاق الأسرة طبقا للاسقتصاءات المعنية بدخل وإنفاق واستهلاك الأسرة المصرية.  وفي فترة ما قبل الثورة، زاد الفارق بشدة بين نمو إجمالي الناتج المحلي من جهة، ونمو دخل الأسرة من جهة أخرى.  ومن الواضح أيضا أن هذا الفارق لم يرتفع فقط بين نمو إجمالي الناتج المحلي ودخل الأسرة وفقا لاستقصاءات دخل وإنفاق واستهلاك الأسرة المصرية، بل إنه زاد أيضا بين نمو إجمالي الناتج المحلي واستهلاك الأسرة مُقاسًا بمعطيات الحسابات القومية. وبدلا من رصد الزيادة في التفاوت، تشير البيانات إلى وجود فجوة كبيرة بين الارتفاع المتوقع في الدخل (الذي يمثله نمو إجمالي الناتج المحلي) وبين الارتفاع الحقيقي (الذي يمثله الدخل الفعلي الذي تحصل عليه الأسرة)- وهي فجوة ظلت آخذة في الاتساع طيلة عشر سنوات قبل قيام الثورة.

انقر على الصورة لتكبيرها

المصدر:استقصاءات دخل وإنفاق واستهلاك الأسرة المصرية 2000، 2005، 2009، والحسابات القومية للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وقاعدة بيانات تقريرآفاقالاقتصادالعالمي الصادر عن صندوق النقد الدولي.  تم تكميشجميع البيانات وفقا لمعدل التضخم في مؤشر صندوق النقد الدولي لأسعار السلع الاستهلاكية.

ما هي تصورات المصريين؟

جرى قياس التصورات الشائعة للتفاوت في مصر من قبل مؤسسة وورلد فاليوز سيرفي في عامي 2000 و 2008 في نفس الفترة التي أجْرِيت فيها استقصاءات دخل وإنفاق واستهلاك الأسرة المصرية. ومؤسسة وورلد فاليوز سيرفي هي منظمة عالمية معنية بدراسات استقصائية لقياس الرأي والتصورات العامة للجمهور بشأن طائفة واسعة من القضايا. وتتضمن هذه الاستقصاءات سؤالا عن رأي الناس في التفاوت طبقا لمقياس يتدرج من واحد إلى عشرة حيث يشير المستوى واحد إلى الرغبة في المزيد من المساواة فيما يدل المستوى عشرة على التسامح إزاء مستويات أعلى للتفاوت. ويوضحالشكل 2 متوسط النتائج وتصنيفها حسب مجموعات الدخل المُجيبة على نفس السؤال في عامي 2000 و 2008. وتمثل المجموعة الأولى الشريحة العشرية الأشد فقرا بينما تمثل المجموعة العاشرة الشريحة العشرية الأكثر ثراء. ويوضح الشكل نمطين يشير أولهما إلى أن زيادة كراهية الناس للتفاوت في الفترة بين عامي 2000 و 2008. فالخط الأحمر المعني بعام 2008 منخفض بصورة شبه تامة تقريبا عن الخط الأزرق لعام 2000، مما يعني تراجع التسامح إزاء التفاوت من قبل كل فئات الدخل تقريبا. والنمط الثاني هو زيادة التباين في التصورات بين الأغنياء والفقراء. ففي عام 2000، كان هذا التباين ضئيلا إذ لم يتجاوز الفارق بين الأغنياء والفقراء نقطة واحدة على المؤشر. وفي عام 2008، زاد الفارق بين الأغنياء والفقراء بمقدار الضعف إلى نقطتين. ومن هنا، غدا المصريون بشكل واضح أكثر كراهية للتفاوت، واشتدت تلك الكراهية في أوساط الفئات الأشد فقرا في المجتمع، وهما عاملان يشيران إلى تفاقم الغضب والاستياء إزاء توزيع الدخل.  

انقر على الصورة لتكبيرها

بالنظر عموما إلى التغيرات التي اعترت مشاعر الناس ورصدتها مؤسسة وورلد فاليوز سيرفي، شهدت أيضا الفترة 2000 إلى 2008 تغيرا كبيرا في تصورات الناس بشأن العديد من القضايا. فقد تبدلت أولويات الناس من المخاوف العامة بشأن الحرية والبيئة إلى تطلعات مادية ملموسة بشأن نمو إجمالي الناتج المحلي واستقرار أسعار السلع الغذائية. كما حدث تراجع واضح في مستويات الإبلاغ الذاتي عن الدخل والأوضاع الاجتماعية، وهو ما يتسق مع بيانات استقصاءات دخل وإنفاق واستهلاك الأسرة المصرية. وفي عام 2008، أصبحت الأسر المصرية تشعر بأنها أكثر فقرا مما كانت عليه في عام 2000، وباتت تؤمن بأنها تنتمي إلى شريحة اجتماعية أدنى.وقد تأججت المخاوف بشأن الطبقة الاجتماعية حتى بالمقارنة بالمخاوف المتعلقة بالدخل، مما يوضح أن الناس باتوا أكثر وعيا بأوضاعهم الاجتماعية وأكثر قلقا إزاء مكانتهم النسبية مقابل أوضاعهم المطلقة. وفي الحقيقة، فإن المخاوف بشأن الوضع الاجتماعي تُفسر مقت الناس للتفاوت بدرجة أكبر مما يفسره تباين الدخل نفسه. وعند مقارنتها ببلدان أخرى، نجد أيضا أن الزيادة في كراهية التفاوت في مصر هي أكبر منها في أي مكان آخر في العالم، ولا تُضاهيها إلا مثيلتها في البلدان الأخرى في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.  وتُنْبئُنا النظريات المتعلقة بالثورات والعدالة الاجتماعية بأنه خلال فترات التحول الاقتصادي الكبير – كالتي مرت بها مصر على مدى العقدين الماضيين- تتغير توقعات الناس بسرعة كبيرة. وهذا هو ما نجده بالفعل عندما نقارن بين الدراستين الاستقصائيتين اللتين أجرتهما مؤسسة وورلد فاليوز سيرفي في عامي 2000 و2008.   

هل هناك اختلاف حقيقي بين ما تقوله البيانات وما يقوله الناس؟

الحقيقة أننا نجد من خلال مقارنة ماتقوله البيانات بما يقوله الناس أن ثمة اختلافات قليلة. فبيانات استقصاءات دخل وإنفاق واستهلاك الأسرة المصرية وبيانات الاقتصاد الكلي تفيد بأن هناك تفاوتا بين نمو إجمالي الناتج المحلي ونمو دخل الأسرة، مما يُظهر زيادة في شعور الناس بالإحباط بسبب أوضاعهم.  وبدورها، تؤكد مؤسسة وورلد فاليوز سيرفي أن الناس ازدادوا إحباطا بالفعل وباتوا أكثر كراهية للتفاوت.  وثمة اختلاف بين تفاوت الدخل مُقاسا باستقصاءات دخل وإنفاق واستهلاك الأسرة المصرية، وبين التصورات بشأن تفاوت الدخل التي رصدتها مؤسسة وورلد فاليوز سيرفي. ولكن هذا الاختلاف تُفسره حقيقة أن الناس تحكم على التفاوت، ليس من خلال الفجوة المتصورة بين دخلهم ودخل الآخرين فحسب، بل أيضا من خلال الفجوة المتصورة بين دخلهم الفعلي ودخلهم المتوقع، وهو أمر على نفس القدر من الأهمية.  فالقضية الحقيقية بالنسبة لمصر اليوم ليست التناقض بين حقائق وتصورات هذا التفاوت، بل التناقض بين حقائق الواقع والتوقعات بشأن الدخل المأمول. ولكن مقاييس التفاوت في توزيع الدخل، كمُعامل جيني، لم يتم تصميمها على نحوٍ يقيس التفاوت من النوع الأخير، كما لا يمكنها أن تنقل صورة كاملة لتصورات الناس للتفاوت.  وربما يكون هذا هو أحد جوانب التفاوت الاجتماعي التي أخفقنا في رصدها قبل الثورة، وهو شيء ينبغي أن ندرسه عن كثب في المستقبل. 


[1] البنك الدولي (2012): سبر أغوار التفاوت في مصر:الاتجاهات التاريخية، الحقائق الحديثة،  والتصورات، والبعد المكاني.   دارسةغيرمطبوعة.

أضف تعليقا جديدا