شبح البيانات الكبرى يخيم على العالم، لكن هل وقعت بالفعل ثورة البيانات؟

الصفحة متوفرة باللغة:

Imageتعمل التغيرات التي اعترت العرض والطلب المتعلق بالبيانات على إعادة هيكلة التسلسل الهرمي للمعرفة المتميزة، مع تحول هواة البرمجة والتكنولوجيا المقروءة إلكترونيا إلى جزء محوري من تحليلها. ربما يأمل الخبراء التقليديون في إحداث تطور تدريجي، لكن قد تكون هناك ثورة موازية يقودها الممارسون تعتمل حاليا في القطاع الخاص. ويقول براسانا لال داس إن الشراكات ستحتاج إلى ضم هؤلاء الممارسين الجدد لأن ثورة البيانات بالنسبة لهم هي بالفعل واحدة من حقائق الحياة.

ليس هذا هو العصر الأول للتكنولوجيا، لكن لا يبدو أنه سيستمر مائة عام. فعالمنا يتحول أمام أعيننا – أحيانا بقوة أكبر من الآخرين- ولم يكن عالم البيانات الجاف بطبيعته والذي يسوده الأساتذة والخبراء، مستعصيا على التغيير هو الآخر. بل قد يكون الشرارة لبعض الحماس الثوري، خاصة وأن تقريرا وضعته لجنة رفيعة المستوى تتألف من أشخاص بارزين عن أجندة التطوير فيما بعد عام 2015 دعا إلى "ثورة في البيانات" ‘لدعم البيانات والإحصائيات الضرورية للمساءلة واتخاذ القرار.‘ ومع هذا، ما لبثت ثورة البيانات الرسمية أن بدأت تنجلي رويدا رويدا، وهو ما يجعل المرء يتساءل أحيانا عما إذا كانت هذه ستكون ثورة موظفين عموميين انطلقت بواسطتهم ومن أجلهم. أم أنها ستكون ثورة تعمل في الواقع على تغيير كيفية قياسنا للعالم، وما نقيسه فيه، ومن ذا الذي يقوم بالقياس.

ويصف التقرير الثورة على مستوى عال نسبيا، وهناك جهود كبيرة تبذل منذ ذلك الحين لتوضيح ما الذي يمكن أن تجلبه هذه الثورة، وكيف يمكن للتوجهات الناشئة المدرجة (من التصنيف، إلى إشراك الجمهور، فالتكنولوجيا، وتحسين الاتصال-التي تساعد على تمكين المواطن) أن ترسم ملامح هذه الثورة. وحتما انصبت بعض المناقشات على قضايا معروفة جيدا (لكنها ما تزال مهمة) كتعظيم بناء القدرات، وإسناد أدوار أكثر مركزية إلى مكاتب الإحصاء الوطنية، وزيادة الجهود الرامية إلى توحيد معايير جمع البيانات، والشراكات الأكثر ذكاء، فضلا عن توفير المزيد من الموارد للأجهزة المعنية بالبيانات وهو أمر لا مناص منه. ولكن في الظل، كان يكمن شبح البيانات الكبرى والتقنيات الجديدة للبيانات- حسبما أقر التقرير نفسه- فضلا عن إدراك أن عالم البيانات قد يكون قد تعرض لثورة بالفعل وأن بعض الحقائق التي طالما تمسكنا بها لم تعد تصلح هنا.

وقد عرجت مؤخرا على اثنين من المؤتمرات – أحدهما نظمته مؤسسة Webdatanet والآخر عقدته لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأوروبا، حيث شبح الثورة – سواء كانت وشيكة أو قائمة إذ أن هذا يتوقف على من تسأله- يخيم على المكان. كانت تلك مؤتمرات لخبراء ذائعي الصيت ومؤثرين في مجتمع البيانات، ويمتلكون الأدوات اللازمة لاستبيان ما إذا كان العالم يتغير من حولهم. ولهذا، فبينما ساد الهدوء على السطح، عج المؤتمران بالأسئلة.

هل سادت المكائن بالفعل؟

الكثير من البيانات في العالم (أكثر من 90 في المائة) تأتي حاليا من "المكائن" (أجهزة الاستشعار، الهواتف المحمولة، الأقمار الصناعية، الكاميرات، الطائرات المسيرة بدون طيار، أجهزة المسح الضوئي...الخ) ومن المرجح أن يزداد الاختلال (حتى في العلوم الاجتماعية). ومن الواضح أنه مازال هناك دور للباحثين في هذا المجال للتحدث إلى الناس وتسجيل الملاحظات بكل أمانة، إلا أن البيانات التي يجمعونها تتضاءل كثيرا أمام ما يمكن أن تفعله وتجمعه المكائن. والحديث عن المكائن يمكن أن يكون مخيفا، إلا أنها يمكن أن تسجل البيانات من مناطق الحرب، والمناطق المهجورة، ومن قريب ومن بعيد، ومن الظاهر والخفي، والمنطوق وغير المنطوق، ويمكنها أن تفعل ذلك بشكل متكرر ويمكن التنبؤ به (للأسف ليس هناك مدونات عن المغامرات الإثنوغرافية المذهلة للمكائن!) وكثيرا ما تتفوق المكائن في وظيفة تحليل هذه البيانات ووضعها في إطار منطقي- بل وتتعلم وتتكيف مع تحول البيانات. والاقتصاد الثاني قد يكون قاب قوسين أو أدنى من اقتحام علم البيانات، أو قد لا يكون، ولكن- في رأيي على الأقل- فإن الثائر في مجال البيانات الذي لا يسأل ‘هل المكائن تفعل ذلك‘ عند دراسة أي جانب من البيانات ربما يكون قد تخلف عن الثورة.

هل اقتحم الهمجيون البوابات (ألا تحتاج أن تكون خبيرا لكي تعالج البيانات)؟

هل تذكر عندما راح الصحفيون يهاجمون المدونين ووسائل التواصل الاجتماعي عامة لأن أصحاب المحتوى الجديد لم يراعوا قواعد الأسلوب الصحفي التي ناضل الخبراء المختصون لعقود من أجل ترسيخها؟ أو عندما كان محترفو صناعة الفيديو يستهزؤون باليوتيوب؟ حسنا، نفس الكتلة الوقحة أحاطت بالبيانات – جمع البيانات بالجهود الذاتية ونشرها، وتحليلها، ووضع تصور لها، ومشاطرة ممارسي البيانات العمل بشأنها، ومهندسي السياسات، والأكاديميين، والمجتمع المدني على السواء. الذي يجعل هواة البيانات أقوياء هو انسجامهم مع السياق، وقدرتهم على توجيه الأسئلة الصحيحة عن البيانات، وتوجههم إزاء البيانات لتحقيق غاية بعينها- هؤلاء أناس تمثل لهم البيانات وسيلة لا غاية، وفجأة يجدون أنفسهم أمام العديد من مختلف الأدوات الخاصة بالبيانات ليختاروا من بينها، أدوات تحول العديد من مهارات البيانات التقليدية إلى سلعة أو إلى حق مكفول للجميع. ولا أقول على الإطلاق أن هواة البرامج هؤلاء يمكن أن يحلوا محل العلماء والمتخصصين في البيانات، ويظل من الصعب الاستغناء عن المتخصصين في الكثير من الجوانب، إلا أن عمل هواة البرامج أولئك يثير تساؤلا عما إذا كانت الثورة الحقيقية لن تأتي من أسفل، وما إذا كان هواة البرامج الجدد ليسوا هم ثوار البيانات الحقيقيون.

هل تتراجع التحالفات التقليدية للبيانات؟

تهيمن القوى التقليدية على خطاب ثورة البيانات على نطاق واسع (رغم التناقض في المصطلحات)- في الغالب من قبل الأجهزة الرسمية، ومراكز البحث المعترف بها، والجامعات التي تتمتع بسلطة جمع ورعاية وتوزيع البيانات الأساسية (رغم تضافر الجهود لضم فاعلين جدد.) يمكن للمرء أن يدفع – رغم أنني لا أملك أرقاما في الوقت الحالي- بأن نسبة البيانات التي تسهم بها مثل هذه الكيانات في منظومة البيانات كلية قد شهدت انحسارا في الآونة الأخيرة (في الأساس نتيجة طوفان البيانات الذي يأتي من مصادر جديدة للبيانات.) وما تغير أيضا هو مزيج البيانات – فأغلب المصادر "الحديثة" للبيانات هي غير تقليدية (المكائن، وسائل التواصل الاجتماعي، البيانات التفاعلية، بيانات صفقات أنشطة الأعمال، وغيرها) والعديد من الجهات الرسمية لم تطور مهارات جمع وإدارة مثل هذه البيانات (رغم أن بعضها يبذل جهودا في هذا الصدد.) وهكذا، فإن السؤال الحتمي هو ما إذا كانت الثورة قد فاتت مثل هذه الجهات بالفعل وهي بعد في بدايتها، أم أن الفرصة ما تزال سانحة أمامها لتعويض ما فاتها؟ أود أن أقول إن الأجهزة الرسمية ستبقى مهمة، إلا أن بعض الشراكات التقليدية قد تضم العديد من الوجوه الجديدة.

هل كل ما نعرفه عن البيانات خطأ؟

لأكن واضحا - لا، لكن ممارسي التقنيات الجديدة للبيانات يقذفون مؤسسة البيانات عادة بأسئلة مستفزة- ألم تندثر النظريات والنماذج؟ أليس انتقاء تقنية بدائية أكثر ملاءمة لعالم يفتقر إلى البيانات بدلا من عالم اليوم الثري بالبيانات؟ هل أرقامنا المفضلة، ما يسمى بالبيانات الأساسية، كإجمالي الناتج المحلي، والتوظيف، والتضخم، والميزان التجاري وأمثالها، لا جدوى لها على الإطلاق في عالمنا المعاصر؟ أليست البيانات التقليدية بطيئة للغاية، وثقيلة، ومكلفة بما يحول دون جدواها في بيئة مثقلة بالقرارات؟ فهل دقة البيانات مهمة فعلا كما نعتقد (وهل كانت البيانات دقيقة للغاية على أي حال)، أم أن علينا أن نقبل بيانات "مربكة" باعتبار أن ذلك هو العرف الجديد؟ الردود على تساؤلات من هذا القبيل تميل أحيانا لأن تكون تلقائية، أو على الأسوأ، مستهجنة، ولكن لو أن ثمة ثورة ستقوم فعلا، فقد يكون هناك حجة للتغاضي عن بعض القواعد القديمة والحفاظ على انفتاح الذهن.

ما هي القيمة التي ستكون لثورة البيانات؟

لماذا نحتاج إلى ثورة في البيانات؟ على الأقل ركزت بعض المناقشات التي دارت حول ثورة البيانات على القضايا المتعلقة "بجانب العرض" كالفجوة في البيانات وجودتها، تحسين التوثيق، البنية الأساسية التكنولوجية للبيانات، إتاحة البيانات وقابليتها للاستخدام، والتحدي الخاص بالبيانات الكبرى. وانصبت المناقشات بشأن الطلب على "الأدلة"، و"المساءلة"، "واتخاذ القرار". ولكن هل هذه فجوة يمكن لثوار البيانات "الرسمية" أن يسدوها بشكل أفضل من، لنقل مثلا، القطاع الخاص؟ ما هي الأسئلة التي يمكن للأجهزة الرسمية أن تجيب عليها بشكل أفضل من "السوق"؟ هل يمكن أن تساعد المزارعين على التنبؤ بمحصول زراعي أفضل؟ هل يمكن أن تتنبأ بشكل أفضل بتفشي الأمراض؟ هل يمكن أن تساعد أنشطة الأعمال على اتخاذ قرارات استثمارية أفضل؟ هل يمكن أن تساعد حقيقة في التيقن من وصول المساعدات إلى مستحقيها وأن تحقق النتائج المرجوة؟ أجب بنعم- وبالتأكيد سيكون هذا فعلا بمثابة ثورة. وقد رد القطاع الخاص بالفعل على مثل هذه التساؤلات – ولتلق نظرة على مؤسسة المناخ. أو على ميتابيوتا Metabiota. هاتان الشركتان، وأخريات مثلهما، تبنيان أنشطتهما على البيانات، مثلما فعلت من قبلهما شركات التأمين، على سبيل المثال. بالنسبة لهما، تمثل البيانات حقيقة راسخة بالفعل.

تأمل المجموعات القائمة على ثورة البيانات في التحول المنظم، وتغيير النظام الذي يتبع القواعد المعمول بها حاليا، والتطور التدريجي الذي يفضي إلى ثورة. وبعيدا عن عالم التنمية، ربما تكون هناك ثورة موازية تجري حاليا.

-----------------------------

التدوينة منشورة أصلا في مدونة "تأثير العلوم الاجتماعية" الخاصة بكلية لندن للعلوم الاقتصادية والسياسية.

-----------------------------

موقع "إدارة التمويل بالبنك الدولي" هو نقطة الدخول الإلكترونية إلى البيانات المالية للبنك الدولي للإنشاء والتعمير والمؤسسة الدولية للتنمية ومؤسسة التمويل الدولية. ويستعرض الموقع مجموعات البيانات التي تغطي القروض والعقود والصناديق الاستئمانية والاستثمارات والبيانات المالية. تطبيق الهاتف المحمول، الذي يسمح لك "بالتحدث" معنا بسهولة أكثر عن البيانات التشغيلية والمالية بتسع لغات، متاح للتنزيل على الهواتف الذكية التي تعمل ببرامج أندرويد و iOS ومستخدمي الكومبيوتر اللوحي على متجر غوغل بلي ومتجرآبل آب ستور. تابعونا على تويتر لتنضموا إلينا وابقوا على تواصل معنا في المناقشات حول البيانات المالية للبنك.


بقلم

براسانا لال داس

مسؤول برامج أول، مكتب المراقب المالي

انضم إلى النقاش

محتوى هذا الحقل سيظل خاصاً بك ولن يتم عرضه للعامة
الأحرف المتبقية: 1000