نشر في أصوات عربية

الشرق الأوسط ينتقل من عهد انقطاع الكهرباء إلى عهد الطاقة المستدامة والانبعاثات المنخفضة

الصفحة متوفرة باللغة:
Switched ON Lightbulb in the Shape of the World - Shutterstock l tr3ginيمثل الاتفاق الذي توصل إليه 196 بلدا في باريس، للعمل بشكل جماعي على الحدّ من ارتفاع متوسط درجات الحرارة في العالم إلى ما دون درجتين مئويتين فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، علامة بارزة على الجهود المبذولة لتجنب أسوأ آثار تغير المناخ.  وفي باريس، وافق كل طرف من الأطراف على القيام بدوره في تعزيز الطاقة المستدامة.  وترغب بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في القيام بدورها للتخفيف من تغير المناخ، كما اتضح في مساهماتها الوطنية لمكافحة تغير المناخ. وأشار المغرب إلى اهتمامه بزيادة نصيب الطاقة المتجددة إلى 52% بحلول عام 2030 وهو أمر مبهر في ضوء اعتماده على الوقود الأحفوري لتوليد الكهرباء. ومن الواضح أن البلدان المصدرة للطاقة مهتمة بالحفاظ على دورها كمورد للطاقة العالمية ولها مصلحة في التحول العالمي نحو الطاقة المستدامة.
 
وهناك قدر كبير من الكفاءة التي يمكن تحقيقها كما يظهر في زيادة كثافة الطاقة (كمية الطاقة لكل وحدة من الناتج المحلي الإجمالي) في المنطقة خلال العقد الماضي الذي شهد خفضا هائلا في أماكن أخرى. وفي جهودها لتوفير إمدادات منتظمة ميسورة التكلفة من الكهرباء – وهو ما زال هدفا صعب المنال لبعض بلدان المنطقة – تعتزم البلدان أن تزيد بشكل كبير من كمية الطاقة المتجددة التي تمثل حاليا نسبة ضئيلة للغاية من مزيج الطاقة. وتسعى البلدان أيضا إلى تشجيع التحول في توليد الكهرباء من زيت الوقود الثقيل والديزل إلى الغاز الطبيعي وهو أقل أنواع الوقود الأحفوري كثافة من حيث انبعاثات الكربون.
 
كيف وصلنا إلى هذا الوضع؟
 
عادةً ما يرى العديد من بلدان الشرق الأوسط الغنية بالنفط موارد الطاقة كسلعة عامة وهو ما يعني أن الطاقة تباع محليا بأسعار أقل بكثير من قيمتها السوقية.   وفيما يتعلق بالسياسات، فإن عددا من البلدان كان يرى في الطاقة المنخفضة التكلفة محركا رئيسيا للنمو الاقتصادي، ووسيلة لجذب الاستثمارات الصناعية.  ومع ذلك، ومع مرور الوقت، فإن هذه السياسة الاقتصادية والاجتماعية قد أثبتت أنها مكلفة، حيث إن بلدان المنطقة تنفق مبالغ طائلة على خدمات الطاقة.  ففي عام 2014، أنفقت الحكومة المصرية 22 في المائة من ميزانيتها على الدعم (أي ما يعادل 6.6 % من الناتج المحلي الإجمالي)، وهو ما كان يتجاوز حجم إنفاقها على الصحة سبع مرات.   ويمثل دعم الطاقة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ما يقرب من نصف دعم الطاقة على مستوى العالم، وهو ما وصل إلى 548 مليار دولار في عام 2013.
 
ويقول الاقتصاديون إن دعم الطاقة ينافس بقوة الإنفاق العام الفعلي ويميل إلى صالح الأغنياء في العادة.  وفي مصر، آلت نسبة 60% من الدعم في عام 2014 إلى الأغنياء الذين يستهلكون الطاقة أكثر من الفقراء.  وعلى هذا النحو، فإن الدعم ليس وسيلة جيدة للحماية الاجتماعية.  ومع ذلك، فإن دعم الطاقة له أيضا تأثير سلبي على قطاع الطاقة نفسه، حيث أنه يجذب الأنشطة كثيفة الاستهلاك للطاقة، ويعزيز الاستهلاك المفرط ويثبط الاستثمارات.  
 
وبعد عقود من عدم الكفاءة وقلة الاستثمارات، لم تعد مصر قادرة على تصدير الغاز الطبيعي إلى الأردن اعتبارا من عام 2011 وما بعده، وكان على الأردن أن يجد مصادر بديلة للوقود لتوليد الكهرباء.  ورغم أنه اعتاد على الاعتماد بشكل شبه كامل على الغاز، فقد اضطر إلى استيراد الديزل والوقود الثقيل لمواجهة حالات الطوارئ، وسعى جاهدا لتأمين إمدادات الوقود على المدى الطويل.    كما بدأت مصر تعاني من نقص الوقود وانقطاع التيار الكهربائي، لفترات وصلت إلى 6 ساعات يوميا بحلول صيف عام 2014. وكان هذا نتيجة لسنوات من النمو المرتفع في الطلب على الغاز نتيجة لانخفاض أسعاره وارتفاع الطلب المحلي على الكهرباء والصناعة.
وقد تكررت نفس القصة في العراق، حيث شهد صيف عام 2015 احتجاجات عفوية في جميع أنحاء البلاد بسبب زيادة انقطاع التيار الكهربائي، إلى فترات بلغت 16 ساعة يوميا.   وخلافا لمصر والأردن، فإن الأسرة العراقية لديها شبكة موازية وغير رسمية من مولدات الديزل، ولكن صيانتها عادة ما تكون مكلفة للغاية بالنسبة للأسرة.
 
ما هو الجديد؟
 
والخبر السار هو أنه نتيجة لانقطاع التيار الكهربائي، فقد انطلقت هذه الحكومات في العمل عبر برامج وطنية لتحسين خدمات الطاقة وتعزيز الطاقة المستدامة. وتحظى هذه البرامج بالمساندة من تمويل البنك الدولي لأغراض سياسات التنمية التي تتيح مساندة للموازنة من أجل برامج للإصلاح.   ومن المثير للاهتمام أنه اتضح أن تعزيز الأسس السليمة لقطاع الطاقة – وهي تحديد الأسعار بما يعكس التكاليف الصحيحة، وحسن نظام الإدارة السليمة، ومزيج الوقود المتنوع - يمكن أن يؤدي أيضا إلى تحسين خدمات الطاقة مثل خفض فترات انقطاع الكهرباء، وتخفيضات كبيرة في انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري. 
وفي الأردن، شرعت الحكومة في تطبيق إصلاحات الدعم وهي تسير بشكل جيد في طريقها لاسترداد التكاليف في قطاع الكهرباء بحلول عام 2017. ومن خلال هذه الإصلاحات في التسعير والسياسات المستهدفة، يهدف الأردن إلى التمكين من تغيير نوع الوقود على نطاق كبير - بالتحول من إنتاج الكهرباء باستخدام الديزل وزيت الوقود الثقيل اللذين تنبعث منهما كميات كبيرة من الكربون إلى الطاقة المتجددة (10% من مزيج الطاقة) والغاز الطبيعي (7 إلى 70 %) بحلول عام 2017. كما استثمر الأردن أيضا في وحدة لإعادة تحويل الغاز المسال إلى غاز في العقبة والتي بدأت العمل في عام 2015 ومن شأنها أن تمكن الأردن من الحصول على الغاز الطبيعي المسال من السوق.
 
وفي مصر، شرعت الحكومة في تنفيذ خطة عمل طارئة، استهدفت إضافة قدرات جديدة لتوليد الطاقة الكهربائية وتحسين كفاءة إمدادات الكهرباء.  وبمساندة من تمويل سياسات التنمية، ستخفض مصر أيضا  تدريجيا من دعم الطاقة (من 6.6 % من الناتج المحلي الإجمالي إلى 3 %  في عام 2016)، وتقلل العبء المالي على قطاع الطاقة، وتحفز المشاركة من الخبرة الفنية للقطاع الخاص في مجال الغاز والكهرباء، وتشجيع استخدام الطاقة المتجددة.  ومن المتوقع أن تحد هذه التدابير من انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري في القطاع بنسبة تتراوح بين 11 و 21 %  بحلول عام 2019 من خلال انخفاض الطلب، والتحوّل عن استخدام أنواع معينة من الوقود، والطاقة النظيفة.
 
وفي العراق، شرعت الحكومة في تنفيذ برنامج للطوارئ للاستفادة من احتياطياتها الكبيرة من الغاز.  ولأن العراق لا يجمع الغاز الطبيعي الذي يصاحب عملية إنتاج النفط، والذي يتم حرق 50 % منه حاليا في الغلاف الجوي، فإنه يتعين عليه استخدام مزيج من زيت الغاز والنفط الخام والنفط الثقيل لتوليد الكهرباء، والتي يتم استيراد بعضها بتكاليف كبيرة.  وبمساندة من تمويل سياسات التنمية، يستثمر العراق في مجال الحد من حرق الغاز، ويتوسع في توليد الكهرباء باستخدام الغاز، ويخفض دعم الطاقة.  ومن المتوقع أن تخفض هذه الاستراتيجية إلى حد كبير من العبء المالي الواقع على قطاع الكهرباء، وينبغي أن تشجيع على التحول نحو توفير إمدادت منتظمة وميسورة التكلفة من الطاقة الكهربائية.   وكقيمة مضافة، فإن هذه الإصلاحات من المتوقع أن تحد من انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري في العراق بنسبة 4 %  بحلول عام 2016 مقابل المعدلات السائدة حاليا.
 
وبعد المفاوضات الناجحة بشأن إطار تغير المناخ في باريس، فقد اتفقت البلدان على تحقيق خفض كبير في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري الناتجة عن شبكات الطاقة والنقل.  وتبين التجارب الأخيرة في الأردن ومصر والعراق أن الإصلاحات المصممة على نحو فعال يمكن أن تسفر عن فوز ثلاثي الأوجه يتمثل في تقليل العبء المالي على قطاع الطاقة، وتحسين مستويات الخدمة، والحد من انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري. 

بقلم

تشارلز كورمير

مدير قطاع الطاقة والإستخراجيات

انضم إلى النقاش

محتوى هذا الحقل سيظل خاصاً بك ولن يتم عرضه للعامة
الأحرف المتبقية: 1000