التحول الأخضر يساعد اقتصادات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على التعافي بعد جائحة كورونا

|

الصفحة متوفرة باللغة

الصورة
يمكننا أن نحول دون حدوث الأزمة المناخية القادمة باستجابتنا للأزمة الحالية.
يمكننا أن نحول دون حدوث الأزمة المناخية القادمة باستجابتنا للأزمة الحالية. (Photo credit: robert_s/shutterstock.com)

تمثل أزمة فيروس كورونا فرصة سانحة لإحداث تحول في الاقتصاد، وخصوصا، لأن يصبح "أخضر". إن الأزمات الاقتصادية السابقة مثل الأزمة المالية في 2008-2009 وأزمة النفط في السبعينيات أعقبها مباشرة خفض كبير في انبعاثات الكربون. لكن لسوء الحظ، فإن تلك المستويات المنخفضة من الانبعاثات لم تدم طويلا. ففي مرحلة التعافي التالية، تسارعت الانبعاثات وتجاوزت ما حدث من خفض سابق.

وكان عدم الحفاظ على الانبعاثات في مستويات منخفضة بشكل دائم يمثل فرصة ضائعة لتلك الأزمات. لكن هذه المرة وفي ظل أزمة فيروس كورونا، انخفضت الانبعاثات العالمية نحو 17% (مقارنة مع أشهر الربيع من العام الماضي). وكي لا تفوّت البلدان الفرصة لإبقاء مستويات الانبعاثات منخفضة مستقبلا، من الضروري أن يراعي تعافيها الاقتصادي الحفاظ على البيئة، وأن تستغل هذا الزخم من أجل بلوغ مستقبل خالٍ من الكربون.

إن برامج الحوافز المالية الحكومية في جميع أنحاء العالم ستؤثر على مسارات الانبعاثات العالمية لعقود قادمة. ولذلك فإن الاستجابة للجائحة ستكون استجابة لأزمة المناخ في الوقت ذاته.

خفض الانبعاثات ليس مهما فقط للمناخ العالمي ولكن أيضا لتحسين جودة الهواء. إن سلوك مسار للنمو الأخضر للخروج من الأزمة مهم على وجه الخصوص لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، التي ستكون الأكثر تضررا بفعل درجات الحرارة شديدة الارتفاع مما يضغط على حدود التكيف البشري. علاوة على ذلك، فإن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تضم العديد من المدن الأكثر تلوثا بالهواء في العالم، وتفيد التقديرات بأن 100 ألف شخص يموتون مبكرا كل عام بسبب مستويات تلوث الهواء المحيط، بحسب دراسة للبنك الدولي.

كما تسبب المعاناة البشرية الناجمة عن ارتفاع تلوث الهواء تبعات اقتصادية كبيرة؛ وتفيد التقديرات بأن الخسارة السنوية من دخل العمل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بسبب تلوث الهواء تزيد عن 9 مليارات دولار سنويا. بالإضافة إلى ذلك، فإن فيروس كورونا يرتبط على نحو وثيق بتلوث الهواء (مثلما تكشف دراسات في الولايات المتحدة وأوروبا). وتم التوصل أيضا إلى ارتباط مماثل بين تلوث الهواء وجائحة الفيروس التاجي السابقة لمتلازمة الالتهاب الرئوي الحاد الوخيم (سارس). وفي ظل دراسة تفحص بيانات من الصين (نريد أن نشير إلى أنه في هذه المرحلة، فإن هناك حاجة إلى المزيد من الأبحاث من أجل الوصول لمزيد من الوضوح بشأن العلاقات السببية وأحجام التأثير بين فيروس كورونا وتلوث الهواء).

يمكننا أن نحول دون حدوث الأزمة المناخية القادمة باستجابتنا للأزمة الحالية. والدرس المهم الذي يجب أن نتعلمه من أزمة فيروس كورونا هو أن الوقاية أفضل بكثير من أي علاج. لذا، إذا كانت الاستجابة للأزمة الحالية قد تحول في الوقت ذاته دون حدوث الأزمة القادمة، فمن الواضح أن هذا سيكون أفضل مسار للأحداث. وتبدو تكلفة التقاعس عن العمل إزاء الاحترار العالمي ضخمة وتفوق تكلفة التحرك، فقط بالنظر إلى تغير المناخ فحسب. وإذا وضع المرء في الحسبان التكاليف الصحية والاقتصادية لتلوث الهواء علاوة على هذا، فإن المبرر للتحرك يصبح أكثر إلحاحا.

التعافي الأخضر سيجلب الوظائف والنمو. إن تحويل التعافي من أزمة فيروس كورونا إلى الحل لأزمة المناخ أمر مهم، كما يبلغنا ما يزيد عن 200 خبير اقتصادي من البنوك المركزية ووزارات المالية والأوساط الأكاديمية من جميع أنحاء العالم، شملهم استطلاع للرأي، هو التحرك الأكثر ذكاء - ليس فقط من منظور بيئي، لكن أيضا من منظور اقتصادي (انظر هيبورن وآخرون 2020). في الحقيقة فإن استراتيجية التعافي الأخضر تمتاز فعليا بمضاعفات اقتصادية أعلى مقارنة مع النموذج البديل وهو أسلوب العمل المعتاد للنمو "البني" (الملوث للبيئة). وتشمل السياسات التي أبرزها الخبراء الذين شملهم المسح الاستثمار في رأس المال الطبيعي من أجل أنظمة إيكولوجية برية وبحرية وساحلية تتمتع بالقدرة على الصمود، واستعادة الموائل الغنية بالكربون، وكفاءة الموارد، ونظم الإدارة المتكاملة للأراضي، والزراعة المستدامة، وإنتاج الطاقة النظيفة بوصفها سياسات رئيسية للنمو الأخضر.

إن تلك السياسات تتمتع بالقدرة على خلق المزيد من صافي فرص العمل في الأمد القصير وتحقيق النمو المستدام في الأمد الطويل. وتشير تقديرات تقرير الاقتصاد المناخي الجديد إلى أنه إذا شرعنا في مسار النمو الأخضر عالميا، فإن عدد الوظائف الخضراء الجديدة سيفوق بشكل كبير الوظائف البنية القديمة التي ستنخفض- مكسب يتمثل في 65 مليون وظيفة إضافية للأنشطة منخفضة الكربون بحلول 2030، مقابل خسارة 28 مليون وظيفة في الأنشطة مرتفعة الكربون مثل الفحم وصناعة الوقود وإمدادات الكهرباء والغاز. في المقابل، فإن خطط التحفيز المالي التي لا تضع في الاعتبار الفرص الخضراء ستشكل فرصا ضائعة هائلة، إذ أن الفرصة السانحة ستضيع، بسبب تراجع الحيز في المالية العامة وزيادة الديون التي ستواجه البلدان بسبب تدخلاتها في مجال المالية العامة.

باختصار، فإن معاودة النمو على نحو أكثر مراعاة للبيئة وقدرة على الصمود عامل مهم في إخراج البلدان من الركود وإعدادها للوضع الطبيعي الجديد، على عكس عالم الأمس المُقيد في مسارات النمو التقليدية. إن جائحة كورونا، وعلى الرغم من المعاناة الشديدة الناجمة عنها، تتيح لنا فرصة سانحة لإعادة بناء اقتصاد أفضل، اقتصاد المستقبل، على عكس إعادة بناء اقتصاد الماضي. وسيوفر التحفيز المالي الأخضر دعما فعالا للاقتصاد عبر زيادة الطلب على العمالة في الوقت المناسب كما يبني أيضا الأسس لأداء نمو مستدام قوي في المستقبل لبلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

بقلم

ليا سيغهارت

مديرة برنامج وكبيرة خبراء تغير المناخ بالبنك الدولي

انضم إلى النقاش